تَتَابُع زيارات موفدي الإدارة الأميركية إلى لبنان، بمستوى تمثيل رفيع عموماً، ولأغراض وملفات خطيرة ومتنوّعة، وانخراطهم المباشر في الشأن الداخلي اللبناني، جسَّد ويجسّد رغبة أميركية ملحاحة، مقرونة بالضغوط وبالتهديدات، في تحقيق أهداف أميركية محلية وإقليمية بشكل سريع. تعود جذور مثيلات هذه المحاولة المباشرة الجديدة، إلى انطلاق مشروع «الشرق الأوسط الكبير» ( قبل حوالي عقدين من الزمن) الذي توسّل بالغزو والاحتلال، بدءاً من أفغانستان، ومن ثم خصوصاً العراق، بسط وتعزيز الهيمنة الأميركية المنفردة على المنطقة الممتدة من موريتانيا حتى باكستان. برزت الإملاءات والإجراءات الأميركية مباشرة من لبنان وعبره آنذاك. سريعاً، يومها، تلاحقت أحداث كبرى في بلدنا: إصدار القرار 1559، اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اندلاع «ثورة الأرز» وخروج القوات السورية، مُرغمة من لبنان. ثم، بعد حوالي العام، شنّ العدو الصهيوني حرب تموز على لبنان، عام 2006 بتحريض وإشراف أميركي. وزيرة خارجية أميركا، آنذاك، كوندوليزا رايس، وسفيرها في لبنان جفري فيلتمان، تصدّرا المشهد وجسّدا بداية التحول في إدارة البلاد: من الطرف السوري إلى الطرف الأميركي (من «عنجر» إلى «عوكر»).

«الإخفاقات» العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق، وفي سياقها فشل غزو لبنان في تموز عام 2006، ومن ثمَّ أزمة أواخر 2008 التي ضربت كبرى المؤسسات المالية والائتمانية الأميركية وملحقاتها في العالم، حملت باراك أوباما إلى قمة السلطة في واشنطن. الرئيس أوباما حاول بالمراجعة والانكفاء، الحد من الخسائر الأميركية على المستويين الداخلي والخارجي، وفي الحقول كافة تقريباً.
موجة جديدة من التصعيد المعزَّز بالعنصرية والابتزاز والاستثمار في العلاقات الخارجية والأمن السياسي والتجاري، أوصلت دونالد ترامب إلى سدّة الرئاسة في واشنطن. مشروع «الشرق الأوسط الواسع» ينطلق بصيغة جديدة، بالشراكة مع العدو الصهيوني، وبهدف مباشر ذي أولوية، بعد إبرام صفقات بمئات المليارات، هو تصفية القضية الفلسطينية وإحداث تحوّلات جذرية في المنطقة لمصلحة واشنطن وحلفائها.
«حصة» لبنان في المشروع الجديد («صفقة القرن») الراهنة، كبيرة كما كان الأمر بعد غزو العراق والمشروع الذي وقع الغزو في كنفه عام 2006. فجأة بدأ تدفّق المبعوثين الأميركيين إلى لبنان: من أجل شيطنة «حزب الله» وتجريم سلاحه وإضفاء صفة «الإرهاب» على كامل أعضائه ونشاطاته ومؤسساته وعلاقاته... ثم كانت «الوساطة» الأميركية في ترسيم الحدود البحرية مع لبنان من دون التزامات وتوثيق، ومن دون الاقتراب من الحدود البرية... وفي الأيام القليلة الماضية جاء مساعد وزير الخزانة الأميركية لشؤون مكافحة وتمويل «الإرهاب» بيلنغسلي، يسبقه قبل أسابيع قليلة، إقفال «جمّال ترست بنك» بعد وضعه على قائمة «أوفاك».

ألا تبدو عناصر القوة التي راكمها لبنان، عبر المقاومة والمواجهة مع العدو الصهيوني وحُماته، على كف عفريت أميركي؟


في السياق إياه، وقع أمر مريب. جاءنا زائر «مميز» هو العميل السفّاح وآمر سجن «الخيام» الشهير عامر الفاخوري. وصل الفاخوري إلى مطار بيروت بعد أن توفّرت له كل سبل حسن الاستقبال. مرَّ مروراً طبيعياً على الأجهزة الأمنية. استقبله ضابط من رتبة عسكرية رفيعة ورافقه إلى مقصده بكل احترام وأمان! ملف الرجل الإجرامي غائب كلياً. اسمه سقط من اللوائح بفعل «التقادم» من دون توقيف وملاحقة، وعبر محاكمة غيابية ملغومة...جواز سفره أميركي. زيارته مقرّرة وهادفة، وتكاد أن تكون واحدة من زيارات الموفدين الأميركيين ولأهداف متناغمة مع أهدافهم بالتأكيد!
محاولة «احتواء» لبنان، توسَّلت إلى الوقاحة والاستفزاز، ابتزاز البلد الغارق في أزمة اقتصادية مفتوحة على احتمال انهيار شامل وسريع، بسبب النهب المنظّم عبر منظومة المحاصصة الطائفية التي تتكرّس يوماً بعد يوم في أوجه الحياة والعلاقات والنشاطات كافة. لم يعبأ المسؤولون الأميركيون بـ «الحكم القوي» أو بشعارات «القوة» الوهمية الموزّعة هنا وهناك. أطلقوا الوعيد والتهديد وهم يراقبون عن كثب نزعة الانصياع التقليدية لدى معظم المسؤولين اللبنانيين للإملاءات الأميركية: هذه المرة، خوفاً من الانهيار وحفاظاً على الاستقرار والدولار! إقفال مصرف من قبل جهة خارجية من دون اعتراض أو مساءلة أو تحقيق، رسمي أو مصرفي لبناني، هو إذعان كامل لا مثيل له في العلاقات بين الدول والمؤسسات. هو يشير إلى هشاشة بنيتنا، وتعاظم تبعية طبقتنا السياسية التقليدية، ووهم «قوتنا» التي تغذيها العصبيات المرشّحة للتفجر فتنة دموية جديدة: تلبية لفئويات الداخل ومصالح الخارج.
هل هذه العربدة الأميركية مبرّرة فعلاً؟ ألا تبدو عناصر القوة التي راكمها لبنان، عبر المقاومة والمواجهة مع العدو الصهيوني وحماته، على كف عفريت أميركي، الآن، فلا يتردد في أن يمطرنا بمبعوثين مكرّسين في ولائهم للصهيونية وانحيازهم المطلق إلى سياسات ومخططات مجرمي تل أبيب؟
مشهد الوضع في المنطقة ومراوحة سياسة الولايات المتحدة الأميركية بين العجز وفقدان القدرة على المبادرة والمناورة، يسيران بعكس ما يحاوله مبعوثو واشنطن من فرض السياسات على لبنان وعبره في المدى الإقليمي. ليست واشنطن وحدها في المنطقة. اللاعب الروسي يؤكد على الدوام قدرته على وقف التفرّد الأميركي وصولاً إلى شلّه أو تحييده أحياناً. حلفاء واشنطن التقليديون يعيشون خيبات متلاحقة بسبب وعودها الكاذبة بشأن حسم النزاعات لمصلحتهم وخصوصاً منهم قادة المملكة العربية السعودية...
التضامن القائم بين أطراف السلطة اللبنانية، كل أطراف السلطة، خصوصاً في الحقل الاجتماعي الاقتصادي (على بعض التباينات المتصاعدة نتيجة تفاقم الأزمة) لا ينبغي أن يدفع الطرف الذي يحمل لواء المقاومة، في بعديها المحلي والإقليمي، إلى تقديم تنازلات في الحقل السياسي، طالما أن رأس المقاومة وسيادة البلد هما المطلوبان من قبل واشنطن والعدو الصهيوني وحلفائهما... يتمادى الأميركيون في محاولة إملاء قراراتهم حتى بشأن عدد من الموظفين الكبار إبقاءً أو إبعاداً. إنها محاولة جديدة لممارسة وصاية على البلد الذي خاض تجربة مقاومة غير مسبوقة في نجاحاتها وانتصاراتها ضد العدو الصهيوني وحماته وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأميركية.
هذا الواقع الخطير في السياسة والاقتصاد والعلاقات يُملي وقفة جدية لتطوير المواجهة ولمقاربة الملفات السياسية عموماً، والاقتصادية والاجتماعية خصوصاً، بشكل مختلف. ليس بالتنازلات المبذولة مجاناً أحياناً، يمكن التعامل مع التطور الجديد من الأزمة التي يعاني منها لبنان، ولا مع محاولة فرض السياسات الأميركية في الإقليم وفي الداخل خدمةً للعدو الإسرائيلي، وعلى حساب قضية الشعب الفلسطيني ومجمل قضايانا التحررية.
* كاتب وسياسي لبناني