أشعل اتفاق أوسلو خلافاً واسعاً في المجتمع الإسرائيلي الذي لم يكن متّفقاً على السلام مع الفلسطينيين، كما هو غير متفق حول هويته الجماعية، بشقّيها المدني والعسكري، وفيما بعد، تحوّل عدم الاتفاق إلى خلافات ومن ثم وصلت إلى مرحلة الشرخ الحقيقي في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو، وثارت العاصفة بداخله عندما كشف النقاب عن وجود اتصالات بين حكومة رابين و«منظمة التحرير الفلسطينية»، التي كانت بدايتها غير المباشرة في مطعم «تندوري» في تل أبيب، مطلع صيف 1992، في لقاء بين مدير معهد الأبحاث النرويجي «فافو»، كارييه راد – لارسن ويوسي بيلين، رئيس مجلس إدارة معهد الأبحاث الإسرائيلي «أي.سي.اف» (بنزيمان 1993، 137). اعتقد جزء من الإسرائيليين أنها كانت فرصة حقيقية للتوصل إلى «تسوية واعدة»، وكانت شريحة رجال الأعمال أوّل من سارع إلى فهم المزايا الاقتصادية الكامنة في التوصل إلى سلام إقليمي في عصر العولمة، في حين تعامل آخرون معها على أنها «تهديد» (بن اليعازر 2016، 100). وتبيّن هذا الأمر من دعوة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق شامير المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة الأميركية، إلى الوقوف ضد حكومة رابين، ودعم المستوطنين عشية الاتفاق، وأكد أن حزب الليكود لن يحترم ولن ينفذ القرارات التي ستّتخذها حكومة رابين، واتهمها بتعريض كيان دولة إسرائيل للخطر، وبأنها ابتعدت عن الوفاق «الوطني» الذي كان قائماً وعُقد على أساسه مؤتمر مدريد (الأعرج 1994، 22). وفي محاولة لتجميع أكبر عدد من العسكريين الإسرائيليين لممارسة الضغط على الحكومة الإسرائيلية أصدر المستوطنون مذكرة تدعو العسكريين إلى مقاومة الاتفاق وعدم الانصياع للحكومة الإسرائيلية في الانسحاب. ووقّع هذه المذكرة أكثر من خمسين عسكرياً من حملة الرتب الرفيعة (الأعرج 1994، 22)، وعندما أجري استفتاء داخل المجتمع الإسرائيلي إبان اتفاق أوسلو حول الخيار بين محادثات السلام وتعزيز القدرة العسكرية من أجل تجنّب الحرب مع الدول العربية، اختار 52% محادثات السلام (أريان 1994، 135)، واعتُبر هذا هبوطاً حادّاً عن النسبة التي اعتمدت هذا الخيار حين لم يكن هناك محادثات. وأظهرت النقاشات التي جرت في الكنيست خلافات أيديولوجية عميقة بين المجتمعين العسكريتاري والديني من جهة والمدني من جهة ثانية، وقد حاول كلّ طرف الترويج لمبادئه مع التقليل من قيمة أقواله وخصومه السياسيين، وقتها قال رحبعام زئيفي من حزب «موليدت»: «إن من يريد التحدث مع منظمة التحرير الفلسطينية يجب أن يعرف أن هذه المنظمة التي تضم في إطارها عصابات الإرهاب الفلسطينية، تتطلع إلى إلغاء وجود دولة إسرائيل، وتعتبر أن فلسطين تعود فقط للفلسطينيين وليست قابلة للتقسيم». فيما عبّر زعماء اليسار عن موقفهم المؤيد للاتفاق في جلسة الكنيست بتاريخ 17 آب 1993 بقولهم: «إن الذين لا يريدون الاعتراف بالواقع، وبأن 5 ملايين مواطن في إسرائيل يسيطرون منذ 25 عاماً على مليوني إنسان ينتمون إلى شعب آخر، فإن ذلك بالضرورة، يؤدي مثل القانون الحديدي للاحتلال إلى احتكاك قومي واحتكاك عرقي» (بن اليعازر 2016، 103). وإلى جانب المظاهرات الاحتجاجية المتواصلة التي نظمها معارضو الاتفاق والتي زادت حدّتها يوماً بعد يوم، ظهرت الفوارق بين المعسكرَين، فقد كان المعسكر المعارض منظّماً ومصرّاً وحازماً في مطلبه، فيما المعسكر المؤيّد للاتفاق ظهر ضعيفاً ومشتّتاً، على الرغم من وجوده على رأس الحكومة والمؤسسات إلا أنه لم يكن قادراً على استقطاب رأي المجتمع الإسرائيلي الذي كان واضحاً في ما يريده من هذه القضية. إلى أن جاء اغتيال رئيس الحكومة اسحق رابين، هذا الحدث الذي هزّ أركان المجتمع وشّكل ذروة الصراع القاسي على صورة إسرائيل وهويتها وعلى سيادتها كذلك، الاغتيال الذي وكما يرى البعض أنه كان بداية النهاية للصراع الداخلي وتوحّد المجتمع نحو العنف تجاه الفلسطينيين وإسكات أصوات اليساريين من دعاة السلام وإنهاء الصراع مع «منظمة التحرير الفلسطينية».
استغلّت وسائل الإعلام الإسرائيلية الحدث لإثبات عدم صحة خيار السلام والمفاوضات مع الفلسطينيين «القتَلة»


سبق «انتفاضة الأقصى» حدث اعتُبر مهمّاً في سياق التأسيس للانفجار الكبير وهو عندما قرّر نتنياهو في أيلول 1996 في خطوة لكسب واسترضاء المستوطنين، المصادقة على فتح مخرج لنفق الحائط الغربي «البراق» في البلدة القديمة في القدس، حيث يربط هذا النفق القديم باحة الحائط بالحي المقدسي، وقد اكتشفه الإسرائيليون وقاموا سرّاً بتنظيفه وتهيئته بالتدريج لاستقبال الزوار. جنّ جنون ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية، التي اعتبرت الخطوة مناقضة للسلام، وبمثابة إعلان حرب. وفعلاً اندلعت المواجهات العنيفة وثارت الجماهير الغاضبة في كلّ مدن الضفة الغربية، وجرت لأول مرة منذ توقيع «أوسلو» اشتباكات مسلحة وتبادل لإطلاق النار بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي وخرجت الأمور عن سيطرة قيادة السلطة و«منظمة التحرير».
شكّلت حادثة مقتل الجنديين الإسرائيليين في وسط رام الله بتاريخ 12 تشرين الأول 2000، أي بعد أقل من نصف شهر على اندلاع الانتفاضة، بالنسبة إلى الكثير من الإسرائيليين فرصة لعرض الواقع بمصطلحات ثنائية، فمن وجهة نظر أنصار اليمين الإسرائيلي المتشدّد اعتبرت عملية القتل تأكيداً على ما يدعونه بوجود «بربرية» و«وحشية مخيفة» يجب الاحتراس منها ومحاربتها وعدم التوقيع معها على اتفاق سلام، بل محاربتها بلا هوادة (بن اليعازر 2016، 211). واستغلّت وسائل الإعلام الإسرائيلية الحدث في محاولة منها لإثبات عدم صحّة خيار السلام والمفاوضات مع الفلسطينيين «القتَلة»، وأخذ أنصار اليسار ومن يحسبون أنفسهم من «المعتدلين» بالتباكي على ما حصل واعتباره نقطة تحوّل مركزية من السلام إلى الحرب، وقد تناسى كل هؤلاء ما يقارب الـ 48 شهيداً ومئات الإصابات من الذين سقطوا في مظاهرات سلمية أمام جيشٍ مدجّج ومجهّز بكل أسباب القوة والبطش خلال أقل من نصف شهر على بداية الانتفاضة، رفض المجتمع الإسرائيلي مناقشة أسباب ما حدث والعوامل التي أدّت إلى تطور الأحداث بهذا الشكل، وسارع جيش الاحتلال إلى الردّ بقوة شديدة، وأعلن أنه من الآن فصاعداً سيأخذ هو «زمام المبادرة»، وبدا ظاهراً أن إسرائيل لا تريد التفريط بهذه الفرصة وأغمضت عينيها عن كل شيء سوى الموت والبطش، فبدأ الجيش بقصف مقرات الأجهزة الأمنية الفلسطينية ومقرات ومكاتب السلطة الفلسطينية باستخدام تكنولوجيا متطوّرة، وتحدّث قادة الجيش بموجب النظرية القتالية «الجديدة» عن «حسم نفسي بواسطة نيران عن بعد»، وهذا ما ظهر في تصريحات قائد سلاح الجو الإسرائيلي دان حالوتس الذي كان متحمّساً لهذا الأسلوب بقوله: «هناك أساس للاعتقاد بأننا نقف أمام واقع تكنولوجي مختلف عن الوضع الذي عرفناه طوال عشرات السنين الماضية، والذي يمكّننا من استخدام النيران بغية تدمير قوة الطرف الثاني بصورة تؤثر حقاً على حالة وعيه» (بن اليعازر 2016، 213). عمل الجيش الإسرائيلي خلال «انتفاضة الأقصى» استناداً لسياسة «كيّ الوعي» الذي جاء بها آنذاك نائب رئيس هيئة الأركان موشيه يعلون، والتي تقضي بإلحاق أكبر خسارة عسكرية اقتصادية واجتماعية وسياسية بحق الفلسطينيين وكيّ وعيهم بهذه الخسارة. واستغل المستوطنون المتديّنون الفرصة وعبّر تيار مركزي لديهم عن ضرورة المشاركة في المعركة مع الفلسطينيين (الحسيني 2001، 167)، وهذا ما اتّضح في البيان الذي صاغه ونشره الحاخام المعروف يوفال مشارلو في بداية الانتفاضة بقوله: «الآن لدينا فرصة سانحة، لقد استوعب الجمهور الإسرائيلي حقيقة أن الحديث يدور عن صراع قومي، فما هو المطلوب من أجل استغلال هذه الفرصة؟ ينبغي أولاً وقبل كل شيء تحديد الهدف المركزي، وهو هوية دولة إسرائيل، لقد أعاد إيهود باراك إسرائيل إلى الوراء، إلى أيام الانقسام والشرخ بين المتدينين والعلمانيين، بين اليمين واليسار» (بن اليعازر 2016، 242).

خلاصة
أصبح من المؤكّد أن المجتمع الإسرائيلي مرّ في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، عصر العولمة والعصر الحديث، بتحوّلات وخلافات جديدة لا يمكن بدون فهمها، استيعاب منطق حروب إسرائيل الجديدة. إذ لا يمكن فهم الحرب في أبعادها العسكرية فقط، بل يجب فهم السياق الاجتماعي والثقافي لها. صحيح أن الخلافات بشأن الحرب لم تكن جديدة على هذا المجتمع فقد خاض في السابق حروباً تقليدية برزت حولها خلافات سواء على المستوى السياسي أو المجتمعي، لكن هذه الخلافات كانت تخبو وتتراجع أمام صوت المعركة (بن اليعازر 2016، 579). لقد خاضت إسرائيل ضد الفلسطينيين حرباً بنمط جديد، في سياق قوة غير متكافئة – الـ F16 مقابل الكلاشنكوف – حرباً قاتل فيها الفلسطيني بشراسة ودافع عن حقه بالوجود، ودفع مقابل ذلك ثمناً باهظاً من الشهداء والأسرى والجرحى والمجازر وهدم البيوت. تلك الحرب جاءت استمراراً لسياسة كانت محددة بواسطة ثقافة المجتمع بحسب اعتقاد بن اليعازر، هذه الحرب التي صدرت فيها إسرائيل تناقضاتها وتحولاتها الداخلية باتجاه الفلسطينيين، وتوحّد الكل الإسرائيلي متجنداً لها، عبّر فيها عن وجهه الحقيقي كمجتمع عسكري، بصبغة دينية – قومية، ووصل إلى مرحلة التصفية الجسدية لرئيس حكومته، رجل «البالماخ» وأحد مهندسي ومخططي عملية ترحيل الفلسطينيين التي نفذتها الحركة الصهيونية على أرض فلسطين (بابيه 2007). رابين الذي لم يعطِ شيئاً للفلسطينيين على أرض الواقع غير اعترافه بوجود كيان يمثلهم. قيادة «منظمة التحرير الفلسطينية» ومشروعها السلطة الوطنية كانت تؤمن بشكل حقيقي بالسلام وبوجود فرصة للعيش المشترك وسعت لتحقيق ذلك بالوسائل التي تملك، بالمحصلة دمرت إسرائيل مؤسساتها ومقارها الأمنية وبنيتها التحتية، بحجة أنها المحرك الرئيسي للأحداث، مع أن التحرك في الانتفاضة لم يكن مخططاً له بشكل مسبق من قبلها على الرغم من دورها الفعّال فيه (عبد الجواد 2001، 12).
* صحافي فلسطيني وطالب ماجستير «دراسات إسرائيلية» في جامعة بيرزيت