ستتركّز التحقيقات في لبنان على تفاصيل وتقنيّات تسلّل مجرم الحرب، عامر الفاخوري، إلى لبنان. وسيتم السعي لمعرفة مسؤوليّة الذين (في مخابرات الجيش) أزالوا من تعميم ٣٠٣ أسماء عشرات عملاء - إرهابيّي إسرائيل (مصطلح العمالة وحده لا يكفي في الإشارة إلى ميليشياويّي إسرائيل لأن هؤلاء يُكلّفون بمهام تجسّس وتفجير وقتل واغتصاب). لكن من المستبعد أن يصل التحقيق إلى نتيجة، لأن التحقيقات في لبنان قلّما تصل إلى نتيجة — أو قل إنها دائماً مستمرّة. ماذا حلَّ بالتحقيق في وصمة عار ثكنة مرجعيون — التحقيق الذي رماه أحمد فتفت في حضن نبيه برّي كي يتحصّن بالتوتّر المذهبي لمنع المحاسبة التي كان يجب أن تطاله وتطال غيره؟ ماذا حلَّ بالتحقيق في حادثة بشامون التي هزّت المصالح الحيويّة للإمبراطوريّة الأميركيّة؟

من الاعتصام الذي أقيم أمام المحكمة العسكرية تزامناً مع جلسة استجواب العميل عامر الفاخوري (مروان بو حيدر)

لكن استسهال التلاعب بقوائم المتعاملين الإرهابيّين (لماذا يُستسهَل وصف الإرهابيّين عن كل الإسلاميّين وبات وصف المتعاملين مع إسرائيل بالإرهابيّين غير سار؟) يشير إلى ثقافة غفران التعامل والتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي. الذين حضّروا وساعدوا في عودة المجرم إلى لبنان، عوّلوا على انتشار ثقافة الغفران (والتي لا يبشّر بها أكثر من أعوان إسرائيل السابقين مثل أسعد الشفتري وغيره). لكن الغضبة الشعبيّة التي رافقت عودة الفاخوري — وهي غضبة عفويّة لم تحرّكها أحزاب أو تيّارات سياسيّة بعينها، وحافظ حزب الله على مسافة منها ربّما حرصاً على «التفاهم» — هي التي ضغطت على القضاء وعلى أجهزة الأمن (كما أن القضاء يخضع لتدخلات سياسيّة في الغرب والشرق، فإنه يخضع أيضاً للرأي العام). لكن وقاحة الفاخوري باتت مفهومة. هو راقبَ من بعيد وشاهد نموّ تربة خصبة لنسيان جرائم إسرائيل (تقول صحيفة محليّة عنه في ولاية نيو هامشر إنه كان يحدّث معارفه هناك عن «أصدقاء كثر له في إسرائيل». هذه البيئة الحاضنة للفاخوري وأمثاله في لبنان لها عناصر ساهمت في انتشارها.

البطريركيّة المارونيّة: لقد ساهمت البطريركيّة في تحويل قضيّة عملاء إسرائيل وإرهابيّي جيش لحد إلى قضيّة طائفيّة تجعل من معالجتها مستحيلة، لأن الأطراف السياسيّة الفاعلة في البلد كلّها طائفيّة، ما يدفعها إما إلى التنصّل منها (من قِبل زعماء مسلمين) أو حمل لوائها (من قبل زعماء مسيحيّين). وللبطريرك الحالي — كما السابق — سياسة خارجيّة مستقلّة عن سياسة الدولة، لا بل هو زار فلسطين المحتلّة (وبتنسيق أكيد مع دولة العدو) ولم يجرؤ مسؤول في الدولة على استدعائه للتحقيق والمساءلة. البطريرك الحالي له خطاب منتشر على الإنترنت يرفض فيه صفة الخيانة والعمالة عن... عملاء إسرائيل الذين خانوا وطنهم وقتلوا واغتصبوا بأوامر جيش الاحتلال وحمايته. ولأن لبكركي تاريخاً غير مشرّف في القضيّة الفلسطينيّة (نتذكّر هنا الاتفاقيّة في عام ١٩٤٦ بين الوكالة اليهوديّة والبطريركيّة المارونيّة) فإن تغطية بكركي على موضوع الفارّين المجرمين إلى إسرائيل يطرح تساؤلات وشكوكاً.

حركة ١٤ آذار: لم تنطلق حركة ١٤ آذار من ظروف محليّة لبنانيّة داخليّة محض. تاريخها الحقيقي، بعيداً عن إعلانات إيلي خوري وشعارات سمير قصير ورقصات فارس سعيد، سيسجّل يوماً أن الحركة كانت الفرع اللبناني من حروب بوش في منطقة الشرق الأوسط. هي كانت تعبيراً عن مشروع سعودي - أميركي - إسرائيلي (بصرف النظر عن هويّة قتلة الحريري، وهذا موضوع شغل بعض اللبنانيّين لا كلّهم). وهذا المشروع استهدف قوى معاداة إسرائيل وليس فقط «حزب الله». ولم يكن صدفة أن الاتّهامات التي صدرت عن التحقيق الإسرائيلي - الأميركي ثم عن المحكمة الإسرائيليّة - الأميركيّة استهدفت الأصوات والحركات المعادية لإسرائيل في لبنان (من إميل لحّود وضبّاطه إلى «الحزب السوري القومي الاجتماعي» إلى «الجبهة الشعبيّة -القيادة العامّة» إلى ناصر قنديل الذي قيل إنه كتب نص التقرير الذي أدّى إلى الاغتيال). وتبنّت حركة ١٤ آذار فور انطلاقتها معظم القوى التي كانت في المعسكر الإسرائيلي في سنوات الحرب (أما البعض الآخر من هذه القوى فقد انضوى في صف التيّار العوني، وكان فيه عتاة رموز دمويّة «القوّات»، مثل حنا عتيق و«حرّاس الأرز» وغيرهم). ومشروع الحركة السياسي كان يهدف إلى ما هدف إليه مشروع تنصيب بشير الجميّل رئيساً: أي فرض الأجندة الإسرائيليّة على لبنان. وليس صدفة أن إعادة تسويق بشير الجميّل وإعادة تقديمه إلى اللبنانيّين بزيّ «وطني» (وهو الذي كانت حتى بدلته العسكريّة إسرائيليّة الصنع) لم يتمّ إلا بعد اغتيال الحريري.
وحركة ١٤ آذار أعادت تأهيل «القوّات اللبنانيّة» و«الأحرار» و«التنظيم» و«الكتائب» (في نسقها الحربي الإسرائيلي) وهي كان يمكن أن تعيد تأهيل جيش لبنان الجنوبي لو أنه بقي على قيد الحياة. وجورج عدوان ودوري شمعون كانا مجاهريْن، مثل غيرهم من قادة الانعزاليّين في سنوات الحرب، بتأييد أنطوان لحد (مثلما كانت البطريركيّة التي أرسلت مندوباً عنها كي يمثّل البطريرك في جناز المجرم، عقل هاشم.) وإثر محاولة اغتيال لحد في ١٩٨٨ على يد البطلة سهى بشارة، استنكر دوري شمعون المحاولة واتصل «مطمئنّاً» بلحد. أما نائب رئيس «القوّات اللبنانيّة» الحالي، جورج عدوان (الذي قاد ميليشيا «التنظيم») فقد قال عن لحد إنه «رجل مقاوم ومناضل حمل ويحمل قضيّة الدفاع عن الوجود المسيحي في المنطقة الجنوبيّة كي تبقى حرّة». («الديار»، ١١ أيلول ١٩٨٨).
حركة ١٤ آذار ميّعت مقاومة عدوان إسرائيل وطلعت بمقولة إن الكل قاومَ في لبنان لتبخيس تضحيات المقاومين والشهداء، وأصبحت جرائم حرب القوى الانعزاليّة مقاومة لا تختلف عن مقاومة أبطال لبنان ضد إسرائيل (من يسار وقوميّين إلى «حزب الله» و «أمل»). ومقولة «الجيش والشعب والمقاومة» (التي وافقت عليها ١٤ آذار قبل أن تنبذها في ما بعد بعد أن زادت وتيرة معارضة النظام السعودي لـ «حزب الله») لم تكن تهدف إلّا إلى سحب رصيد المقاومة من حركة المقاومة، كما أنها هي التي تقصّدت المبالغة الفظيعة في دور «جمّول» العسكري — على بطولته وأهميّته — للنيل من دور «حزب الله» الهائل والفريد والمميّز في المقاومة. والشعب لم يكن يوماً في صف المقاومة بل كان منقسماً حولها، كما هو الآن، والجيش كان مقاوماً تحت قيادة إميل لحّود فقط.

النظام السوري ورفيق الحريري: لقد ساهم الحليفان الوثيقان، الحريري والنظام السوري في طمس شرور التحالف مع إسرائيل. ألم يقم النظام السوري، بالرغم من شعاراته، بفتح أقنية تواصل مع بشير الجميّل في عزّ تحالفه مع الاحتلال؟ بل هو — بالاشتراك مع رفيق الحريري وتمويله — أدخل مجرم الحرب، إيلي حبيقة إلى حلبة العمل «الوطني». إيلي حبيقة كان يمثّل ذروة الاختراق الانعزالي لبيروت الغربيّة، ولم يكن بروزه إلا لأنه صنيعة إسرائيليّة. وهو تدرّب وتأسّس على يد الـ«موساد»، وكان جهازه مجرّد فرع ذيلي لـ«الموساد» في قلب لبنان. وبمجرّد أن هُزمَ حبيقة على يد رفاقه، فتح النظام السوري أذرعه له، وساهم رفيق الحريري بالدرجة الأولى في إصدار صك غفران ووطنيّة للرجل الذي ارتبط اسمه بالكثير من الجرائم، خصوصاً مجزرة صبرا وشاتيلا. وإعادة تأهيل حبيقة لم تتطلّب منه الاعتذار أو تقديم جردة بجرائمه وعلاقته مع العدوّ. لم يكتفِ النظام السوري ورفيق الحريري بإدخال حبيقة إلى حلبة صنع القرار اللبناني، بل هم كانوا يعدّونه كمشروع رئيس للجمهوريّة (ولم يعترض حزب الله على التحالف الانتخابي مع حبيقة، لا بل هو سمح بوجوده في حفل استقبال الأسرى المحرّرين). والنظام السوري يتحمّل مسؤوليّة استرخاص واستغلال إطلاق تهم العمالة لإسرائيل مما يزيد من شكوك الناس عندما تكون تهم العمالة أكيدة. لقد استعمل النظام السوري (كما النظام البعثي العراقي) تهمة العمالة لإسرائيل لوصم الخصوم والاقتصاص منهم. فعلها رستم غزالة في لبنان ضد تحسين الخيّاط كما فعلها مع غيره. لكن عندما تعلّق الأمر بمن كان قد تواصل مع إسرائيل فعلاً فإنه كان متساهلاً: كيف اتُّهم توفيق الهندي بالتعامل (وهناك اعترافات له بهذا الصدد مع تفاصيل عن لقاءات)، ولماذا أطلق سراحه من دون توضيح؟ إما أن التهمة كانت صائبة أو هي كانت مركّبة وفي الحالتيْن يبدر عن المخابرات السوريّة الخفّة البعثيّة التقليديّة في التعامل مع هذا الملف.
الموضوع لا يخضع لـ«تفاهم» بين حزبيْن بل هو يجب أن يكون من صلاحيّة القضاء العسكري فقط من دون التأثّر بالتجاذبات السياسيّة والطائفيّة


وتعامل النظام السوري مع إيلي حبيقة كرّس نمطاً خبيثاً في التعاطي مع عملاء وإرهابيّي إسرائيل: أنه مغفورٌ لهم لو أنهم فقط غيّروا في سياستهم الخارجيّة وانضمّوا إلى المحور الذي يقوده النظام السوري. ووفق معادلة الحريري - النظام السوري، فإن أنطوان لحد كان يمكن أن يصبح وزيراً هو الآخر لو أنه والى النظام السوري. إن الانتقال السهل لإيلي حبيقة من خندق إسرائيل إلى خندق متعارض مهّدَ لعودة كثيرين من أحضان جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى المجلس النيابي. وعندما يعطي أمثال أولاد الجميّل وجورج عدوان ونوّاب «القوّات اللبنانيّة» آراءه في الاستراتيجيّة الدفاعيّة البديلة للمقاومة، فإن ذلك يرسم صورة اختراق إسرائيلي خطير.

التفاهم بين الحزب والتيّار: التفاهم بين الحزب والتيّار هو تفاهم سياسي - طائفي. كل طرف احتاج إلى الآخر ولأسباب خاصّة به. لكن البند المتعلّق بـ«اللبنانيّين في إسرائيل» حاول التوفيق بين طرفيْن متعارضيْن. وعنوان هذا البند السادس في التفاهم والنص عن «الموجودين» في إسرائيل يجعل من وجودهم حادثاً عرضياً، أو فعلاً لا إرادياً. إن العملاء الذين هربوا بعد التحرير كانوا عالمين بجرائمهم التي يمكن— ويجب — أن يحاسبوا عليها. وجرّ عائلاتهم معهم يتحمّل مسؤوليّتها المجرمون أنفسهم لا الشعب الذي يُطلب منه اختراق صفوفه بمن عاش لسنوات وعقود في كنف العدو. والعودة هذه تبيح للعدوّ تسريب مخرّبين وإرهابيّين بعد إعدادهم وتدريبهم. إن الموضوع لا يخضع لـ«تفاهم» بين حزبيْن بل هو يجب أن يكون من صلاحيّة القضاء العسكري فقط من دون التأثّر بالتجاذبات السياسيّة والطائفيّة. وإدراج هذا الموضوع في التفاهم مُهين طائفيّاً: إذ أن المقايضة تجعل من العملاء كأنهم من حصّة المسيحيّين، فيما هم كانوا من كل الطوائف اللبنانيّة بصرف النظر عن العدد (وساطع نور الدين في موقع «المدن» القطري، يزعم أن المعترضين على تسلّل الفاخوري هم من الشيعة، وفي هذا إهانة للوطنيّين من طوائف مختلفة). تتحمّل البطريركيّة المارونيّة أخذ موضوع الفارّين إلى حضن العدوّ على محمل طائفي، ما يكبّل يد «حزب الله» في الصرامة في التعامل مع الموضوع بحكم كونه حزباً طائفياً شيعياً (طائفياً في العقيدة وفي التركيبة الديموغرافيّة). والتفاهم ربط الحزب بوعد يتناقض مع ضرورة محاكمة ومحاسبة المجرمين الفارّين ومنع عودتهم.

قياديّو «الحركة الوطنيّة»: يتحمّل مسؤولو «الحركة الوطنيّة اللبنانيّة» مسؤوليّة تاريخيّة عن التنصّل من تاريخهم وشعاراتهم وحتى شهدائهم. هؤلاء الذين انتقل معظمهم من ضفّة إلى ضفّة، بمجرّد أن تتغيّر التطورات السياسيّة. هؤلاء بدلاً من أن يقدّموا سرديّة وطنيّة معادية للانعزاليّة عن سنوات الحرب، صمت بعضهم فيما ساهم البعض الآخر في تقديم الاعتذارات وإبداء الندم عن مرحلة من العمل الوطني. محسن إبراهيم وغيره قدّموا ذخائر إلى السرديّة الانعزاليّة عن الحرب وسمحوا بطغيان أكاذيب تاريخ الحرب من وجهة النظر الكتائبيّة. وسيادة الرواية الانعزاليّة عن الحرب والتسويغات التي يسوقونها بوقاحة عن التعامل والتحالف مع العدوّ هي التي جعلت من جيش أنطوان لحد مجرّد حادثة عابرة كما أنها ساوت بين الصراعات والحروب والتحالفات في زمن الحرب.
وقيادات الحركة الوطنيّة البائدة (كم استحقّت انهيارها الذي هي عملت له، ولا تنفع في إنقاذ سمعتها مقولات أنها كانت في صدد دحر إسرائيل من جنوب لبنان لو أن «حزب الله» والنظام السوري لم يمنعاها، كأنها كانت موجودة بعد) تخلّت عن مواقفها السابقة الصارمة في معاداة إسرائيل. هل مواقف وليد جنبلاط ومحسن إبراهيم وتوفيق سلطان وغيرهم في التقارب مع جبهة المعسكر الانعزالي الإسرائيلي في لبنان ومعاداة الفريق الذي قاد مقاومة لم يسبق لها مثيل من قبل، في لبنان أو في أي دولة عربيّة تساهم في نشر ثقافة معاداة الصهيونيّة؟ ما دلالات هذه التحوّل وما تأثيره على الثقافة السياسيّة التي تقودها هذه الأحزاب؟ أم القول العابر إن «إسرائيل عدوّ» فهذا لا يجدي، خصوصاً أن فارس سعيد وميشال سليمان وسمير جعجع يقولونه.

تراخي العقيدة الوطنيّة للجيش: الجيش اللبناني لم يكن وطنيّاً قبل الطائف: كان انعزاليّاً طائفيّاً فئويّاً ومرتبطاً مباشرة بالعدوّ الإسرائيلي، ونعلم اليوم من وثائق أميركيّة مدى التنسيق الذي جرى بينه وبين العدوّ في ضرب المقاومة الفلسطينيّة قبل الحرب. كان الجيش اللبناني يلعب مباريات كرة قدم وديّة مع جيش العدوّ بعد اتفاق الهدنة مباشرة. ولم يكن الجيش ومخابراته بعيدين عن إشعال الحرب وتفجيرها كلما هدأت. وتنظيم «التنظيم» اليميني الانعزالي الموالي لإسرائيل كان صنيعة مخابرات الجيش في بداية الحرب ولعب دوراً في تسخين جبهات القتال. لكن الجيش تغيّر بعد الطائف، وكان من حسن طالع لبنان أن إميل لحّود تولّى زرع العقيدة الوطنيّة للجيش ونبذ الطائفيّة من صفوفه، وضخ فكر مقاومة إسرائيل فيه. لكن الجيش تغيّر بعد مغادرة لحّود لقصر الرئاسة وتناوب على موقع قيادة الجيش مَن ساوم وقايض على العقيدة الوطنيّة مقابل ما لا يُقال. والجيش تراخى بالتدريج في ضخ فكر المقاومة وفي إعلاء الصوت ضد إسرائيل وخطرها على لبنان. والخطر الإسرائيلي قلّما يرد على لسان قائد الجيش الحالي. لكن الجيش يقع خارج معادلة الصراع ضد إسرائيل، وخارج معادلة الدفاع عن لبنان بأمر أميركي: أميركا تموّل وتجهّز الجيش كفرقة جندرمة مقابل عدم تحوله إلى جيش وطني قادر على الدفاع. والجيش لم يقم بتحقيق شامل عن أسباب انكفائه التام في حرب تمّوز، كما أن الجيش لم يحاسب من تورّط في عورة ثكنة مرجعيون. وماذا حدث لنائب رئيس الأركان في الجيش، غسّان الجد، الذي ثبت تعامله مع العدوّ الإسرائيلي؟ هل تمّت محاسبة من ساهم وساعد في تهريب العميل؟ ثم، هل جرى تحقيق في الجيش لمعرفة آثار ومضاعفات الأفكار الطائفيّة - الفتنويّة التي عبّر عنها وزير الدفاع الأسبق، إلياس المرّ، في «ويكليكس» لاجتثاثها من صفوف المؤسّسة؟ ولماذا ينشغل قائد الجيش بخطر تهريب البطاطا والباذنجان من الحدود الشرقيّة أكثر من اهتمامه بعدوان إسرائيل من الحدود الجنوبيّة؟

«حزب الله»: يفاخر «حزب الله» كما يعترف له خصومه، أن ضربةَ كف واحدة لم تحدث في الجنوب بعد التحرير. الحزب وقع — من دون إرادته — أسير ثقافة مهادنة للصهيونيّة فرضها الفريق الرجعي النافذ في لبنان (عبر البطريركيّة وقرنة شهوان ثم عبر حركة ١٤ آذار فيما بعد). وهذه الثقافة جعلت من كل الأفكار ضرورة حيويّة لحريّة التعبير في لبنان. وهكذا أصبح للبنان ثقافة مهادنة للأعداء لا تعرفها أي من الديموقراطيّات الغربيّة التي يتمثّل بها الساسة في بلادنا. ويستطيع النائب والكاتب في لبنان أن يجاهر بدعوى الصلح مع إسرائيل بوجود احتلال لأراض لبنانيّة. ويستطيع زعيم لبناني أن يصرّح أن أراضي لبنانيّة ليست لبنانيّة إذا كان ساخطاً لفشله في الاستيلاء على حصّة اشتراطيّة له في معمل ترابة. ويستطيع البطريرك الماروني أن يخرق القانون اللبناني لتفقّد الرعيّة المارونيّة في فلسطين — لكن لو كانت الرعيّة المارونيّة في فلسطين تعني الكثير لهذه البطريركيّة فلماذا لم تأخذ يوماً موقفاً قويّاً إزاء جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيّين - المسيحيّين والمسلمين؟
«حزب الله» يستفيد من تركيبته الطائفيّة حيناً (في رصّ الصف والتعبئة في مجتمع طائفي مثل لبنان) لكنه بسبب هذه السمة الطائفيّة له، فإنه محكوم بسقف الحذر والتروّي والقلق في الخطاب خشية استثارة حساسيّات طائفيّة. ولقد كان الحزب، للحق، واعياً لهذا بدليل أن أمينه العام طالب أكثر من مرّة بالبدء بالشيعة من العملاء في العقاب والقصاص. لكن ذلك لم يحدث. وتحوّل الموضوع إلى بند في برامج الأحزاب السياسيّة الطائفيّة، وتلقّفه جبران باسيل الذي لا يفوّت فرصة للمزايدة في الانعزاليّة على منافسيه المسيحيّين. وقبول الحزب بالبند السادس من تفاهمه مع التيّار يمنعه من الصرامة في التعامل مع هذا الملف لأنه لا يريد إحراج حليفه.

المحاسبة الشعبيّة والاقتصاص: لن يُحاسَب عامر الفاخوري على جرائمه. تسوية ما ستنقذه من براثن العقاب وستهرّبه أميركا سالماً إلى مطعمه في ولاية نيو هامشير. لكن هناك تجربة في جنوب لبنان. من المعلوم أن كثيرين تعاملوا مع الاحتلال الإسرائيلي بعد ١٩٨٢. بعضهم كانوا من السنّة وبعضهم من الشيعة، كما من المسيحيّين. وفي منطقة صور مثلاً، كان هناك متعاملون في كل قرية. وكان هؤلاء عندما يختلفون مع جار لهم أو قريب يصيحون في ساحة البلدة (وقد سمعتُ ذلك بأذني في صيف ١٩٨٢) أنهم سيجلبون «جيش الدفاع الإسرائيلي» ضدّهم. كان المجاهرون بالعلاقة مع جيش الاحتلال ذوي حظوة في البلد، ويهابهم الناس ويقصدونهم في مراجعات وطلب خدمات، كما يقصد الناس النوّاب اليوم. لكن مرحلة التعامل الصريح والعلني لم تدم. تحوّل المزاج الشيعي في الجنوب من مهادنة للاحتلال — وحتى الابتهاج به عند كثيرين، وهذا فصل لا يمكن التستّر عليه — إلى معارضة صارمة للاحتلال. وعمليّة تفجير مقرّ الحاكم العسكري في مدينة صور في نوفمبر ١٩٨٢ أذنت لمرحلة جديدة، لأن التفجير كان بمثابة إعلان لولادة حركة مقاومة قويّة وبمفعول جبّار لم يسبقها إليه من قبل فصيل لبناني أو فلسطيني. عندها، تغيّرت لهجة المتعاملين والمخبرين ودبّ الذعر في نفوسهم. لكن لا الخوف ولا الذعر يكفي لردع المتعاملين. جرت في تلك الفترة عمليّات اقتصاص غير معلنة (وغير معروفة) من عشرات المتعاملين ومن دون الإعلان عن المسؤوليّة. ولا تزال تلك العمليّات مُستّراً عليها لما في الحديث عنها من فتح لجروح عائليّة في كل بلدة وقرية. لكن لو لم يتم الاقتصاص من هؤلاء المتعاملين والإرهابيّين لما كانت المقاومة قد نمت وتعاظمت في فترة قصيرة نسبيّاً.
لم يأتِ عامر الفاخوري هكذا عفواً إلى لبنان ومن دون تحضير مسبق. ولم يعلن من مطعمه في نيو هامشير أنه سيتغيّب في إجازة لمدة ثلاثة أسابيع. هذه زيارة سبقتها تحضيرات ورعاية وتعاون من جهات رسميّة. وبيان قيادة الجيش عن صور للفاخوري مع قائد الجيش (وواحدة منها يبدو فيها مستغرقاً في الاستماع له) لا يكفي، ولا يكفي توقيف الضابط الذي رافق العميل والقول إن دوره كان لسبب شخصي وعائلي. هذا الدور يجب أن يخضع لتحقيق ومحاسبة كما عمليّة شطب أسماء العملاء عن تعميم ٣٠٣. إن طريقة تعاطي الدولة مع ملف الفاخوري ستقرّر مصير حصانة لبنان ضد الاختراق الصهيوني، وهي ستقرّر أيضاً مدى وفاء لبنان لتضحيات المقاومة - بكل عناصرها - ولدماء الشهداء.

* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])