في حديث جانبي مع أحد نواب حزب الله خلال مجلس عزاء، قال: «قلت لسماحة السيد ممازحاً، يا سيد: الناس عنا عم تخلط بين الله وحزب الله». يريد بهذه العبارة القول إنّ الله على كل شيء قدير، أمّا حزب الله فمحدود القدرة، ولا يملك أن يُقدّم للناس كل ما يأملونه منه. اليوم وبعد أن اتضحت تماماً حدود العلاقة بين الحزب وأرباب السلطة والطوائف بعد غبار الانتخابات وتوازناتها، يجد حزب الله نفسه، أقرب إلى فهم الطبيعة المعقّدة لهذا البلد، وضيق خياراته التي لا تتسع لكثير من أماني محازبيه وأنصاره التوّاقة للإصلاح والتغيير! ما معنى ذلك؟ أهو تسليم بعيٍّ أبدي، يرتبط بتصميم هذا الكيان الممنوع من الاستواء، أم هو أكبر من ظروف داخلية لوحدها، وإرادة فريق بمفرده، ولو بلغت قوته أرجاء المنطقة ، من أن تُحدث تبدّلاً في هوية واستثنائية هذا النظام وأعماله التي تشكّله الأزمات وتتشكل هي منه.

فكرة الإصلاح وبناء دولة عادلة قبل أن تكون مساراً يشابه مسارات دول فاشلة عزمت الخروج من وضعياتها المتهالكة، هي هنا، إشكالية بالنسبة إلى العارفين بها والمشتغلين فيها. تنتصب سريعاً معضلات الهوية والطائفة والانتماء والحيز الجغرافي والعلاقة مع الخارج. أو ما يمكن تسميته بكليات المعضلات، مع جزئيات المصالح السياسية بأنساقها الحزبية، الزعامتية، المناطقية، وبمستوياتها المختلفة، في تخليق الأزمات التي تظهر على شكل منازعات على الحصص والصفقات والعوائد في الفضاءَين العام والخاص. حزب الله، الخبير في ميادين القتال وقواعد الاشتباك ورسم المعادلات مع أعداء الخارج، التام الموهبة في بناء معمارياته العسكرية، حتى ليسأل المرء نفسه إن كان من الممكن أن يتوصل أحد إلى شيء أفضل من عبقريته التجريبية وحرصه الذهني على مجاراة العدو علمياً وتصميم الانتصارات ورسم التروس والروافع الوطنية، هو ذاته تنقصه الكثير من الجدّية، في طرح الأفكار والمبادرات واتخاذ الإجراءات العملانية لهدم قواعد الفساد وعلاقات التبعية الطائفية والسياسية. ما قبل الانتخابات الأخيرة عام 2018 كانت المشاكل التي قاربها حزب الله يتم تناولها بمستويات خجولة. اعتراضات سياسية وإعلامية تصطدم بتوقيره الشديد لتوازنات القوى الطائفية. والنتيجة تفاقم الأزمة مع الأيام واحتقانها بشكل أشد. التصور المعروف في أوساط قيادة الحزب مفاده، من غير الممكن لحزب الله أن ينخرط في لعبة مكافحة الفساد بالمعنى الجذري. المكافحة تعني اشتباكاً مع القوى السياسية والطائفية المتحالفة معه أو المخاصِمة له على حدّ سواء . فالكل شريك في لعبة الفساد ومستفيد من معجزاتها ومتمتع من خيراتها ومندمج في تفاهماتها حتى ولو كانت بحسن نية عند البعض بذريعة تسيير أمور الناس والدولة وتطبيق دستور الطائف! . الفساد رداء الجميع. من تحت عباءته يتحرك الجميع خيراً أو شراً، لصالح البلد أو ضده، من أجل الناس أو لأجل مصالح شخصية. يفتح لكل القوى والزعامات والطبقات الفقيرة والغنية مسارات وكُوّات تتنفس منها. هو «بورتريه» لصيغة البلد «التعايشية»، وعندما تُعرض على الجمهور لا يجد إلا صورته هو، مطابقة للمواصفات ! سماحة السيد حسن نصرالله في لحظات مقاربته لأزمة الفساد ، قبيل الانتخابات الأخيرة وبعدها، كان يعبّر عن معاناة ذاتية ووطنية. عن معضلاته وأوجاعه كشخصٍ وكمنتم ٍإلى جموع الشعب اللبناني. المواجهة مع الفساد ليست سوى حلقة في سلسلة اشتغالاته الجهادية الطويلة. لم يكن ذلك تنظيراً منه في الهواء. لكن البلاد واقفة على منعرج قديم من الاستعصاءات الداخلية والخارجية.
هو بذاته لديه شكوك مأساوية من نوايا حلفائه في ما يتعلق بالإصلاح. أعلى مراتبه عندهم حين تكون لهم حصة وازنة فيه، وتنسجم أي عملية من هذا النوع مع الحفاظ على مكتسباتهم وامتيازاتهم. بعدها يكون (السيد) يمس بجدار المقدسات والمحرمات الطائفية والحزبية والشخصية . فإذا كان الحلفاء قد اختلفت رؤاهم وسياساتهم من قضية الإصلاح والفساد، مشطورين إلى كيانات ، فما بالك بالأخصام الذين يعتبرون الفساد صفة ملازمة لوجودهم ومصالحهم وامتداداتهم المقدّسة خارج الحدود!

في مواجهة الخرائب
تاريخية الفساد من تاريخية الكيان اللبناني. هذا مفهوم، لكن الواقع العملي له حكم مختلف. والمطلوب الخروج ولو جزئياً من خرائب الكارثة، لأنه أفضل من التسمّر وانتظار مبادرات الآخرين ( (سيدر على سبيل المثال) التي ليست سوى استثمار في البناء الأيديولوجي للفساد بهياكله القديمة والحديثة! . السؤال الذي يطرحه مراهنون على حزب الله هو التالي. لماذا لا يُستفاد من هوامش المعادلات الداخلية والخارجية الجديدة للضغط أكثر على مفاصل النافذين والبدء بتهشيم حجارتهم التي يقفون عليها؟ لماذا لا يزال القضاء فقط هو المنظور المتاح والممكن للمواجهة؟ وكلنا يعرف أنّ القضاء هو الطربوش القانوني الذي تحتمي تحته جوقة الفاسدين؟

من أين يبدأ حزب الله إذاً؟ الجواب: فليبدأ من اليأس ذاته


اليوم وقد بلغت الأزمة خط اللاعودة، وبتوقيت صراعي حاسم مع أميركا وأدواتها في مجال الاقتصاد والمال، لماذا لا يُبدأ من مكان آخر غير القضاء. القضاء يقع في مركز تتقاطع فيه التوازنات الطائفية مع التوازنات السياسية، وهو أحد المآزق الرئيسة للإصلاح. في هذا العهد يجب أن يُرفع السقف قليلاً لوقف مسارب الهدر. ليس صحيحاً وضع الرئيس ميشال عون في السياق نفسه لعهد الرئيس ميشال سليمان، ثم يٌنظر إليه كما لو أنّه مجرد تماماً من أدوات الضرب والتغيير بحكم لعبة الصلاحيات. الصلاحيات تصنعها القضايا انطلاقاً من تصور جدي لحالة المواجهة مع الطبقة المهيمنة على مقدرات المجتمع. لا يكفي لحزب الله والقوى التي أوصلت العماد ميشال عون أن تكون حاضرة كذات في السلطة، بل المطلوب أن تكون حاضرة في نتاجها ومخرجاتها. ما يراه الناس والمراقبون أنّ الرئيس وحلفاءه يظهرون حتى الآن كمكونات محافظة حريصة على الحدود القديمة للتوازنات وتسويات ما قبل انتخاب العماد ميشال عون، أكثر من حماسهم الالتزام بمتطلِّبات اللحظة الكارثية التي يعيشها اللبنانيون، وكل ما يُطرح في سياق عملية «الترميم والإصلاح» هو من بنات أفكار الطبقة التي حكمت لبنان ما بعد اتفاق الطائف، وطروحاتها الاستعادية عن البنك الدولي ومؤسسات التصنيف العالمية ومؤتمرات دعم لبنان الباريسية التي تقوم فلسفتها ووصفاتها على المزيد من الاستدانة والتبعية للخارج؟ فلا أفكار حادّة متصلة مباشرة بالمسألة الإصلاحية. نعم هناك حالة يقظة واستنفار لكنها لا تشكّل اهتزازاً حقيقياً ، داخل النصوص وفي الإجراءات، ينفذ إلى طبقات الفاسدين والبنى التي تحميهم. ما زال الحزب على سبيل المثال يخترع رموزاً وأوصافاً للفاسدين ولكن يضعف أن يسميهم بأسمائهم وهم معروفون لديه، ويمتلك وثائق تُدينهم. وكما يوجد أصوليات دينية، هناك أصوليات اقتصادية أيضاً تجتاح لبنان وتهدد سلمه الأهلي بأفدح الأضرار يجب أن يتوفر لها مقاومة جدّية كما هي المقاومة مع الصهاينة والتكفيريين، لا أن تبقى المعادلة على قاعدة «ما لقيصر لقيصر وما لله لله» .يجب أن يشعر هؤلاء بالخوف، وأن تُسحب منهم المشروعية القانونية والوصايات السياسية .

اقتصاد مقاوم
من أين يبدأ حزب الله إذاً؟ الجواب: فليبدأ من اليأس ذاته. ليجعل اليأس من الحالة الراهنة نقطة انطلاق في عملية بناء اقتصاد مقاوم. وفي طريق تلمّس العدّة الضرورية للتغيير لا بد من لغة ومفردات اقتصادية جديدة. لا بد من إرساء علاقة مختلفة مع الطبقتين السياسية والاقتصادية تتخطى المساكنة المجانية أحياناً إلى قواعد اشتباك أكثر إصغاء للواقع، فحزب الله يشاهد ولا شك هذا الفالق الذي أخذ بالاتساع في السنوات الأخيرة بين الفقراء والأغنياء، وبين الحاكمين والمحكومين، وإنّ مهمته كما بقية القوى الإصلاحية، على قلتها وغربتها، بعد تشخيص العلل والأمراض، تحديد ما يلزم لمعالجتها. في الحد الأدنى يتطلب هذا الكشف، العمل على إيقاعين: الأول، ضبط عمل الإدارة وإيقاف نموها الفوضوي. والثاني، التصدي بقوة لمزارب الهدر. هذه الورشة يجب أن تبدأ، حتى لا تبقى الحدود بين قوى المقاومة وقوى الفساد نائمة. يجب أن يتركز جهد حقيقي لترسيم الحدود بين هذه القوى حتى لا يتحول ثباتها إلى تسالم على الأدوار ومساحات النفوذ والانتشار تعتاد معه قوى المقاومة على التفرج وقوى الفساد على النهب!
يعلم حزب الله أنّ اللبنانيين يواجهون في الاقتصاد سطوة خارجية سميكة نقيضة لمقاومته، هدفها التذويب والذوبان. تذويب المجتمع عبر تعريضه لشتى أنواع الأزمات المعيشية (خبز، نفايات، انقطاع متواصل في الكهرباء وعدم السماح له ببناء معامل كافية، الماء تلويثاً وهدراً...) كل ذلك يحصل عبر (حلفائه) أدواته في السلطة. والذوبان بمعنى الاعتماد الكامل في مختلف قطاعاته الاقتصادية على الخارج تمويلاً وتخطيطاً (ماكينزي) واستيراداً... والمؤكد أنّ المجتمع معرض في هذه الحالة إلى انكشاف خطير أمام الأزمات والمخاطر الداخلية والخارجية على حد سواء. ولن يستطيع الخروج من هذه الوضعية إلا عبر الاستقلال الاقتصادي وبناء هوية اقتصادية وطنية تعتمد بشكل أساس على ثروات البلد الإنسانية والطبيعية وتوجيه النشاط الفعّال إلى قطاعي الزراعة والصناعة، ونشر اقتصاد المعرفة، وتحفيز الطاقات البشرية وتشجيعها على الاستثمار والإبداع والقيام بمبادرات خاصة لتحفيز النمو وتحسين قدرة الناس على العيش بأجلى صورة من صور المشاركة والتعاون. فإذاً الخطط والبرامج والسياسات يجب أن تكون وطنية بالكامل بأن تلبي الشروط الداخلية ومصالح الشعب ولا تأبه للمنظمات الدولية وشروطها وتقييماتها التي تهدف لاستغلال الموارد ونهب الثروات والإتيان بخبراء أجانب لوضع السياسات والتوجيهات. التحرك الاقتصادي آن أوانه. وحزب الله معنيّ بأن يضع اللبنات الأولى لاقتصاد مقاوم والشروع بملحمة اقتصادية تُنهي هيمنة الخارج على اقتصاد لبنان وتعطي الأمل لكل الطبقات الفقيرة والشباب اللبناني بأنّه قادر على ذلك!

* كاتب لبناني، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدولية