من المفيد والضروري التذكير بأنّ ليس هناك من ثورة في العالم، وعلى مدى التاريخ، طلبت أو يمكن أن تطلب شرعيّتها من الظالم نفسه الذي تنتفض ضدّه.

وبالتالي، فإنّ كل حلّ يتمّ التداول به للخروج من الانهيار المالي والسياسي الذي يرزح لبنان واللبنانيون حاليّاً تحت وطأته، ويتوسّل خطوات دستورية معروفة في الحالات الطبيعية لتحقيقه، كاستشارات وتكليف وتأليف ومنح ثقة من مجلس النواب الحالي، إنّما هو حلّ شكلي لن يؤدّي إلّا إلى ضياع الجهد الهائل الذي قام ويقوم به الشعب، من خلال ثورته الوطنية.
يتّضح من الحركة في الساحات، ومن عنوان الثورة الأساس وهتافها: الشعب يريد إسقاط النظام، أنّ الثورة الشعبية الوطنية الشاملة تهدف إلى إيجاد حلّ للمشكلة من جذورها، وليس فقط الاكتفاء بمعالجة انهياراتها الأخيرة!... وإلى استئصال المرض بشكل نهائي، وليس فقط التعايش معه من خلال المسكّنات وعمليات الشقّ والتقطيب الدورية؛ وإلى فرض حلٍّ الآن، يشعر الشعب بنتائجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية فوراً، خلال سنة وسنتين وثلاث، ولا تبغي وعوداً بعيدة المنال يتقن التسلّط متسلّحاً بالنظام تفادي تحقيقها؛ وإلى حلّ يرسي بُنياناً جديداً صحّياً وصلباً للبنان القرن 21، وليس الانخداع بطروحات لإعادة توزيع ثروة وقوى ونفوذ بين قبائل طائفية وجماعات حزبية.
كلّ الحلول من داخل ما يُسَمّى الشرعية الدستورية، حتّى ولو بدت بظاهرها حلولاً منطقية وعملية وممكنة، هي في الحقيقة إفشال فعليّ للثورة، وابتعاد عن غايتها، بدل تلبية النداء الأساسي والواضح للثورة بإسقاط النظام الطائفي التحاصصي، نظام الميثاق والوفاق والنفاق!
ثمّ إنّ هذه الحلول تفترض:
أولاً، أن الفاسدين الطغاة ممكن أن يمنحوا شرعية تسمح للجهة التي تسعى إلى محاكمتهم أن تحاكمهم فعلاً، أو أنّ تكون أكثر من شرعية شكلية إن منحوها.
وثانياً، أنّ الثورة تقف عند حدود المطالبة بتبديل الأشخاص في الحكومة.
وثالثاً، والأخطر، أنّ الثورة تطمح لأن تكون طائفة يمكن استمالتها وإرضاؤها بعدد من الوزارات والوزراء!
إنّ الحلول الجزئية، ولو تحت شعار الشرعية والدستورية، لا علاقة لها بالثورة، مبدأً وفعلاً! فالثورة انتهاء لزمن، لعقلية، لطرق تفكير، لعلاقات ظلم واستتباع، لقوانين، وحتّى لدستور، وبداية لزمن جديد! الثورة لا تستجدي اعترافاً من المستبدّين الفاسدين؛ الفاسدون عمداً ونمَطاً وعن سابق تصوّر وتصميم.
وها أنّ الأسابيع، منذ 17 ت1، تظهر أنّ المتسلّطين منذ بدء الثورة وبعد استقالة الحكومة وفي مساعيهم لتشكيل حكومة، إنّما يفكّرون بالطريقة نفسها والعقلية ذاتها لتناتش الحكومة والدولة أيضاً، عملاً بالمحاصصة الطائفية القبائلية ذاتها، وبألاعيب العصابة المنظّمة والخبيرة بتقاسُم النفوذ والطوائف والغنائم. لم يفهموا بعد أين أصبحت الثورة، وأين أصبح الشعب.
لم يفهم المستولون على السلطة من خلال تفصيل أنظمة انتخاب على مقاساتهم طوال ثلاثين سنة، أنّ كل ما يصدرونه من تشريعات ومراسيم منذ 17 ت1، لا بل كل ما أصدروه خلال السنوات الثلاثين السابقة وفيه اعتداء على أملاك ومصالح الشعب، غير شرعي، ومن أولويات الثورة، أي ثورة، نقضها وعدم العمل بها واسترجاع ما نتج عنها. إنّ تشريع التسلّط لنفسه، والسرقة بأيّ شكل، وتمريره هذه الشرعنة إلى أيّ حكومة يمنحها الثقة، لا يعني أنّ السرقة باتت شرعية!
فالشرعية يملكها الشعب. السيادة للشعب. وهذا ليس قولاً جماهيريّاً، وإنّما نصّ دستوري في لبنان وأيضاً في جميع الدول الديموقراطية.
تنصّ مقدّمة الدستور اللبناني في النقطة «دال»: «الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسّسات الدستورية».
ولكنّ المؤسّسات الدستورية عطّلتها سيطرة كونفدرالية الطوائف ورؤوسها السياسية وأتباعها في السلطة والإدارة على مدى ثلاثين سنة. وهذه المؤسّسات الدستورية، التي تحتضن السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في النظام اللبناني القائم على مبدأ: «الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها»، بحسب النقطة «هاء» من مقدّمة الدستور؛ هذه المؤسّسات هي دستورياً عاطلة من العمل لأنّ السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية تحت وطأة المتسلّطين لا فصل بينها ولا توازناً، بل تحوّلت إلى حلقة متراصّة متواطئة ضدّ الشعب وليس في خدمة الشعب. فمن ناحية، أصبح مجلس الوزراء من خلال تأليف حكومات التوافق مُصغّر مجلس النواب، ما جعل السلطتين التشريعية والتنفيذية تَسلُّطاً مُحصّناً ومحميّاً من ذاته، يتوالد وتتمدّد فروعه ومخالبه ويتكاثر فساده في كلّ إدارات الدولة وأجهزة الرقابة والمؤسّسات الأمنية وأجهزتها والمؤسسات المالية والنقدية وفي طليعتها مصرف لبنان.
ومن ناحية ثانية، أصبح القضاء كسلطة فاسداً، وكمؤسسة مهترئاً والكثير من قضاته وعائلاتهم يرزح تحت تسلّط النفوذ السياسي الطائفي والأمني والمالي بالكامل.
نجح التسلّط في أن يستحيل كتلة هائلة متكافلة متضامنة تملك المال والقرار والقانون والأمر العسكري! كتلة، الكلّ فيها معارض والكلّ موالٍ: حكومات غير قادرة على الإنتاج ولكنّها قادرة على توزيع مغانم السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والصفقات والأرباح غير الشرعية، كالتهرّب الضريبي والاعتداء على الأملاك البحرية والنهرية والسطو على الهبات، إلى ما لا نهاية من وسائل النهب، وصولاً إلى الاستيلاء على أموال المؤتمرات الدولية المخصّصة أصلاً لإغراق لبنان بالديون من أجل تركيعه لحظة الحسم الإقليمي والدولي حول مسألة فلسطين وقضية المشرق وتوازنات الشرق والإقليم.
إنّ المؤسسات الدستورية مخطوفة منذ عشرات السنين، وأمّا ما نراه، فمجرّد واجهة للقرارات التي يتمّ اتّخاذها في اجتماعات التوافق اللعين في مدن كونفدرالية الطوائف وضواحيها وقراها. لا بل إنّ الدستور بحدّ ذاته معطّل. فقد تمّ تعليقه منذ أن وُضع في الطائف عام 1989. تمّ شنقه!
وبالمناسبة، هذا لا يعني أنّ دستور الطائف يُفتخَر به، ولكنّ سلاطين كونفدرالية الطوائف لم يلتزموا حتى بمواد دستور طائفي ملغوم، لأنّ الدستور مهما كان عاطلاً، يُحدّ! بينما جشعهم وتَسلُّطهم لا حدود لهما!

تعطيل الدستور
ومن أمثلة تعطيل الدستور على مدى ثلاثين عاماً، لا حصراً:
تنصّ مقدّمة الدستور في البند «جيم» على أنّ «لبنان جمهوریة دیموقراطیة برلمانیة، تقوم على احترام الحریات العامة، وفي طلیعتها حریة الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعیة والمساواة في الحقوق والواجبات بین جمیع المواطنین دون تمایز أو تفضیل».
كذلك، تنصّ المادة 7 على أنّ «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتّعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحمّلون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم».
وتضيف المادة 12 من الدستور أن «لكلّ لبناني الحق في تولّي الوظائف العامة لا ميزة لأحد على الآخر إلّا من حيث الاستحقاق والجدارة حسب الشروط التي ينصّ عليها القانون».
ما تقدّم اسكتزفرانيا دستورية ــ سياسيّة لا مثيل لها، لأنّ اللبنانيين غير متساوين في الحقوق المدنية والسياسية ولا بتولّي الوظائف العامة لا من قريب ولا من بعيد! غير متساوين بسبب التمييز الطائفي والمذهبي، وأيضاً الجندري والمناطقي والاقتصادي ــ الاجتماعي.
أمّا البند «زين» من مقدمة الدستور، فينصّ على أن «الإنماء المتوازن للمناطق ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً ركن أساسي من أركان وحدة الدولة واستقرار النظام». إذاً، وبما أنّ هذه المادة لم ترَ النور ولا بصيصه على مرّ لبنان، وخاصة بعد الطائف، فإنّ الذين حكموا بالمال وبالسياسة لثلاثين عاماً إنّما عملوا عن سابق تصوّر وتصميم ووضوح تام ضدّ وحدة الدولة وضدّ استقرار النظام.
وينصّ البند «حاء» من المقدّمة على أنّ «إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني أساسي يقتضي العمل على تحقيقِه وفق خطة مرحلية».
طبعًا، لم تعمل سلطة ما بعد الطائف على تحقيق هذا الهدف الوطني الأساسيّ، كما ينصّ البند، ولم تضع أيّ خطة مرحلية لذلك، وإنّما غذّت من خلال أعرافها التوافقية اجترارَ حياة طائفية سياسية واجتماعية ومكّنتها.
ثمّ تنصّ المادة 15 على أنّ «الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن يُنزع عن أحد مُلكُه إلّا لأسباب المنفعة العامّة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً». نسفت المؤسّسة الدستورية التشريعية هذه المادة من جذورها عندما سمحت لشركة خاصة هي سوليدير، شركة خاصّة جداً، أن تستولي على البلد، في أكبر عملية نهب منظّمة لملكيات الأفراد الخاصّة في العاصمة بيروت.
وأمّا المادة 19، والتي ينصّ مطلعها على أن «ینشأ مجلس دستوري لمراقبة دستوریة القوانین والبتّ في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسیة والنیابية...»، فكان سجلّها خلال الثلاثين عاماً الماضية حافلاً بالفراغ والصمت والمهازل.
وفيما تذكر المادة 24 في متنها «... وإلى أن یضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القید الطائفي...»، ارتأى أصحاب التسلّط أن تكون الـ «إلى أنْ» أجلاً غير مسمّى!
أمّا المادة 32 المتعلّقة بالموازنة، فتنصّ على أن «یجتمع المجلس في كلّ سنة في عقدین عادیین فالعقد الأول یبتدئ یوم الثلاثاء الذي یلي الخامس عشر من شهر آذار وتتوالى جلساته حتى نهایة شهر أیار، والعقد الثاني یبتدئ یوم الثلاثاء الذي یلي الخامس عشر من شهر تشرین الأول وتخصّص جلساته بالبحث في الموازنة والتصویت علیها قبل كلّ عمل آخر وتدوم مدة هذا العقد إلى آخر السنة». هكذا باليوم ولولا الحياء بالساعة والدقيقة! مادة غيّبها تسلّط كونفدرالية الطوائف على مدى معظم السنوات الثلاثين الأخيرة، ما سهّل له بمنظوماته الوظيفية ومؤسساته وتياراته السياسية، أن ينهب الدولة وأموال الشعب بشراهة وبشكل هستيري.
ثم المادة 95 الشهيرة التي اختلف أركان التسلّط على تفسيرها: «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتّخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية... واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية... ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية».
أمّا «على» الجبرية في مطلع المادة، فلم يستطع استجداء جميع القانونيين والقوى العلمانية والمدنية وضعها على سكّة خطة مرحليّة طوال الثلاثين سنة الماضية، وظلّت حبراً على كذب!
ما تقدّم غيض من فيض عن كيف عطّلت السلطتان التنفيذية والتشريعية بمختلف أحزابها وتياراتها وحركاتها وعلى مرّ ثلاثين سنة العمل بالدستور من أساسه! فكيف والحال بالمؤسّسات الدستورية الناتجة عنه؟! وفوق ذلك، اخترع التسلّط الطائفي مؤسسات غبّ الطلب لتعطيل المؤسسات الدستورية، مثلاً: طاولة الحوار.
إنّ هذا التعطيل المستدام والممنهج وما نتج عنه سياسياً واجتماعياً ومالياً، أوصل الشعب إلى قناعة تفيد بأنّ استمرار العمل من خلال المؤسسات الدستورية والمسيطرين عليها أخطبوطياً، لا يمكن أن يؤدّي إلى ضمان حقوقه أو ممارسة حياته الكريمة العزيزة التي يريدها، ولا المحافظة على مصالحه البديهية والحيوية، ولا التعبير عن أخلاقه. كذلك، اتّضح للشعب في المناطق كلّها وساحاتها، أنّ المشكلة الأساس لا تنحصر بجسم قضائي مرتشٍ أو جبانٍ فقط، أو بمجلس قضاء أعلى مترهّل فقط، أو بوزير أو نائب أو أيّ مسؤول فاسد، أو بصفقات أو بكارتيلات أو بألف أو...
اتّضح للشعب، كما عبّر من خلال شعاره الأساس: الشعب يريد إسقاط النظام، أنّ المشكلة هي في انتهاء صلاحية هذا النظام! انتهاء صلاحية نظام نشأ عثمانياً لِيعالج نتائج ثورة الفلّاحين على ظلم الأمراء، منذ 200 سنة تقريباً، وتحوير هذا الصراع إلى صراع طائفي درزي ــ ماروني آنذاك؛ نظام يصِرّ على أنّه لا يزال، بعقلية وأساليب وسياسة تعود إلى 200 سنة إلى الوراء، ملائماً للقرن 21 بقضاياه ومعارفه وتحدّياته ولغته وتعقيداته.
اتّضح للشعب انتهاء صلاحية نظام طائفي بخشيشي، لم يراكم طوال 200 سنة إلّا أسوأ ما في عقليات التسوية والمحاصصة والإلغاء والانعزال ومشاعر الحقد والاستعلاء، وما استطاع أن يطوّر آلية واحدة لمجاراة التغيّرات الاجتماعية والسياسية، إلّا بالدم! ونظام لا يتنفّس إلّا إذا ثبّت عدم تساوي اللبنانيات واللبنانيين في الحقوق والواجبات، وإلّا إذا حصّن ديمومة طائفيته، وإلّا إذا أفقر المناطق وأهلها لمصلحة التسلّط الحاكم بالمال والسياسة، وإلّا إذا تعدّى على أملاك ومصالح الناس الخاصّة ونهَبها، حتّى ولو كتب في دستوره العكس!
لأجل ذلك، وبسبب ذلك، ولأنّ الشرعيّة لا تمنحها الأشكالُ الدستورية المُفرَّغة من أيّ مضمون، فإنّ الشعب يستعيد حقّه الدستوري في أنّه هو مصدر السلطات، من خلال ثورة 17 ت1.

استعادة الشعب لحقّه وانبثاق السلطة
يترتّب على استعادة الشعب لحقّه السيادي الدستوري وممارسته لها مسؤوليات جسام في ظلّ عدم وجود مؤسسات دستورية شرعية فعلية، إذ على الشعب أن يبتدع وسيلته الثورية من خارج التسلّط الحاكم اليوم، أي من خارج مجلس النواب والحكومة التي تتألّف من بعد الاستشارات، وإلّا، فسيكون الشعب كمن يبحث عن الحق عند الطاغية نفسه، وعن الحل عند أصل المشكل وكلّ المشكل، وعن الشرعية عند قتَلة الدستور! استعادة الشعب لحقّه الدستوري في كونه مصدر السلطات يعني ضرورة ابتداعه حلّاً جذرياً من خارج المؤسسات المعطّلة بمضمونها، القائمة بهيكلها الغشّاش ليس إلّا.
ثمّ إنّ الحل الجذري يفيد في خلق أمرٍ راهنٍ جديدٍ، يُجبر القوى الداخلية والخارجية على السواء على التعامل معه، وينقل الحركة السياسية كلّها والخيارات إلى مستوى جديد. من الضروري أن يخلق الشعب، وبما أنّه ثار، نوعاً جديداً من الخيارات ويفتح آفاقاً جديدة، حتى للأحزاب والحركات السياسية المبتلية برؤساء وبعض المسؤولين الفاسدين، ويُنهي زمن الدوران في حلقات تلك القوى المفرغة والمفاوضات القبائلية التي تجريها.
إنّ الجواب على عنوان «الشعب يريد إسقاط النظام» هو في التغيير الحقيقي الذي لا يكون إلّا من خلال تغيير في بُنية النظام، في هذه اللحظة التاريخية المؤاتية، ولو كانت محفوفة بالمخاطر، ومهما أخاف المتسلّطون أو المرحليون الشعبَ بلامعقوليّة تغيير كهذا أو بخطورته، أو مهما استعملوا الحلم كاتّهام! إذ لن يكون تغيير حقيقي في أيّ لحظة في التاريخ إلّا وسيكون محفوفاً بالمخاطر، لأنها تستبطن موتاً وولادة في آن: موت نظام وولادة آخر!
لذا، فإنّ الثورة أمام خيارَين: إمّا أن تنهي النظام الطائفي الكونفدرالي التحاصصي مولّد الأزمات والاقتتالات بالضربة القاضية، وتقضي على الفساد الحاكم أفراداً وسياسات وعقلية ومراكز قوى وعلاقات، أو أن يهزمها النظام مجدداً!
لعلّ المسارات الصالحة لأن يعيد الشعب في لبنان إطلاق العملية الدستورية الشرعية متعدّدة. كلّها خطيرة، لأنّ المتسلّطين دفعوا بلبنان إلى وضع خطير اقتصادياً ومالياً ونقدياً وسياسياً وأمنياً، وخطفوا المؤسسات الدستورية، وأيضاً لأنّ لبنان في قلب العاصفة يمشي على حدّ السيف وبين النقط الجمرية المحلية والإقليمية والدولية، ودائماً في مواجهة عدو شرس وغدّار منذ عام 1948.

كل الحلول من داخل الشرعية الدستورية هي في الحقيقة إفشال فعلي للثورة وابتعاد عن غايتها


ولكن في الأيام والأسابيع الأخيرة، وبافتعال مقصود، أخذ صقور السلطة الشعب إلى مشارف الانهيار المالي والنقدي التام كما والحرب الأهلية، بل أسقطوه فيها، وأذاقوه الطعم المر، محقّقين بذلك:
أولاً، إرسال رسائل التهديد بين بعضهم، وثانياً، تحسين مواقعهم التفاوضية لما بعد الثورة، وثالثاً والأخطر، إرعاب الشعب كي يرتدع، وثمّ خداعه كي يتوهّم أنه حقّق إنجازاً أو انتصاراً إن تشكّلت حكومة مطعّمة بوجوه جديدة، أو حكومة تكنوقراط كاملة، وتَمّ أخذ بعض الإجراءات التي تبعد الكارثة المزدوجة المالية والأمنية عنه ولو قيد أنملة أو نملة.
لكن، وبما أنّ المؤسسات الدستورية الحالية باتت غير شرعية منذ سنوات، طبيعي أنّها غير صالحة لإنتاج حكومة الثورة.
والسؤال الملحاح يصبح: هل يجوز ويمكن العمل من خارج هذه المؤسسات؟
طبعاً وحتماً! فالشعب أساساً أخذ الخطوة الأولى من خارج المؤسسات من دون تردُّد، بإعلانه الثورة والمضي فيها. المسألة الآن مسألة البناء على الثورة ونجاحاتها.
أحد المسارات الفعّالة، وليس غريباً عن منطق الثورات في العالم وعبر التاريخ، هو مسار انبثاق سلطة جديدة، وحكومة. لا بل غالباً ما تخطّ الثورة دستورها الجديد، أو تجري تغييرات جذرية على الدستور القديم.
بعد أكثر من خمسة أسابيع على تفجّر الثورة في لبنان، وعلى التأكّد من مضي التسلّط بعقليته التحاصصية الطائفية، حان الوقت كي تنسجم الثورة مع نفسها وعناوينها وحركتها، وأن تنتقل إلى مرحلة انبثاق سلطة القانون الجديدة.
من الأفضل أن تكون الحكومة مؤقّتة إنّما بصلاحيات تشريعية، وأن تتألّف لمعالجة التحدّيات الاقتصادية والمالية والأمنية والقانونية الضاغطة. لذا، من الملائم أن تتكوّن من قضاة وقاضيات نزيهين وصلبين ومشهود لهم باستقلاليتهم وعدلهم وحكمتهم، ومن اختصاصيين واختصاصيات ماليين وقانونيين وطنيين ومن خارج توجهات الفريق الاقتصادي والمالي والنقدي الذي حكم خلال ثلاثين عاماً وساهم بإيصالنا إلى الكارثة، وأيضاً تضمّ حكومة الثورة بعض المستقلّين الوطنيين والوطنيات الموثوق بهم من خلال سيرتهم ومناعتهم وفهمهم واستقلاليتهم وعدم ارتباطهم حاليّاً أو سابقاً بالسلطة سياسياً أو إعلامياً أو ثقافياً أو مالياً، ويمكن أيضاً أن تضمّ ضبّاطاً متقاعدين وطنيين شرط أن لا يكونوا عملوا بعد تقاعدهم في أحزاب بأيّ شكل ولا حتى كمستشارين.

مَن يؤلّف حكومة الثورة
أما الجهة الصالحة لتأليف حكومة الثورة في ظلّ المتغيّرات، فاثنتان:
ما زال هناك إمكانية أن ــ وبعد التشاور مع الثورة ــ يبادر الجيش بتكليف من الشعب إلى تعيين حكومة مؤقتة، ما يعني أنّ الشعب هو مَن يكلّف الجيش بتأليف الحكومة التي سبق وصفها، من خلال تظاهرات تطالبه بذلك.
فأولاً، الجيش هو الأكثر تعبيراً عن وحدة الشعب ووجه الثورة من خلال جنوده وضبّاطه المولودين في مناطق لبنان كلّها والمسجّلين ولادة في طوائف ومذاهب مختلفة إنّما وطنيّون بالممارسة والقتال؛ وهو المؤسسة الأكثر تعبيراً عن المحافَظة على الوطنية؛ وهو مسؤول بالنهاية أمام الشعب وموظف لديه كباقي موظفي الدولة المدنيين والعسكريين.
ثانياً، لا داعي للخوف من أن يكون للجيش اللبناني دور سياسي أولي، فهذا لن يكون انقلاباً عسكرياً إطلاقاً، لأنّه سيأتي بتكليف من الشعب، وتحت أعين ومراقبة الشعب من خلال ثورته التي ثبتت ديناميّتها في المناطق كلّها. ثم ليس في سجل الجيش اللبناني أي سيطرة بالقوة على السلطة، كما أنّ الظروف الداخلية والخارجية على السواء لا تسمح بانقلاب على طريقة الأنظمة العسكرية.
ثالثاً، وفي حال استجاب الجيش لتكليف الشعب واتّخذ مبادرة إنقاذية كهذه، يعلن أن لا مرشّحين من ضباطه وجنوده لأيّ موقع سياسي في المرحلة الأولى لِما بعد الثورة. ولأنّ الشعب هو مصدر شرعية حكومة الثورة، يقدّم موافقته على أسماء الحكومة المزمع تأليفها أو عدم موافقته من خلال استفتاء بالطرقات، بما أنّ هذه هي الوسيلة التي عبّر من خلالها عن إرادته منذ 17 ت1.
رابعاً، للجيش علاقات تنسيق قديمة مع حزب الله، تقوى وتخف، صحيح، إلا أن حضوره في خلفية المشهد الوطني التأسيسي يمكن أن يطمئن مخاوف حزب الله من الثورة. وفي الآن نفسه، لدى الجيش علاقات متينة بالولايات المتحدة الأميركية، ويمكن لوجوده أن يطمئنها أيضاً وإن على مضض.
يضمن الجيش بوجوده إمرار الرسالة إلى حزب الله وإيران من خلفه وإلى الأميركيّين بأنّ الثورة تهدف إلى إسقاط النظام الطائفي وإنهاء الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة، وليست غايتها خضّ أو تغيير التوازنات الإقليمية. وهذا ما يعطي فرصة للبدء بالانتقال إلى دولة مدنية وإنقاذ مالي، من دون أن ينفجر لبنان نتيجة ضغط الصراع الأميركي ــ الإيراني، ومن دون إضعاف المقاومة اللبنانية من خلال ضرب حزب الله.
خامساً، أن يكون الجيش مبادراً وفاعلاً خير من أن يكون في موقع ردّة الفعل، وأن يكون طليعياً حرّاً في دولة تشبهه علمانية ووطنية خير من أن يبقى مستلحقاً مكبّلاً في نظام طائفي تحاصصي.
غير أنّ الوقت في هروب والأوضاع إلى أسوأ. وإذا لم يتحرّك الجيش بسرعة وبجرأة لاحتضان الثورة، لمصلحة لبنان، ولأخْذ زمام المبادرة لوضع القوى الداخلية والخارجية معاً أمام الأمر الواقع، فمن طبيعة الثورات أن تنتج ثورة الشعب بنفسها حكومتها، فتؤلّفها بصلاحيات تشريعية، وتضع الثورة الجيش مباشرة أمام مسؤولياته وواجباته الوطنية «الأمنية» لحسم خياره إلى جانب الشعب وضد الفاسدين المتطاولين عليه المتدخّلين في تعييناته ولاجميه في الدفاع عن الوطن والشعب وحتى عن نفسه. فلأحزاب السلطة جمهورها وأعضاء قد تأمرهم بممارسة العنف، وليس للشعب إلا الجيش للحماية ولإحلال السلم والأمان.
بعد تأليف الثورة حكومتها، وبعد الحصول على موافقة الشعب من خلال التعبير في المناطق والساحات على نسق ما فعل منذ 17 ت1، يتوجّه الوزراء الجدد إلى الوزارات للمباشرة في العمل والاطلاع على الملفات، بحماية الجيش، وإذا استدعى الأمر، بحماية مئات أو آلاف من المنتفضين الثوار.

أولويات حكومة الثورة
إذاً، وفي حالتي تعيين الجيش لحكومة مدنية بتكليف من الشعب أو بتأليف الثورة لحكومتها مباشرة، تأخذ الحكومة الجديدة شرعيتها من الشعب مصدر السلطات بحسب الدستور وليس من مجلس النواب الذي بمجمله وكمؤسسة مستمرة ومتعاقبة شرّع الفساد والانهيار على مدى ثلاثين سنة، وأعضاؤه، باستثناء قلّة من الشرفاء، شاركوا أو باركوا أو سكتوا عن الفساد المنظّم الذي تمّ بين جدرانه.
تحدّد حكومة الثورة فترة تسعة أشهر على الأكثر لإقرار قانون انتخاب وإنهاء إجراء الانتخابات، والتمهيد لتسليم صلاحياتها فور انتهاء الفترة المحددة.
يمكن للحكومة الجديدة أن تطلب من الأمم المتحدة الاعتراف بها والتعاون، منظمةً ودولاً، لاسترجاع الأموال المنهوبة وتوقيف مَن قد يكون من الفاسدين هرب من لبنان. ولكن، وبصرف النظر عن موقف الأمم المتّحدة، تبقى شرعية الشعب هي الأهم والأبدى والأصل لحكومته الاستثنائية، كما وإصراره على المضي في خياره التغييري الجذري.
أما مهمّة حكومة الثورة الجديدة ذات الصلاحيات التشريعية، فمن الضروري أن تضمّ، إضافة إلى معالجة الوضع الخطر ماليّاً وأمنيّاً، إعادة خلق الشرعية الدستورية وإطلاق الدورة المؤسساتية والسهر على انتظام العمل الدستوري الأخلاقي.
ولتأمين هذه الأهداف، يمكن أن تكون من أولويات مهمّات حكومة الثورة، إضافة إلى تسيير أمور الناس اليومية، اتّخاذ عدة تشريعات وإجراءات لرسم الاتّجاه العام للنظام وللشروع بالخطوات الأساسية الأولى والملحّة تنفيذياً وتشريعياً، وهي أضحت بأكثرها واضحة وشاملة في كلّ ساحات الثورة، وخطاب المعبّرين عنها في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية والمالية والحقوقية، مثلاً:
- إلقاء الحجْر الاحتياطي على ممتلكات وأموال كبار الفاسدين ومنعهم من مغادرة الأراضي اللبنانية، مهما علت مراكزهم السياسية السابقة؛ «السابقة»، لأن الشعب من خلال الثورة حلّ مجلس النواب وأسقط الحكومة وعزل الرئيس وصهره.
- إطلاق يد القضاء بمحاكمات علنية سريعة وإصدار ما يلزم من أحكام لاسترجاع الأموال المنهوبة، المنقولة وغير المنقولة، في الداخل ومن الخارج.
- أخذ خطوات سريعة للحدّ من الانهيار المالي والنقدي والتعامل مع الضغوطات العالمية في هذا المجال، وتأمين مدخول للدولة من الأموال المنهوبة للإنقاذ السريع، من خلال، مثلاً: استرداد اختلاسات، استرجاع أموال التهرّب الضريبي، تحصيل الضرائب على التعدّيات على الأملاك البحرية، استرجاع أموال نقل الإرث المعفاة بألاعيب سلطوية، Hair Cuts على كبار المستفيدين من خزعبلات مالية للسلطة السياسية والمالية والبنك المركزي، وغيرها من الإجراءات لتأمين ما بين 10 و15 مليار دولار ضرورية لوقف الانهيار المالي.
- نقض التشريعات والقرارات التي أصدرها التسلّط الحاكم مستغلّاً موقعه ومسهّلاً لأعضائه وشركاتهم الاستيلاء على خيرات البلاد في المستقبل.
- المبادرة إلى تنفيذ المادة 24 من الدستور، والتي لم تنفّذها سلطة كونفدرالية الطوائف طوال ثلاثين عاماً، من خلال وضع قانون انتخابات خارج القيد الطائفي ولكن على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة. أما تفاصيل القانون فيضع تفاصيله المختصّون، على أن تكون غايته تشديد أواصر الوحدة الوطنية والتخفيف من الولاءات الطائفية والخطاب الطائفي والمذهبي والمناطقي ومساواة المواطنين والمواطنات في كلّ لبنان قيمة وفعالية.
- إجراء الانتخابات على أساس القانون الجديد، مع إلغاء معادلة الـ6 و6 مكرّر نهائياً، والتي عفا الزمن عن قرنها التاسع عشر؛ يشكّل الإلغاء حجَر أساس لإلغاء هذه القاعدة من النظام اللبناني الجديد كلّه ومباشرة، وبالتالي تطبيق بنود ومواد الدستور اللبناني الحالي غير المعمول بها والتي تعلن صراحة تساوي اللبنانيين واللبنانيات في الحقوق والواجبات.
- بعد إجراء الانتخابات النيابية خارج القيد الطائفيّ وخارج الـ6 و6 مكرّر، ينتخب مجلس النواب الجديد أيضاً خارج القيد الطائفي رئيساً له أو رئيسة ليس بالضرورة شيعياً، وبَعدها ينتخب المجلس رئيساً أو رئيسة للجمهورية ليس بالضرورة مارونياً، ثم يعيَّن رئيساً للوزراء ليس بالضروريّ سنياً. هذه من أولى دلائل نجاح الثورة وإسقاط النظام: كسْر تابوات تمنع ولادة لبنان المدني العلماني الحديث، ووضع حدّ فوري لأعراف سياسية تنتمي إلى زمن مضى ولا تعبّر عن عقلية الثورة بشبابها وصباياها وأهلها.
- تشريع أو تعديل أو إلغاء فوري لكلّ مادة بالدستور تضعِف مبدأ الدولة الواحدة والمواطَنة المتساوية. على سبيل المثال لا الحصر: أ‌- تشريع وإقرار قانون أحوال شخصية موحّداً ومدنياً وإلزامياً؛ إلزامي لأنّ طبيعة القوانين وتطبيقها في الدول ليس مزاجياً! ب- تشريع قانونٍ جديدٍ للأحزاب يتماشى ولبنان اللاطائفي. ج‌- إلغاء المادة 22 من الدستور التي تنص على أن «مع انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي یُستحدث مجلس للشیوخ تتمثل فیه جمیع العائلات الروحیة وتنحصر صلاحیاته في القضایا المصیریة». بمعنى «تنحصر» صلاحيات مجلس الشيوخ في «القضايا المصيرية» فقط لا غير، وعندها، عند القضايا المصيرية في القرن 21، وحين من الضروري أن نكون شعباً لا طوائف، ودولة صخرية بوحدتها لا كونفدرالية بحص طائفية، عندها فقط نذهب بحسب المادة 22 إلى مجلس مِلَل القرن 19! هراء ما بعده! من الضروري والمُلِح إلغاء مواد مفخّخة كهذه المادة القنبلة الموقوتة التي تُبقي اللبنانيين طوائف في القضايا المصيرية ومنغمسين في زمن القائمقاميتين والمتصرفية، بينما اللبنانيون في زمن الثورة وبصدد صياغة دولة لبنان الحديث.
مثل انتقال كهذا إلى الدولة المدنية من خلال تشكيل الثورة لحكومة لبنان الجديد لا يتمّ إلا بالصدمة، بالولادة، بالحدوث. لم يحدث هذا الانتقال طوال ثمانين سنة من التفكير المرحلي، ولن يحدث لثمانين سنة ومئة ومئتين، ما لم تحزم الثورة أمرها وتحسم!
هذا لا يعني إطلاقاً أنّ الطريق واضحة المعالم خطوة خطوة لأنّ الجهات والعوامل في معركة التغيير كثيرة، واللاعبون حول شطرنجها هم دائماً أكثر من جهة، وفي هذه الحال، أكثر من جهتين. ورغم عدم وجود ضمانات في أيّ ثورة، إلّا أنّ الفاسدين لا يمكن أن يخيفوا الشعب الثائر من المجهول، بينما يغرقونه في معلومهم الطائفي الفاسد. من طبيعة الثورة الوطنية أن تخلق معلومها المدني العلماني المحب، وأن تكون ذكية بتخطّي المراحل الأولى وإدارة الطاقة الإيجابية والدينامية الجديدة التي تطلقهما، وجذب الأحزاب كلّها والحركات السياسية والتيّارات الموجودة حالياً، كما تلك التي ستتأسّس، إلى نوع سياساتها الأخلاقية والعملية الجديدة حتى تكون المنافسة حول البرامج والأفكار والأخلاق، وليس على الحصص والغرائز والسرقات.

عوامل مساعدة للعبور
وليس آخراً، سيسهل وصول ثورة الشعب إلى التغيير المنشود إذا حصل:
أولاً، استجابة من الجيش لنداء الثورة بحماية الشعب وحمايتها، وتأمين أمن القضاة والقانونيين والخبراء الماليين والحكومة بشكل عام حتى تقوم بعملها الجذري، والمساعدة في إنهاء الفساد والطائفية اللذين يتغلغلان إلى بعض مفاصل الجيش نفسه، بينما يتناقضان مع فكرة الجيش الواحد كما ومع أول قيمة في شعار الجيش: الشرف.
هذه الاستجابة السريعة، ستمنع سرقة الثورة من قِبل بعض أحزاب السلطة وتياراتها التي تعوّدت النهب؛ وستمنع الانزلاق إلى اقتتال بين الثورة من جهة والفاسدين وأتباعهم الذين سيستشرسون للبقاء خارج القانون وفوق القانون؛ كما ستمنع الاقتتال في ما بين أهل السلطة أنفسهم وتوقف لعبة شدّ الحبال ولفّها حول رقاب بعضهم؛ وحتماً ستمنع حدوث مجابهة بين الجيش والثورة، وبالتالي، تنقذ الجيش من التحوّل إلى قوة قمع ضد الثوار والوطن. صحيح أنّ الجيش يأتمر بأمر السلطة السياسية، ولكن الصحيح أكثر أنه ليس عبدها! ليس الجيش عبد السلطة السياسية، وعند فساد هذه السلطة، وهي فاسدة بامتياز، لا يحقّ لأيّ شخصية أو موقع سياسي أمر الجيش بممارسة الظلم. وإن حدث وأمَر، فمن حق وواجب الجيش أن يرفض!
ثانياً، قراءة جديدة جذرياً يقوم بها حزب الله للثورة، ويبحث من خلالها عن أي لبنان هو الأكثر قوة ومناعة والأفضل للصراع ضد الكيان الصهيوني، خاصة أنّ حزب الله معنيّ بالعمق في هذا الصراع.
... قراءة متعدّدة المستويات وليست محصورة بالاشتباك الأميركي ــ الإيراني فقط، ولا تبني مواقفها على توجُّس ولا على التركيز على استثناءات في الساحات، ولا حتى على فئات وأحزاب لها مصلحة بحرف الثورة عن هدف إسقاط النظام، وإنّما تركّز القراءة على المعنى العام والعميق الوطني والأخلاقي والسياسي والمالي الذي تقدّمه الثورة حاضراً ومستقبلاً للبنان.
... قراءة، على ضوء أن المقاومة، والتي هي حق ومبدأ وتاريخ وثقافة أبعد من أيّ طائفة وحزب، لا يجدر أن تتساكن مع الفساد والهمجية والفئوية الطائفية وحزبيات لا تجد في العدو الصهيوني عدواً.
... قراءة، تضع أقوى قوتين عسكريتين في لبنان حالياً، الجيش وحزب الله، إلى جانب الثورة، ما يضعف جداً خطر الصدام بينهما، لا بل يدفعهما إلى التنسيق أكثر من ذي قبل بما فيه أمن الداخل اللبناني وسلامة المقاومة مبدأً وفعلاً. إن وقوف الجيش وحزب الله إلى جانب الثورة، بأي شكل يختارانه، يجعل من إمكانية تمرّد بعض الفاسدين من خلال تحريك أزلامهم في الشارع للهروب من المحاسبة والمحاكمة واسترداد الأموال المنهوبة سهلة الضبط وسريعة الإنهاء.
... قراءة تتواضع وتعترف بأنّ النظام الطائفي التحاصصي الذي ليس حزب الله بالأساس مسؤولاً عنه، بل إنّ حزب الله هو أحد نتائجه وآخر الداخلين إليه، هذا النظام انهزم؛ انهزم في التاريخ والفاعلية قبل أن ينهزم بإرادة الشعب.
... قراءة تحرص على سلامة المقاومة ضد العدو الصهيوني خلال مرحلة تغيير النظام في لبنان، وتتحضّر لنوع جديد من السياسة والأحزاب في لبنان ملأى بالمواطَنة والقانون والأفكار والبرامج الاقتصادية ــ الاجتماعية ــ الثقافية، وليس فيها كتل طائفية وعصبيّات بدائية.
... وقراءة تحرص على أن لا تخسر المقاومة دفئها في قلوب الكثيرين من أبناء وبنات الشعب في الثورة ممّن هم غير عقائديين نتيجة رعونة بعض جمهور حزبي تنفجر طائفيته في الشوارع فوضى وهمجية، يستعدي كلّ ذي أخلاق، ويستجلب لنفسه ولحزبه ولقيادته، وبالمعية للمقاومة، الرفض والاستنكار.
ثالثاً، انكفاء رجال الدين إلى أديرتهم وجوامعهم، وقبول مبدأ فصل الدين والطائفية عن الدولة والحياة السياسية والقضائية بما في ذلك القبول بقانون موحّد مدني إلزامي للأحوال الشخصية. أن يكونوا عقلاء ويكتفوا بما حكموا وتدخّلوا، وأن يسلّموا أنّ لبنان ما عاد ملجأ للأقليات ولا طريدة للأكثريات. ذياك اللبنان انتهى ولا يمكن الاستمرار به في ظلّ التطوّر الحضاري الاجتماعي والعالمي. يستحق لبنان الحياة كدولة على أساس دستور مدني عصري، وكشعب على أساس حياته الواحدة، ومصالحه الواحدة.
إذاً، سيسهل الوصول إلى التغيير المنشود من الثورة إذا حصل: موقف للجيش مؤيد للثورة، وحياد حزب الله إن لم يشأ التأييد، وانكفاء رجال الدين إلى حيث يجب أن يكونوا. أمّا إذا لم يحصل، فالوصول إلى المُبتغى سيصعب ويتأخر، ولكنه وصول لا بدّ منه!

خاتمة الإصرار
ما سبق يفترض أن ثورة الشعب، واعية للضغوطات الدولية وخاصة من الولايات المتحدة الأميركية، وللتدخّلات وحركة السفراء والموفدين في المنطقة عامة ولبنان خاصة، ولمحاولات سرقة الثورة واستغلالها من قِبَل بعض الأحزاب الطائفية والتي هي من خَلطة السلطة ومن ركائزها الطائفية أو الاقطاعية أو الاثنَتين معاً، ولأخطار الاشتباك الأميركي ــ الإيراني وانعكاساته على المنطقة ولبنان. ولكنّه يفترض أيضاً أنّ ثورة الشعب، من خلال وَعيها ونقدها وما تجلّى فيها من رغبة للخروج من الزمن الطائفي والإقطاعي والاستزلامي ومن الفساد العام على كل المستويات، مصمّمة على أنّ خطواتها الجذرية وغير المنتظَرة للتغيير في الداخل، على الأقل، ستُربِك ما هو مخطّط بالخارج، وتضع لأول مرة منذ عشرات السنين الشعبَ في موقع المسؤول عن نفسه والمقرِّر مصيره قدر المستطاع، في عالم متشابك المصالح والقدرات.
أمام لبنان فرصة تاريخية لينتقل إلى زمن جديد ونظام جديد، مدني لا طائفي، باقتصاد اجتماعي منتج وعدالة اجتماعية وعمل دستوري قانوني مؤسساتي أخلاقي. فما قامت به الثورة من خلال الاحتجاجات والتظاهرات والساحات والحوارات والأناشيد والأغاني في خمسة أسابيع، وما أوجدته من حب ونبض ووعي وعاطفة وثقة وحماس واستفاقة ومشاركة، هو ثمرة لتاريخية النضال باتّجاه الدولة العلمانية العادلة، والشعب الحي! إنها فرصة تاريخية للتحرّر من نظام اقتصاده السياسي طربوشي مبني على الاحتكارات والامتيازات وهيمنة أفراد ومجموعة عائلات محدودة وأتباعها على موارد وأسواق وقرارات اللبنانيين واللبنانيات؛ نظام يضحّي بالزراعة لمصلحة أرباح مجموعة صغيرة تستفيد من المضاربات العقارية، وبالصناعة لمصلحة شركات المتسلّطين الخاصة وعقودها المنتفخة، وبالبنية التحتية والبيئة الطبيعية والاجتماعية لمصلحة مجالس وصناديق النهب المنظّم، وبنشاط وحيوية الـstart ups لمصلحة كسل الفوائد العالية للأرصدة العالية.
أصبح واضحاً، وعلى مدى خمسة أسابيع و10452 كلم2، معرفة الشعب بأنّ الانهيار التام السياسي والاقتصادي والمالي والنقدي هو نتيجة نظام طائفي كونفدرالي/ إقطاعي زبائني/ رأسمالي استغلالي/ وثقافي إلغائي، وليس نتيجة فساد وفاسدين فحسب. كما اتّضح أنّ الثورة ليست حالة مطلبية، وإنّما حركة شعبية تغييرية، وإن كان من الطبيعي أن تشير إلى، وتعبّر عن رفضها للنقص والفشل والجريمة التي ارتكبها ويرتكبها التسلّط في كل المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
هذه الثورة، بعنوانها وجرأتها وحجمها وإصرارها وفرحها، لا تستحقّ أقل من لبنان خَيّر موحَّد نظيف من كل تبِعات لبنان الطائفي ومخاوفه وطرق تفكيره؛ وأقل من أن تنهي التسلّط وجبروته مهما هدّد وتفرعن، وتبتدئ عصر السلطة العادلة والشفافة والنزيهة الخاضعة لحكم الشعب؛ وأقل من دولة مدنية علمانية للبنان، بمجلس نواب ورئاسة جمهورية وحكومة، نابعة من المعنى الجديد للأرزة والنشيد!

*أستاذ في الفلسفة والحضارات في الجامعة اللبنانية الأميركية