يملأ الجزائريون والجزائريات، منذ ما يزيد عن ثمانية أشهر، الساحات العامة كلّ جمعة للمطالبة بتغييرات ديموقراطية في النظام السلطوي الذي يحكمهم عملياً منذ نيلهم الاستقلال في تموز/يوليو 1962. فالمجتمع الجزائري، بأطيافه المختلفة وبغالبية مكوّناته، يطالب بإرساء دولة القانون وباحترام الحريات الأساسية.

يعبّر ملايين المتظاهرين، بوعي وإدراك تامّ لمسؤوليتهم السياسية، عن التزامهم بالمضي قدماً في مسيرة بلادهم التاريخية وبالدفاع عن مصالحها العليا. فصور شهداء ثورة التحرير ضدّ الاستعمار، التي امتدّت من عام 1954 حتى عام 1962، تزيّن الشوارع خلال هذه التظاهرات، بخلاف ما يتصوّره عدد من المراقبين المقتنعين بأنّ فقدان الذاكرة على الصعيد الرسمي قد أصاب أيضاً المجتمع ككلّ.
لا شكّ في أنّ الحراك، الذي أطلق شرارته الشباب الجزائري في 22 شباط/فبراير 2019، واضح في انتمائه إلى النهج التحرّري الذي وُلد من رحم ثورة الأوّل من تشرين الثاني/نوفمبر 1954. ففي حين استُعيدت السيادة الوطنية منذ سبعة وخمسين عاماً، ما زالت المواطنة الحقّة هدفاً يصبو إليه الجزائريون.

من التحرير الوطني إلى التحرّر المواطني
يكمن السبّب الأساسي الذي أدّى إلى اندلاع هذه الموجة الفجائية من الاحتجاجات الشعبية السلمية، التي عمّت أنحاء البلاد، في إعلان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي يتولى الحكم منذ عام 1999، في ترشّحه لولاية رئاسية خامسة في شباط/فبراير الماضي. إلا أنّ هذا الترشح المنافي لأيّ منطق لرجل أعياه المرض، إلى حدّ أنه بات عاجزاً عن التحدّث في العلن منذ أكثر من ستّ سنوات، اعتبرته فئات واسعة من الشعب بمثابة إهانة وازدراء مرفوضَيْن لها، أو القشة المسمومة التي قصمت ظهر البعير وأدّت إلى تعبير هذه الفئات الشعبية عن استيائها العارم.
شكّل هذا الإعلان المستفزّ الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات الشعبية، عبر توفير مناخ من القلق السياسي والاستياء الاجتماعي المشتّت، ولكن الذي بدأت ملامحه تظهر بوضوح. في الواقع، منذ انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية في عام 2014، دخلت الجزائر مرحلة السنين العجاف والصعوبات الاقتصادية التي تدفع ثمنها الفئات الأكثر ضعفاً. فالتراجع الملحوظ في الاستثمار العام في قطاع البنى التحتية ووقف المشاريع، بالإضافة إلى تأخّر الدولة في سداد مستحقّات الشركات المتعاقدة معها، كلها زادت معدّل البطالة الهيكلية إلى حدود لم تعد تُحتمَل، خصوصاً أنّ أكثر من يعاني من هذه البطالة هم الشباب، الذين يجدون كلّ الآفاق مسدودة في وجههم.
ما زالت ذكرى التسعينات المريرة، ذكرى «الحرب القذرة» والأزمة الاقتصادية والخشية من الغد المظلم وجرائم النهب المكشوف والفاضح لموارد البلاد، ترخي بظلالها على الواقع الذي يعيشه الجزائريون اليوم. لا بل ما يزيد هذا الواقع سوءاً هو أنّ البلاد شهدت بين عامَي 2003 و2013 فترة طويلة من ارتفاع أسعار النفط، بلغ خلالها سوء الإدارة والفساد مستويات غير مسبوقة. خلال هذه الفترة، راكمت البلاد أكثر من 800 مليار دولار (أو 1000 مليار بحسب بعض التقديرات) من العوائد، ما أتاح معدلات طائلة من الإنفاق العام واختلاساً لا يوصَف للمال العام، في بلد تاريخه الاقتصادي مليء بأمثلة عن النهب الممنهج والهيمنة غير المشروعة على الموارد العامّة.
وإذ تمّ تفويت فرصة الانطلاقة الاقتصادية تلك، أدّت الطفرة المالية خلال العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين إلى ترسيخ الطابع الريعي لاقتصاد قليل الإنتاجية أساساً، ولا يخلق سوى القليل من فرص العمل ويقوّضه القطاع غير الرسمي ويعتمد على الاستيراد لسدّ القسم الأكبر من احتياجات البلاد. لا بل سمح الفساد الممنهج بإدامة سوء الإدارة والإهمال إلى حدّ زعزعة أُسس الدولة نفسها. إلا أنّ العوائد النفطية، التي لطالما استُخدِمت كمخدّر للمجتمع، انحسرت بسرعة قياسية، كما أنّ احتياطي العملات الأجنبية، الذي ناهز مئتي مليار دولار في عام 2014، تقلّص بسرعة وبمعدلات يصعب تعويضها. فبات هذا الاحتياطي يبلغ أقلّ من سبعين مليار دولار، ومن المتوقّع أن ينخفض إلى حدّ أدنى غير مسبوق في العامَيْن المقبلَيْن. ونظراً إلى أنّ أسعار النفط لن تشهد ارتفاعاً ملحوظاً إلا في حال نشوب نزاع كبير، لا بدّ من التساؤل عن كيفية تأمين الواردات الحيوية لتلبية الاستهلاك الداخلي. لا أحد ينكر هذه الاحتمالات غير المستبعدة إطلاقاً، كما أنّ الجميع يخشى المستقبل وما يحمله من ظروف عصيبة.

مسيرة الشعب ومسيرة السلطة
يتمّ التعبير عن السخط تجاه فجور المنظومة الحاكمة وانعدام كفاءتها ورداءتها، وعن القلق الاجتماعي - الاقتصادي والمطالب السياسية لغالبية النسيج الاجتماعي، خارج أيّ إطار مؤسّسي أو سياسي أو إعلامي. فبعد القضاء على المعارضة السياسية والأصوات المستقلّة أو قمعها أو نفيها من قبل الشرطة السياسية، لم يعد أمام الشعب أيّ منبر مؤسسي للتعبير عن مطالبه. كذلك، تُمنَع النخب الحقيقية من التعبير عن آرائها في ظلّ نظام يعتمد سياسة التعتيم التامّ. فليست المعارضة سوى واجهة فارغة عبارة عن أجهزة وسيطة مرتشية وفاقدة للشرعية. لا شكّ في أنّ الاستياء الشعبي يتزايد منذ سنوات طويلة، وحتى في حال تمكّنت مجموعات مصالح معيّنة أُزيحت من السلطة من حثّ الفئات الشعبية أو تشجيعها على الاحتجاج، يبقى حراك المجتمع، السلمي والمنضبط، عفوياً. أما الدعاية الرسمية المذعورة فلم تحقّق الأثر المرجو منها: فما من غرفة عمليات أو «أيادٍ خارجية» مسؤولة عن هذه الهبّة الجماهيرية.

هل يمكن التوفيق بين المطالب الشعبية ومنطق القوة الذي يصرّ قادة الجيش على اعتماده؟


أدرك النظام الجزائري السلطوي والمنطوي على نفسه، والذي لا يتيح أيّ مساحة للتعبير أو التجمّع، محدودية سياسة التعتيم في عصر شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت والهواتف الذكية. فالجزائريون يتحدّثون ويتواصلون مع بعضهم البعض أكثر من أيّ وقت مضى ومن دون أيّ رقابة. فالإحباط هو نفسه من شرق البلاد إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، في المناطق العربية والأمازيغية على حدّ سواء، وكذلك الحال بالنسبة إلى النبذ الجماعي للعنف والهتافات والشعارات المكتوبة على لافتات المتظاهرين.
على وقع حجم الحراك وجديته، اضطرت قيادة الأركان العامة للجيش، وهي السلطة القائمة بحكم الواقع، إلى التراجع والعدول عن ترشيح الرئيس-الواجهة، الذي أدّى إلى تظهير التناقضات الداخلية للنظام وأفضى إلى التركّز الواضح لجميع السلطات في يد القيادة العسكرية العليا.
في الواقع، يسعى الفريق أحمد قايد صالح، الذي يناهز عمره الثمانين عاماً، والذي عيّنه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للأركان في عام 2004، إلى إعادة تأكيد سلطته عبر القضاء على مجموعات المصالح المتنازعة، بهدف التمكّن من الدفاع بشكل أفضل عن النظام الذي يديره وإدامته. تندرج في هذا السياق حملة الاعتقالات الواسعة لمسؤولين كبار في الجيش والشرطة السياسية ومقرّبين منهم وأوليغارشيين وشخصيات سياسية وموظفين كبار في الدولة، في محاولة لتصوير هذه الحملة على أنها مقدّمة لإحداث تحوّل جذري في النظام. إلا أنّ الواقع مختلف تماماً، والجميع يدرك طبيعة تصفية الحسابات الداخلية التي تنطوي عليها عملية التطهير هذه، والتي ينطبق عليها القول الشهير لحسين آيت أحمد: «النظام يعيد إنتاج نفسه من خلال عمليات إقصاء متتالية». لذا، فإنّ الفريق صالح، الذي يعبّر عن مصالح مجموعة من الضباط المصمّمين على تحقيق أهدافهم، لن يرضخ إطلاقاً لنداءات الشعب ولن يتراجع تحت أيّ ذريعة بهدف الحفاظ على النظام السياسي في الدولة.
وعليه، يسعى قادة الجيش الداعمون لصالح إلى فرض برنامجهم الهادف إلى إجراء انتخابات رئاسية في 12 كانون الأول/ديسمبر، مدّعين احترام الشرعية الدستورية التي اعتادوا خرقها في كلّ المراحل السابقة. ويحاول رئيس الأركان، عبر سعيه إلى تنصيب رئيس من بين شخصيات فاقدة لأيّ مصداقية أو شرعية، إلى استباق المطالبات الشعبية وفي الوقت عينه إحداث انقسامات ضمن الحراك، عبر اللعب على وتر الاختلافات الثقافية وتضييق الخناق على المحتجّين، علماً أن محاولاته تلك باءت بالفشل حتى الساعة. لم تنطلِ حيل الفريق صالح على الرأي العام، الذي حفِظ عن ظهر قلب مناورات النظام وأساليبه. فمن الواضح أنّ الانتخابات الرئاسية المرتقبة تهدف إلى فرض شخصية يختارها قادة الجيش لإدامة هيمنتهم على الدولة وريعها. بالتالي، ليست هذه الانتخابات سوى تطبيق دقيق لآلية إعادة إنتاج نظام التعاون السلطوي والمُعسكَر الذي يسيطر على الدولة منذ الاستقلال.

الشعب، والجيش، والقيادة العسكرية
لقد أثبت الحراك، بالرغم من أوامر رئيس الأركان وأساليبه الاعتباطية، حسن تقديره، وهو حتى الآن يدير الأذن الصمّاء لسياسات الاستدراج والترغيب، معلناً في الوقت ذاته احترامه وولاءه للجيش باعتباره مؤسّسة ضامنة للسيادة الوطنية.
فرفض الديكتاتورية العسكرية ليس بأيّ شكل من الأشكال تعبيراً عن نبذ للجيش بصفته مؤسّسة مكلّفة بالدفاع عن البلاد. بل على العكس، فإنّ المواقف التي تبديها الشخصيات المستقلّة كافة تجمِع على الضرورة الحيوية لجيش قوي وحديث، قادر على ردع أيّ اعتداء محتمل؛ جيش قادر على حماية البلاد وضمان استقلالية مواقفها في المحافل الدولية. فالرأي العام على بيّنة تامّة من المخاطر التي تتهدّد السيادة الوطنية وأمن البلاد. فالسياق الجيوسياسي بين ليبيا والساحل الأفريقي عموماً، الذي يشهد تدخلاً مباشراً لعدة جيوش خارجية في تشاد والنيجر ومالي، يتّسم بزعزعة الاستقرار وبالحروب النيوكولونيالية.
إنّ الجزائر المنزوعة السلاح والضعيفة والهشّة والمُعرّضة للتقسيم (الذي ليس مجرّد احتمال نظري، فكلّنا نذكر التقسيم الذي فُرض على السودان في الأمس القريب) تناسب مخططات الغرب، الذي لطالما اعتبر منطقة الساحل والصحراء الأفريقية حكراً عليه، خصوصاً في ظلّ التنافس الدولي المتفاقم على الموارد الآخذة في الانحسار. فالمنطق الاستعماري الغربي لن يتوانى إطلاقاً عن إضعاف الجزائر بهدف إسكات إحدى آخر الدول الداعمة لقضية الشعب الفلسطيني ولمقاومة السياسات التوسّعية الصهيونية.
شاهد الرأي العام الجزائري بأمّ العين تجارب دول المنطقة، من العراق إلى ليبيا، وفهم أنّ الأنظمة الديكتاتورية هي التي تسهّل التدخلات الخارجية، وأنّ الوحدة بين الشعب وجيشه هي الضمانة الأفضل للاستقلال. إلا أنّ الشعب، وبالرغم من تقديره لدور الجيش ومكانته، يعارض بشدّة الثقل السياسي للقيادات العسكرية.

التوافق السياسي ضرورة ملحّة
يرفض المتظاهرون، الذين استقوا دروس التاريخ، الانتخابات الرئاسية منذ إعلانها من قبل حكومة يديرها بيروقراطيون متخصّصون في الاحتيال والتزوير. فلا يمكن لهذه الانتخابات التي تُجرى في إطار قانوني وتنظيمي ديكتاتوري، وبموجب دستور شبه ملكي، إلا أن تؤدّي إلى مأزق جديد، خصوصاً في ظلّ التوقعات الاقتصادية الباعثة على القلق. ويتطلّع الجزائريون والجزائريات، الذين يدركون جيداً عدم وجود شخصية قادرة على انتشال البلاد من أزماتها، إلى التحرّر من سطوة الديكتاتورية العسكرية، التي تتلطّى خلف ستار من الشكليّات الفاقدة لأي أساس فعلي.
يتمثّل الشرط المسبق لأيّ تسوية سياسية في إلغاء القوانين القمعية وفي تعيين سلطة معترف بها وتحظى بمصداقية أخلاقية، مكلّفة بقيادة مرحلة انتقالية تفضي إلى انتخاب هيئات تمثيلية رسمية مدنية. فالحكمة تقتضي بلا شك السعي إلى إيجاد تسوية يكون مفتاحها لا إسقاط النظام برمّته، إذ إنّ ذلك قد يفتح الباب أمام احتمالات يصعب توقعها، بل توسيع الأسس القانونية للنظام فعلياً عبر إتاحة الحقلَيْن السياسي والإعلامي أمام أطياف المجتمع كافّة وعبر احترام الحريات العامة.
يبدو أنّ تطلّعات الحراك ومقاربة أركان الجيش شديدة التباين إذاً. فبين السعي إلى الحفاظ على النظام بعد كلّ إخفاقاته، ومحاولة استعادة التاريخ بعد حرفه عن مساره إثر الانقلاب التأسيسي في صيف عام 1962، أي انقلاب جيش الحدود ضدّ الحكومة الجزائرية المؤقتة (1) تواجه الجزائر مفترق طرق حقيقياً. يعتقد كثرٌ أنه من المستحيل التوصّل إلى مخرج سياسي من دون تقارب وجهات النظر بين الشعب والمسؤولين العسكريين. ولكن هل يمكن التوفيق بين المطالب الشعبية ومنطق القوة الذي يصرّ قادة الجيش على اعتماده؟ هل ينجرّ قادة الجيش إلى خيار فرض القوّة؟ إلى أين قد تدفع مغامرة بالغة الخطورة كهذه بالبلاد؟ مصير الجزائر رهن بالإجابة على هذه الأسئلة.
من المؤكد أنّ المسار التاريخي الجزائري قد بلغ منعطفاً حاسماً، بعد عقود من الأخطاء التي تُوِّجَت بحالة التفلّت والتراجع والفشل المدوّي للنظام الذي فُرض إثر الانقلاب العسكري في 11 كانون الثاني/يناير 1992. كثيرون ممن هم في السلطة يعارضون تحرّر الشعب ويسعون، مهما كلّف الأمر، إلى إبقاء الجزائر في حالة وحشية من انعدام القانون وبلا أيّ أفق. هل سيتم التغلّب على هذه القوى؟ الأمر المؤكد هو أنّ حراك الشعب الجزائري يشكّل قطيعة مع العنف الديكتاتوري وينبئ بتحرّر لم يتحقّق بعد ولكنه وجد مسار التاريخي؛ تحرّر يحقّق الاستقلال السياسي للبلاد والمواطنة الحقّة لجميع أبنائه، تحرّر لم يتحدّد شكله بعد ولكنه آتٍ لا محال.

1 - الحكومة الجزائرية المؤقتة (أُنشئت في 19 أيلول/سبتمبر 1958 وعُلّقَت في 22 تموز/يوليو 1962). انظر:
« Contribution pour le cinquantième anniversaire de la création du GPRA » Omar Benderra, Algeria-Watch, 18 septembre 2008 - https://algeria-watch.org/?p=65168.

*مسؤول جزائري سابق وعضو هيئة تحرير Algeria - Watch