في الجزيرة، بامتدادها القديم والشامل السوراقي، ظهرت البداوة وظهرت الحضارة. البداوة جاءت طلباً للمرعى، وبعضها ظلَّ كذلك في بداوته إلى اليوم، مُعادياً، وبشراسة في بعض الأحيان، لمنطق الدولة، ولكن أغلب القبائل استقرَّ وامتهن الزراعة، منضَمّاً إلى ركب الحضارة مُشارِكاً فيها مستقرّاً آمناً. وتعرَّضت الجزيرة لدمار شامل ومذابح رهيبة بسبب هجمات القبائل المغولية، ويستشهد محمد جمال باروت بقول ابن الأثير عنها: «ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مُتُّ قبل هذا وكنت شيئاً منسياً». (التكون التاريخي للجزيرة. ص: 49)

تاريخياً وجغرافياً، ثَبَتَ أنَّ الجزيرة السوراقية هي المنطقة الموجودة بين نهري دجلة والفرات، والتي بضفتيهما الشرقية والغربية وبروافدهما العديدة شَكَّلتْ بيئةً مُوَحَّدة اقتصاديّاً وثقافيّاً وسياسياً. جغرافياً وتاريخيّاً، لم يَرِد اسمُ سوريا الهلال الخصيب في جميع المدوَّنات الإسلاميَّة التاريخية. وما وَرَدَ دائماً كان أربعة: أقاليم: 1) الجزيرة وهي كلُّ الأراضي الواقعة شمال بغداد وما بين نهري دجلة والفرات، 2) الشام الواقعة شرقيّ البحر الأبيض المتوسط وغربيّ الفرات وجنوبه شاملة البادية، 3) العراق وهي الأراضي ما بين النهرين وضفافهما جنوبيّ بغداد وبعد تقاربهما الوسطيّ، 4) الحجاز شاملة نجد. إلَّا أنَّ الدولة العربية، المنطلقة من الحجاز، حذت، جغرافيّاً واقتصادياً وثقافيّاً، حذو كلِّ الحضارات الخصيبية التي سبقتها، فامتدت إلى كلِّ أنحاء ما نسمِّيه اليوم بـ«سوراقيا»، ولم يكن الامتداد مُجرَّدَ امتدادٍ دينيٍّ، بل كانت له دوافع اقتصادية، وثقافية، ومصيرية وكان «حَدَثَ صُلحٍ»، كما وَصَفَهُ المؤرخ نقولا زيادة. والرسالة المحمدية كانت حضاريَّة في هدفها. فقد أُنزِلَتْ إليها الآيات المكية الروحانية لإبعاد الناس عن الحياة القبلية البدوية وإرشادهم إلى المجتمع الواحد، والخليفةُ عمر بن الخطاب سمّاه السريان «الفاروق»، (أي بالسريانية باروقا) ومعناه المُخَلِّص؛ فقد خلَّصهُم وحرَّرَهُم من الرومان والفرس في معركتي «اليرموك» و«القادسية». والحقيقة أنّ السريان العرب هم الذين، بدورهم، ساعدوه في هاتين المعركتين. وتشريعاتُ عمر الاقتصادية، بعد مؤتمر «الجابية» في الجولان، واضحة، فعَقْلَنَ الفقهاءُ تشريعاتِه «بوجود خطَّين وسُنَّتَين، سُنَّة الرسول وسُنَّة عمر» (كتاب الكوفة. ص:62، الحاشية). وبعدها تكاملت الدولة خلال الخلافتين الأموية والعباسية وبمساهمة السريان العرب أيضاً.
ولكنَّ اسم سوريا وَرَدَ قبل الدعوتين المسيحية والمحمدية؛ فقد وَرَدَ هذا الاسم في المدوَّنات الآرامية واليونانية. في كتابه «التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية» يقولُ محمد جمال باروت: يُعَدُّ إقليم الجزيرة الفراتية من أشهر الأقاليم الطبيعيَّة النهرية القديمة التي تَقَعُ جغرافيّاً بين النهرين الكبيرين دجلة والفرات، وأطلقَ عليه الكُتَّاب السريان اسم «سوريا بَرَيْتا» (سوريا الخارجية)، وهو ما كانت تعرفُهُ الآراميَّة والسريانيَّة القديمة باسم «آرام نهرين» (أو بيت نهرين أو Mesopotamia)، وهو منطقة الرافدين الذي كان يُطابقُ فيها ما يرد في النصوصِ اليونانيَّة أول مرة في القرن الخامس قبل الميلاد تحت اسم سوريا، بينما كان يُطلقُ اسم سوريا جَوَيْتا (سوريا الداخلية)، وهي ما تُعادلُ حدودُهُ الجغرافية اصطلاح الشام (ص:37-38). وهكذا، فمن الواضح أنَّ اسم سوريا كان يشملُ سوريا الخارجية (أي العراق وما تبعه من بَوادٍ جنوباً، والجزيرة بكاملها حسب ما ورد في المدونات الإسلامية شاملة منابع دجلة والفرات وجغجغ والخابور والبليخ) وسوريا الداخلية أي الشام وبواديها. كلُّ هذا شَكَّلَ الجزيرة أو «سوراقية»، التي عرفناها بحدودها في حضارتي «العُبَيْد» و«إبلا» و«كلدو» وما تَلاهُما من حضاراتٍ قديمة.
لاحظْ تشابه الكلمتين الآراميتين «بَرَيْتا» و«جَوَيْتا» بالكلام العاميّ المستعمل حالياً: «بَرَّا» و«جُوَّا».
والصراعُ بين البداوة والحضارة كان يميلُ في أكثر الأحيانِ لصالح الدفع الحضاري، فيستقرُّ البدوي ممتهناً الزراعة وما ينطلقُ منها من صناعات. في كتابه «النشوء التاريخي الحديث للجزيرة العربية» يقولُ محمد جمال باروت: «الشوايا هم البدو المتحولون إلى الفلاحة» (ص:74). ويتابع (ص:81): «عزَّزَ ازدهار تجارة الأغنام في إطارِ الترابط النسبي للسوق الداخلية، وتوجيه تربية الأغنام إلى التصدير، من تطور العشائر (الغنّامة) في لواء دير الزور (العثماني)، وفي الجزيرة الوسطى عموماً ورسملتها بدائيّاً بربطها بالسوق بدرجات أعلى مما كان من قبل. ويُعتَبَر هذا التطور في حدِّ ذاته تطوُّراً في ديناميات التحول من حياة البدو إلى حياة الرعاة المزارعين Agropasteurs، وتغييراً في الذهنيَّة والمُدركات، من اقتصاد الغزوِ والغنيمة إلى اقتصادِ الاستقرارِ والاعتماد على الإنتاج الحيواني والزراعي في بيئةٍ تتطلَّبُ الأمن والاستقرار...». وقد تحقَّقَ هذا حين اندمجت قبائلُ البدو في المجتمعات الحضارية لتكوِّنَ مزيجاً سلالياً موحداً. والانتقالُ إلى الزراعة منذ أكثر من 120 قرناً أدى إلى اكتشاف الحديد والبرونز وتطويرهما. وهذا ما حدث مع القبائل العربية العدنانية التي أمَّت الجزيرة وسكنتها، كقبائلِ ربيعة وأغلب قبائل شمَّر «الغنَّامة» التي سكنت دير الزور والموصل. إلّا أن الحال لم تكن كذلك مع قبائل بدويَّة أخرى كقبائل العبران وقبائلِ الكُرد وكبعض قبائل شَمَّرَ وعنزة؛ فقد ظلَّت على بداوتها. فحربُ البسوس بين تغلب وبكر حدثت في الجزيرة. وبقايا قبيلة شمَّر لا تزال متمتّعة باستقلالٍ عشائريٍ في الجزيرة السوراقية. وحديثاً، ولسببٍ من الأسباب، تحالفت مع القبائل الانفصالية الكردية. وعودتُهم إلى كنف الوطن الواحد مأمولة في أيِّ يومٍ.

الجزيرة السوراقية كانت منطلقاً للحضارات القديمة


في مقالهِ في «الأخبار» بتاريخ 3 حزيران 2019، وتحت عنوان «سوراقية: شتاتُ عمران أم مجتمع طبيعي؟» ينطلقُ الأستاذ علي حميَّة من أنَّ «سوراقية أو بلاد المشرق السوري، التي... تضمُّ لبنان وفلسطين والأردن والشام والعراق والكويت، والأراضي المغتصبة من قبل آل سعود في الشرق وبني عثمان في الشمال والفرس والمصريين في الجنوب (سيناء)، شَكَّلَتْ، على الدوام، وحدة جغرافية-زراعية-اقتصادية- استراتيجية...» ويُضيف في مكانٍ آخر: «إنَّ تاريخ الدول السورية كلّها يدلُّ على اتجاهٍ واحد: الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الهلال السوري الخصيب». ثم يأتي ليُضيف إلى هذه الوحدة الثقافة فيُشيرُ إلى: «تنبُّهِ الشعوب أو الجماعات السورية والدول التي نشأت في سورية لوحدة الأرض ووحدة الحياة الثقافية والسياسية والاقتصادية فيها...». وهكذا، ففي الجزيرة وضفافها الخصبة قامت وانتشرت الممالكُ والإمبراطوريات العديدة بدافعِ شعورها بأنَّها تترابط حياتياً-واقتصادياً ضمن أرجاء البيئة الواحدة التي عاشت فيها. وقد تَسَمَّت هذه الممالك إمّا بآلهتها أو بمدنها أو بعشائرها. وليس غريباً أن تكون «عمورو» أو «أمورو» تعني «عمرو» و«أكاد» تعني «عقاد» و«آشور» تعني «عاشور»، وذلك لخلوّ لغات المكتشفين الغربيين من حرفي «القاف» و«العين». وهكذا، فالجزيرة السوراقية كانت منطلقاً للحضارات القديمة، ففيها نشأت «حضارة العُبَيْد» وعاصمتها «إريدو» قرب «أور الكلدان» لاحقاً وفي منطقة ذي قار. حدثَ هذا منذُ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، وهي حضارةٌ عربية أوَّلية. ففي كتابه «حضارةٌ واحدة أم حضارات» يقولُ الدكتور محمد بهجت قبيسي، أستاذ الكنعانية والآرامية واللهجات العربية والتاريخ القديم في الجامعتَين السوريَّتَين، حلب وتشرين: «العُبَيْد، هذه الحضارة التي أثّرت على الحضارة السومرية التي بدأت عام 2900 وانتهت عام 2300 ق م مُخْلِيةً الساحة لـ «إبلا»، ومن ثمَّ لأورورك السومرية عاصمة جلجامش».
«حضارة العُبَيْد (هذه) كانت شاسعةً واحدة، تمتدُّ من جبال زاغروس في الشرق، منابعِ دجلة والفرات في الشمال، الساحلِ المتوسِّطِ في الغربِ، و(إلى) جنوبِ العُبَيْد حوالى 1000 كم (تقريباً حوالى 200 كم جنوب مكة)» (ص:37)، شاملةً مدينة يثرب ومكَّة. ولم يكن هناك سعودية، ولا مشيخات خليجية. كانت اليمن في الجنوب، والجزيرة في الشمال، وتفصلُ بينهما صحراءُ الربع الخالي. وحضارة العُبيد عربية بامتياز. «فـكلمة (حرثوم) العُبيدِية تعني (محراثٌ)، بالتمويم في آخر الكلمة في الأولى وبالتنوين في الثانية، ولا بد أنها أتت من حضارة العبيد في الألف الخامس قبل الميلاد» («حضارة واحدة أم حضارات»، ص: 38).
وفي الجزيرة نشأت دولة إبلا التي امتدت على جميع الأراضي التي قامت عليها حضارة العُبيد. وقد أثَّرت حضارة العُبيد أيضاً على سومر، ومن بعدها أكاد. وفي هذه ظهرت أولُ ثورة للعمال والفلاحين بقيادة سرجون الأول، أوّلِ من نادى بفصل الدين عن الدولة، وعمل على إبعاد الكهنة عن شؤون الدولة وإدارتها إذ نشأ وتربَّى فلَّاحاً. والكلدانيون امتدت إمبراطوريتهم بوسع حضارة العُبيد وإبلا شاملةً شمال الجزيرة العربية إلى حدود الربع الخالي. وقد وصل ملكهم «نبو نيداس» إلى يثرب وأقام لمدة في دومة الجندل (نبو تعني نبي). وقد حَمَلَ معهُ كثيراً من الصُّنَّاع الذين لم يعودوا إلى الدولة الكلدانية، بل اتّجهوا، بعد زوالها، غرباً وشمالَ غرب، وكان لهم دورٌ في بناء دولة الأنباط السورية العربية وعاصمتها البتراء. ویُعتقَد أنّ النبطیین الذین سبقوا العدنانیین ھم فرقة من عمالقة العراق، بدو الآرامیین. وقد ھجروا ضفاف الفرات بعد سقوط دولة حمورابي، وتوجھوا نحو سواحل الخلیج العربي، ومن هناك تفرقوا قبائل وبطوناً إلى شمال الجزيرة العربية. وقد امتدت هذه الدولة من الحجاز إلى دمشق. ومن دمشق النبطية خرج بولس الرسول، وانزوى لثلاث سنوات في البادية الشامية متأمِّلاً، ثم انطلق برسالته إلى أرجاء سوريا.
وممالك العموريين العرب حملت الشرائع المعروفة في مسلة حمورابي. ومن الشعب العموري جاءت حضارات الآشوريّين والكنعانيّين. ومن تراث هؤلاء بُنِيَتْ أوغاريت وكنعان وآرام وتدمر والبتراء.
وعلى ضفاف الجزيرة وفي الشامية قامت دولتا البدو الآراميين؛ وهما دولة تدمر والدولة النبطية. وحسب الدكتور فيليب حتّي: «كان مثالهم هذا مثالاً آخر يوضحُ الحادث الذي كان يتكرَّرُ في تاريخ الشرق الأدنى القديم وهو تحوُّلُ الرعاة إلى مزارعين ثمَّ إلى تجار...» (تاريخ سورية ولبنان. ص: 417). «في صلابتهم البدوية كان الأنباطُ أقوى من الصخر الذي شقُّوهُ ونحتوهُ. وفي حنكتهم واستعدادهم الحضاري كانوا أسلسَ شعبٍ عرفته البشرية». (مجلةالحكيم. نيويورك. خريف 1999). وفي الشامية أيضاً قامت دولة تدمر العربية السورية. أما قبائل البدو الآرامية التي عبرت الفرات (العبرانية)، فقد تخلَّت عن الإبراهيمية وإلهها «إيل» بعد أن تباركت بكاهنها الكنعاني، واعتنقت الموسوية وإلهها «يهوه»، إله القبائل في سيناء. وعلى أرض الجزيرة قامت دولة سيف الدولة الحمداني، وفيها عاش شاعرنا الكبير أبو الطيب المتنبي.
والعروبة وُلِدَت في الجزيرة. وكلمة العرب، يقولُ المؤرخ اللغوي محمد بهجت القبيسي، جذرها يعني الماء والغزير منه. ففي العدنانية (العربية الفصحى)، عربةُ إسمائيل (بالهمزة، لا بالعين) تعني بئرَ زمزم، وبئرٌ عروب تعني البئرَ الغزيرَ المياه، ووادي عربة هو وادي الماء، وامرأةٌ عروب تعني صفاء الماء لزوجها. وفي الآرامية، بيت عربا تعني دائرةَ الماءِ، وعَرّابُ الكنيسة هو الذي يُعَمِّدُ بالماءِ، وعَرَّبَ (العامية) تعني وضعَ القمحِ أو الرز في الماءِ لفصلهما عن الزؤان. وفي لغة أوغاريت (ثلاث نقاط على الغين)، راكب العربة هو الغيمُ المفعمُ بالماءِ. وفي الأكادية، عربتو تعني الجو الغائمَ الجالبَ للمطر الغزير (ص:30). وكلمة «شتاء» العربية جاءت من «شْتا» الآرامية-الكنعانية التي تعني شرب الماء، وما زالت العامية تستعمل كلمة «شتّي» بمعنى «امطري»، كما تغنيها فيروز.
ودولة «عَرَبايا» هي الأرضُ الغزيرة المياه. «ومن الهام جداً أن نشير إلى أنَّ كلمة [عربي] ظهرت للاستعمال حين دخل الغازي الأجنبي إلى جغرافيتهم، فنجدُ أنَّ الآراميين مَيَّزوا أنفسهم وسمّوا أنفسهم عرباً...» ولا ننسى أنَّ اسم «عربايا»، في اللهجة العربية الآرامية، تعني «العرب». نعم، لقد سَمَّى الآراميون أنفُسَهُم عرباً حين دخول الغريب للمنطقة (كالفرس والإغريق والرومان) لتمييز أنفسهم» (ص:103 و132). ويُضيفُ المؤرخ قبيسي حاشيةً في الصفحة 132 تقول: «جَمْعُ كلمة «عرب» باللهجة العربية الآراميَّة في حالة النكرة هو [عرب+ ين=عربين]. وفي حالة التعريف، نُضيفُ أداة التعريف الآراميَّة [ا] الألف بآخر الكلمة فتصبح [عربينا] لكنَّ ألف التعريف تأكلُ النون (تُزيلها) فتُصبحُ [عربايا] أي [العرب] مثل [راش= راشين= راشيّا]، [حصب = حصبين = حَصبيَّا]، [قدس = قدسين = قدسيّا].

لقد سَمَّى الآراميون أنفُسَهُم عرباً حين دخول الغريب للمنطقة


ومحمد جمال باروت، في كتابه المذكور آنفاً، يقولُ: «في فترة الفتح الإسلامي، كان من الصعبِ التمييزُ بين العربِ والسريان في كثيرِ من اللحظات، حيثُ فتح العربُ المسلمون فارس بمساعدة السريان، أي القبائل العربية المسيحية نظير جذام وقضاعة وتغلب والغساسنة وعقيل وتنوخ وربيعة». وفي يومِ ذي قار بين الفرس وبين مناذرة الحيرة ومناصريهم بني بكر، وقبائل عربيَّة أخرى تخَلّتْ عن الفرس، عام 609 ميلاديَّة، قالَ النبيُّ القريشيُّ العربيّ: «هذا يومٌ انتصفتْ فيه العربُ من العجم وبي نصروا». (الأصفهاني. الأغاني. الجزء 24، ص: 72، تاريخُ الطبري الجزء الأول، ص: 472). وفي معركة ذي قار قال أبو تمام الطائي مُفتخراً : إذا افتخرت يوما تميمُ بِقَوْسِها/ وزادَتْ على ما وَطَّدَت من مناقبِ/ فأنتُم بذي قارٍ أمالتْ سيوفُكُم/ عُروشَ الذين استرهنوا قوس حاجبِ. وعلى ذكرِ ذي قار يستشهدُ مروان بن عبد الملك مثنِياً على قوم الأخطل الكبير: يا ابن الذين سما كِسرى لجَمْعِهِمُ/ فجَلَّلوا وجهَهُ قاراً بذي قارِ (الأغاني، جزء 24، ص:15-72).
والعروبة ظهرت في حضارة العُبَيدْ، كما ذكرنا، واستمرَّت بعدها. في كتابه «حضارةٌ واحدة أم حضارات» يقول المؤرخ اللغوي محمد بهجت قُبَيسي: «لقد كُتِبَ التاريخُ حَسَبَ الفكرِ التوراتي والفكر الإغريقي. وأخذنا كلمة عرب فنعرفها جميعاً في كتبنا كما جاءت في المصطلح التوراتي بِأنَّ كلمة عرب تعني البداوة والصحراء» (ص: 29): و«ظلت التوراة ممثلة للآداب الساميّة، بينما ضاعت الآداب الساميّة الأخرى. وَوَرَثَ العلماءُ التسميات والتواريخ العبرية وحدها، إلى أن بَدَأَتْ أبحاثُهُمْ تجلو الحقيقة منذ مئة عام فقط. وها هي منذ 1929 تُفَسَّرُ لنا النصوصُ الكنعانية - الفونية، الوحيدة في دلالاتها وطولِ نَفَسِها، نصوصُ أوغاريت، تلك النصوصُ التي أبرَزَتْ لنا آداباً عريقةً، سَبَقَتِ التوراةَ وجميع الآداب المتوسطية بقرونِ» («أوغاريت». نسيب وهيبة الخازن، 1961، ص: 43-44). أمَّا المؤرخ الشامي فراس السوَّاح فيقولُ: «قبل حملة نابُليون على مصر، كانت معلوماتنا عن تاريخ الشرق القديم مُستَمَدَّةً من المصادر الإغريقية والرومانية... إضافةً إلى ما تضمنهُ كتابُ التوراة من أخبارٍ متفرقة. ولم تكن هذه المصادر موثوقة بما فيه الكفاية، لأنَّ تَدْوينَها لم يعتمد النهج العلمي في التدقيق والتمحيص وتقصِّي الحقائق، كما هو شأنُ علم التاريخ الحديث، بل اعتمد الأخبار المنقولة والقصص المتداولة والمشاهدات الشخصية العابرة، وتداخلت فيها الأهواء الشخصية للمؤلفين، ولكن التنقيبات الأركيولوجية في المنطقة التي افتتحتها حملة نابُليون، وما نتج عنها من حل رموز الكتابات الشرقية وفهم لغاتها، قد وصلتنا بالحضارات القديمة مباشرةً وبدون وسيط، وأمدَّتنا بحقائق لا يمكن الشكّ بصحتها» (كتاب الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم. ص: 25).
ويتابع المؤرخ قُبيسي في كتابه ليقول: «كلمة عرب موجودة لدينا في الألف الثالث قبل الميلاد...» (ص:37). وفي الصفحة 36 من الكتاب يقول: «نأتي إلى الحضارة السومريَّة واللغة السومرية، وإذ بنا نجِدُ فيها كلماتٍ عربية... منها كلمة نجاروم (بالتمويم وليس التنوين، والتمويمُ يوازي التنوين) نَجَّارٌ. قصاروم أي نَسجٌ، حِرثوم أي محراثٌ، أكاروم أي فلاح (أو أكارٌ)، ريعوم أي راعيٌ... كلماتٌ ذاتُ مدلولٍ حضاري: النجارة، الحياكة، الحراثة». وهو يؤكدُ «أنَّ هذه الكلمات أتت من حضارة العُبَيْد»، 4900-4000 ق م. ويذكر في الصفحة 37 بِـ«أنَّ الكتابة السومرية بقيت مستمرة، وخاصةً في المعابد، حتى سنة 79م». ويستمر في بحثه قائلاً: «من الكلمات السومرية، التي دَخَلَت فيها العربيات أيضاً، كلمة جلجامش (ثلاث نقط تحت الجيم) وهي مُؤَلَّفَة بالواقع من مقطعين (جلج مِش)؛ و(مِش) في السومرية هي أداةُ الجمعِ... وفي قاموس لسان العرب (جلج وقلق) بالمعنى نفسه. وهنا عندنا وقفة مع الكتابة المسمارية، فإنّ مقطع القاف (غير الموجود في اللغات الأجنبية المعروفة) أستطيع أن ألفظه أربعة ألفاظ، ولي الخيار في ذلك: ق، ك، ج، ج (بثلاث نقاط). وإن رجعنا إلى ملحمة [جلجامش] نجد بأنَّها كلَّها قلقٌ وتحملُ معاني القلق» (ص:38). وفي الصفحة 41 يقدِّمُ جدولاً يحتوي على 21 كلمة إبلاوية تنتهي بالتمويم، كما ذكرنا سابقاً، تقابلها نفس الكلمات وبنفس الحروف العربية، ولكن منتهية بالتنوين. مثالاً عليها: بيتوم وبيتٌ، ثقلوم وثقلٌ، وحامضوم وحامضٌ (وحرف الضاد كان موجوداً في لغة إبلا) إلخ... وكذلك جداولُ الأسماء والضمائر والظروف. وهذه الجداول موجودة أيضاً في اللغة الأكادية. وجذر الكلمة (كلُّ كلمة) استمرَّ في الحضارة العمورية العربية في بابل وفي حضارة يمحاض العربية في حلب. ويجزُمُ في الصفحة 56 من الكتاب بأنَّ اللهجة العربية العدنانية (العربية الفصحى) تحوي من الآرامية 86%، ومن الكنعانية 11.2%، ومن الأكادية بفرعيها الآشوري والبابلي بحدود 60%، «بمعنًى آخر، فإنَّ اللهجة العربية العدنانية تَمُتُّ بصلة إلى الشمال أكثر ممّا تَمُتُّ بالصلة إلى الجنوب». وقبل الإسلام كَتَبَ «بنو ربيعة»، شمال العراق، العربية الفصحى بالخطِّ السطرنجيلي السرياني، وسُمِّيَ بـ(الكرشوني) نسبةً لقريش». (ص:25). ويقولُ: «قبيلة قريش وافدة إلى مكَّة وقد تقدَّمَ عليها في الإقامة بها قبيلةُ جُرهم»، «قريشٌ أتت من الشمال ولم تأتِ من الجنوب» (ص: 57)، «وإنَّ معنى القبيلة هي الجماعات التي قبلت التعايش بعضها مع بعض لحماية نفسها. ومعنى (قريش) من (قَرَشَ) أي جَمَعَ؛ فهي مجموعٌ لأكثرِ الأطرافِ الشمالية ذات اللهجات المتعدِّدة فأخذت أحسنها وألَّفَت القبيلة قريش. كان لقُصيّ، زعيمِ قريش، بيتٌ دائمٌ في دمشق». (ص: 57-58).
وفي كتابه «أوغاريت» يورد المؤرخ نسيب وهيبة الخازن مقارنة بين كلماتٍ وجُمَلٍ من ملحمة «كِرِتْ» الكنعانية مع ما شابهها من كلماتٍ وجُملٍ عربية كالآتي: «نعمنُ غُلَم إيل = الجميل إبن إيل» وكلمة نعمن موجودة في «شقائقُ النعمان». «له ثْمَنت بن أم» = وهي من مقطعين: «لَهْ»، هي عبارة التفجُّع وُجِدتْ على قبور تدمر ومنها الكلمات العاميَّة التي نوردها حين نسمع بحادثٍ حزين: «لَهْ... لَهْ... لَهْ...»، و«وثمنت بن أم» تعني «ثمانية أبناء من أمٍّ». «مكنت إشت ترخ = مكان زوجة (سِتْ) تارِخْ». «بتن رجم ويدمع» وبِيتَنّي هي الكلمة العامية التي يستعملها اللبنانيون إلى الآن وتعني الإعادة، والجملة تعني «يُعيد الكلام ويدمعُ». «كم شقلوم أرصوم» لاحظ التمويم في آخر الكلمة بدلاً من التنوين في «كأنه ثقلٌ على أرض». وهناك المئات من الكلمات والجمل التي أوردها المؤرخ على صفحاتٍ كثيرة من الكتاب لا مجال لذكرها تشيرُ إلى التقارب بين اللهجات: الأكادية - الآرامية - الكنعانية والعدنانية (أي العربية الفصحى). والأكادية، كما الآرامية، وكما العدنانية انتشرت في المنطقة كلها: «أربعمئة وثيقة مكتوبة باللغة الأكادية التي كانت لغة الدبلوماسة الدولية في ذلك العصر، دُعيَتْ برسائل تل العمارنة وتلُّ العمارنة في مصر هي «أخيت آمون» عاصمة أمنحوتب الرابع (اخناتون). (كتاب الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم. فراس السواح. ص: 48).
*كاتب وطبيب لبناني