يسقط المواطنون بشكل متزايد، بين قتيل وجريح، برصاص عشوائي، من دون أن يحرّك الأمر أجهزة الدولة المكلفة بتطبيق القوانين لحماية الناس من التهديد الأمني الذي يلامسهم في ابتهاج بالأفراح والنجاحات المدرسية، أو حتى حزناً خلال مواكب تشييع الجنائز، علاوة على النزاعات الفردية التي تحصل بين الحين والآخر، ما يولد عند المواطن اعتقاداً مفاده أن مكافحة هذه الظاهرة في غاية الصعوبة، بسبب عدم ارتقاء المعالجات إلى مستوى القانون والقضاء من خلال الادعاء والتحقيق والمحاكمة...

يسأل اللبنانيون، والحال هذه، عن دور القانون في الحد من هذه الآفة، بمعزل عن إمكانات تطبيقه، إذ ثمة اقتناع عند الناس بأن القانون في واد والممارسة في واد آخر، لكنّ مشروعية التساؤلات في هذا الصدد ناجمة عن اليأس من المحاكمات الاجتماعية على وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تغني عن الحق شيئاً على الرغم من أهميتها بصورة عامة، الأمر الذي يستوجب الوقوف عند القواعد القانونية المعنية في مكافحة ظاهرة «الرصاص الطائش»، اذ إن مسؤولية المعالجة تقع على عاتق الجميع، لأن كل مواطن مسؤول في هذا المضمار، برفق واجبات المتصدين للمسؤولية، انتخاباً أو تعييناً، على إيجاد الوسائل التي تحول دون استمرار هذه الظاهرة بشكل متواصل، وهذا يرتبط أشد الارتباط بمستويين:
-المستوى الاجتماعي ــــــ التربوي: أي العمل على رفض المجتمع ظاهرة «الرصاص المتفلّت» وعدم انتهاج منهج المتفرّج، في الأفراح والأتراح وغيرهما من المناسبات التي تعتبر مادة حيوية لإسقاط الغرائز عليها، وممارسة وسائط التنشئة الاجتماعية دورها ولو في منحى تدريجي، عبر التربية المنزلية أو الأسرية، انطلاقا من قاعدة «فليحاسب كل مواطن نفسه»، وكذلك لناحية التربية المدرسية بتأطير الطفل في منظومة مفهومية تنبذ الفعل المشكو منه، وترى فاعلها عضواً خطيراً في المجتمع يستوجب ردعه ومعاقبته، لكن ثمة مسؤوليات ملقاة على عاتق وزارة التربية في إدراج حصة أسبوعية بشأن «التوعية المدرسية من مخاطر الرصاص المتفلّت» في متن المنهاج، بمؤازرة البلديات والمؤسسات الاجتماعية والأمنية والجمعيات.

تعطيل الرادع القانوني في مكان لا يلغي الرادع الأخلاقي والاجتماعي


- المستوى القانوني: أي العمل على تطبيق النصوص الرادعة لفعل جرمي كهذا، وهنا يجب التمييز بين الفاعل والشاهد على الفعل، وفق السياق الآتي:
- فاعل الجريمة: يجب ملاحقته على فعلته الممنوعة والتي يعاقب عليها، لكونها تشكل جرماً في قانون العقوبات، خصوصاً إذا كان السلاح غير مرخّص، ولو لم يتسبب الفاعل في قتل أو إيذاء أحد، لأنه وفق المادة 75 من قانون العقوبات، يعتبر هذا الفعل بحدّ ذاته جنحة يعاقب عليها بين 3 أشهر وثلاث سنوات. أما عندما يُجرَح أو يقتَل أحدٌ بهذا الرصاص الطائش، يمكن الادعاء على مطلق النار بجرم القتل قصداً، انطلاقاً من أن إطلاق الرصاص رغم احتمال إصابة الآخرين به، يسمى جرماً محتملاً. وفي هذا السياق تنص المادة 189 من قانون العقوبات المتعلق بالجريمة ونيّتها على الآتي: «تعدّ الجريمة مقصودة وإن تجاوزت النتيجة الجرمية الناشئة عن الفعل أو عدم الفعل قصد الفاعل، إذا كان قد ‏توقع حصولها فقبل بالمخاطرة». وفي شرح قانوني لهذه المادة، فعندما يقدم مطلق الرصاص في الهواء على إطلاق رصاصه، يجب أن يكون قد توقع أن هذا الرصاص قد يصيب أحداً ما بالصدفة، ومع ذلك عندما أطلقه فقد قبل بالمخاطرة تحقيقاً لنزوة شخصية ورغبة خاصة ولم يبالِ بحياة الآخرين، ويكون في الحقيقة ارتكب جرم المادة 547 من قانون العقوبات التي تنص على أنه: «من قتل إنساناً قصداً عوقب بالأشغال الشاقة من خمس عشرة سنة إلى عشرين ‏سنة».
-الشاهد على الجريمة: إن القانون يحاسب كل شخص شاهد اعتداء على السلامة ولم يبلّغ عنه، والعقوبة غرامة حدها الأدنى 200 ألف ليرة والأقصى مليونا ليرة، إذ عملاً بالمادة 128 من قانون أصول المحاكمات الجزائية: «على كل شخص شاهد اعتداءً على الأمن العام أو على سلامة الإنسان أو حياته أو ملكه أن يخبر ‏بذلك النائب العام الاستئنافي أو أحد مساعديه الذي يتبع له محل وقوع الجريمة أو محل إلقاء القبض ‏على مرتكبها أو محل إقامته. وإن امتنع من دون عذر مشروع عن الإخبار، فيلاحق أمام القاضي المنفرد ‏الجزائي الذي يتبع له محل وقوع الجريمة ويعاقب بغرامة حدّها الأدنى مايتا ألف ليرة والأقصى مليونا ‏ليرة».‏
يستفاد من هذه المادة أن القانون وضع حدّاً لهذه الآفة المرضية، فبدلاً من الاستنكار يجب المطالبة بتطبيق هذه المادة القانونية، اليوم قبل الغد، وذلك من باب إلقاء الحجة والمسؤولية على أجهزة الدولة الغائبة عن كل شيء، إلا في ما يطال مورد رزق المواطن، بقمع مخالفة البناء هنا أو بضريبة عشوائية هناك.
إذاً، في ظل تقاعس الاجهزة الأمنية في إنهاء هذه الظاهرة، يجب أن يبدأ كل مواطن، من نفسه وأسرته وبيئته، بالاحتكام الى القواعد القانونية، السالف ذكرها، وفي المطالبة المنظمة والمستمرة للدولة وأجهزتها ومؤسساتها بوجوب تطبيق هذه القواعد، استناداً الى نظرية «حماية المجتمع من مسؤولية كل مكوّناته»، باعتبار أن تعطيل الرادع القانوني في مكان لا يلغي الرادع الاخلاقي والاجتماعي في مكان آخر، إيماناً بأن عدم تطبيق القوانين من قبل الناطقين باسمها لا يبرر حجبها من قبل المواطنين، لأن القاعدة القانونية، قبل كل شيء، تلبية لحاجة اجتماعية، وذلك من باب طمس ثقافة «إلقاء اللوم على الآخرين»، وعدم الاستسلام لواقع صنعته السلطة المتمادية على كل شيء الا في حماية المواطن.
في سياق متصل، تقدم نواب من كتل نيابية مختلفة، باقتراحات قوانين، للغرض نفسه، لكنها، وإن كانت عالقة في أدراج اللجان منذ زمن بعيد، لا تتضمن أحكاماً مناسبة أو كافية لمعاقبة هذه الجرائم بعقوبات قاسية ورادعة. لذلك يجب التشدد في «تجريم إطلاق العيارات النارية في الهواء، ولا سيما لجهة جعل عقوبتي الحبس والغرامة متوجبين معاً، ورفع قيمة الغرامة المتدنية جداً حالياً، وتشديد العقوبات على نحو متدرج وفق خطورة الأضرار الناتجة عن الأفعال الجرمية، بدءاً من التعطيل الموقت حتى الموت، وذلك أسوة بالأحكام المنصوص عليها في المواد 556 وما يليها من قانون العقوبات المتعلقة بالإيذاء».
* باحث في القانون العام