في صبيحة يوم السابع عشر من أيلول أطلق جزار عمَّان حاكم الأردن بالنيابة عن العدو الصهيوني الحسين بن طلال المغفورة له ذنوبه [أو ابن زين كما كان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يسميه - قبل نكبة العرب الثانية في فلسطين، أي هزيمة عام 1967] قطعان البادية المدججة بالأسلحة الثقيلة والطيران على مواقع العمل الفدائي، كما كان يسمى، بهدف إنهاء الوجود الفلسطيني الوطني/القومي المسلح في الأردن. قصف المدينة بالمدفعية الثقيلة سبق الهجوم على محاور عدة لكن الأشد عنفاً كان على جبل الحسين انطلاقاً من الدوار الثالث حيث وقعت سفارة بريطانيا، عبر طريق يؤدي إلى دوار مكسيم [اسم خمارة كانت تقع فيه] أو دوار الشهيد فراس العجلوني وهو اسمه الرسمي، نحو الشارع الرئيس في جبل الحسين المؤدي الذي وقع حوله مقر الإعلام المركزي لحركة فتح [حيث كنتُ متفرغاً] وبالقرب منه مقر الإدارة العسكرية وكان رئيسها وقتها أبو ماهر غنيم، ومقر قوات الصاعقة حيث كانت القيادات الفلسطينية تجتمع ومشفى الهلال الأحمر الفلسطيني. بقيتُ معظم الأيام الأولى مع أبي عمار وكان معه نايف حواتمة وقادة آخرون، أتعاون مع حراساته في محاولة العثور على بيت بملجأ في المنطقة حيث كان قصف قطعان البادية الحسينية يطال كل منطقة من دون تمييز. تنصُّتنا على مكالمات قطعان البادية اللاسلكية بيّنت أمراً من جزار عمان بأسر ياسر عرفات حياً وجورج حبش ميتاً. لكنني تركت القائد العام، كما كان يسمى وعدت إلى موقعي في المنطقة التي كانت تسمى الحَمَار، بعدما انتقل مع حراساته إلى جبل اللوبيدة حيث وقعت سفارة مصر؛ بعدها انتقلت مع بقية المقاتلين إلى مخيم الحسين بعدما أمرنا الشهيد ماجد أبو شرار بذلك وبقيت فترة مع الأخ صلاح التعمري حتى وقعت في أسر قطعان البادية. وصاحبَ القصف المدفعي المركز قيام قناصة قطعان البادية بضرب خزانات المياه الموضوعة على أسطح البيوت بهدف تعطيش السكان وإجبارهم على الاستسلام.

محاولات قطعان البادية اقتحام العديدة باءت بالفشل وتمكّن المقاتلون من تدمير عدة آليات مجنزرة لقطعان البادية التي تمكنت في نهاية المطاف من اقتحام المنطقة الوصول إلى قرب مخيم الحسين قبل اقتحامه. لكن شمالي الأردن كان بقبضة الفدائيين ومن ضمن ذلك مدينة إربد. تفاصيل المعارك معروفة وكُتب عنها بعد انتهاء المعارك. لكن ثمة حاجة إلى التذكير بليلة القصف الجنوني والقصف الجوي الذي تعرضت له عمّان في حوالى اليوم الخامس من مجازر أيلول الأسود كما كانت تعرف، ما أدى إلى هتاف جماعي لسكان المدينة «الله أكبر» استمر طويلاً واهتزت له جوانب المدينة وأبنيتها ما اضطر قطعان البادية إلى وقف إطلاق النار، لكن لفترة قصيرة.
ما يهمني التنويه إليه في هذا المجال نتائج تلك الحرب الضروس في عمان (17/9 - 27/9) التي انتهت مؤقتاً في مؤتمر القاهرة الذي دعا إليه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر باتفاقية وقف إطلاق النار سُمّيت اتفاقية النقاط العشر؛ المعارك استمرت في الأردن حتى يوم 17 تموز 1917 حيث تم القضاء على العمل الفدائي هناك. ما يهمنا هنا هذه الاتفاقية التي نصّت على خروج الفدائيين من عمان والانتقال إلى معسكرات في جبال جرش وعجلون ووضع أسلحة الميليشيا في عمان (كان عدد أفرادها يقارب المئة ألف، وكانت برئاسة الراحل أبو داود) في مخازن أسلحة معروفة لنظام عمان. للعلم، كنتُ متفرغاً في مقر «الإعلام الموحد» الذي تشكل بعد مجازر أيلول عندما جاءت مكالمة هاتفية من الكويت وكان على الطرف الآخر الراحل ياسر عرفات وبدأ، كالعادة، بالصراخ قائلاً إنه ضدّ تسليم سلاح الميليشيا. أخ عزيز ما زال على قيد الحياة هو من تسلّم المكالمة لكن أترك له حق الإفصاح عن اسمه، وأبلغ الشهيد كمال العدوان باتصال القائد العام، الذي بادر بالاستفهام: شو بدو الشـ **** قال له: قال إنه ضد تسليم سلاح الميليشيا، فبادر بالرد: هذا الــ **** جاي يعمل رِجَّال علينا قدام تنظيم الكويت. ما يجي يشرف لعمان ويمنع التسليم بنفسه.
واضح أن قرار الاستسلام والتخلي العلني عن هدف تحرير فلسطين اتخذته لجنة فتح المركزية مجتمعة. لكن هنا عليّ الإشارة إلى أمر حدث معي عندما كنتُ في درعا حيث حضرنا اجتماعاً مع أبي اللطف (فاروق القدومي) بعدما أطلق الملك الحسين سراحه بموجب قرارات مؤتمر القمة في القاهرة، أستعدّ للعودة إلى عمان رفقة مجموعة الرقابة العسكرية العربية. شهيد فلسطين الأكبر أبو جهاد (خليل الوزير) أبلغني بأن رجال المقاومة قد ملؤوا سيارات لجنة الرقابة العربية؛ كانت تسمى العلم الأخضر (قال: من دون علمهم)، صناديق أسلحة رشاشة وذخيرة وقنابل يدوية وأمرني بتسليمها إلى قائد محدد في جبل الأشرفية، وهذا ما فعلتُ وقتها؛ بالمناسبة، في ظني أن الشهيدين أبو جهاد وأبو إياد (صلاح خلف) كانا في تلك القافلة وترجلا منها في مخيم البقعة حيث توقفنا هناك فترة من الوقت. في ظني أن حرص الشهيد خليل الوزير على إرسال أسلحة للمقاتلين في عمان يعني أنه كان ضد تسليم أسلحة الميليشيا.
وبالمناسبة أيضاً، أسلحة العمل الفدائي كانت محدودة للغاية وكان سلاح المضاد للدروع (آر بي جيه 7) نادراً، وبعض مدافع الهاون 60، لا أكثر. السلاح (آر بي جيه 2) كان غير مؤثر في دروع دبابات قطعان البادية من طرازي باتون وسنتوريون.
وضع الحركة الوطنية الفلسطينية بعد وقف إطلاق النار لم يكن سيئاً حيث تمكّنت من صدّ قطعان البادية في معظم المحاور حيث لم تتمكّن من عمل أيّ اختراق جدي في عمان، ولذلك فمن غير المفهوم سبب موافقة قيادة فتح على تلك الشروط التي فرضها علينا جمال عبد الناصر إلّا ضمن فهم سياسة الأخير تجاه القضية الفلسطينية بعد ما أسماه النكسة وموافقته على قرار 242 الذي دعا إلى حلّ سلمي وعادل لقضية اللاجئين وحق كافة دول المنطقة في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها. وهذا بالتالي يفرض العودة إلى أحداث الساحة الفلسطينية في عام 1967 عندما أطلقت القاهرة حملة الإطاحة برئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري الذي انسحب من قمة الخرطوم وأعلن أن العرب باعوا فلسطين. جيء وقتها بيحيى حمودة رئيساً بدلاً منه الذي لم يتأخر في الإعلان، عبر صحيفة النهار البيروتية عن استعداد المنظمة للسير في حل سياسي للقضية الفلسطينية [كذا!]. بعدها جاءت القاهرة بياسر عرفات رئيساً للمنظمة الذي فرض عام 1974 البرنامج التسووي في المجلس الوطني المسمّى البرنامج المرحلي أو برنامج السلطة الوطنية [المقاتلة والنفاثة كمان!]، أو برنامج دولة على مجاري إريحا، أو حتى دولة على ظهر حمار.
في ظني أنه تمت مقايضة خطيرة عام 1970 في خلال مؤتمر القمة في القاهرة تقضي بانسحاب العمل الفدائي من الأردن والانتقال إلى لبنان مقابل دعم مالي لا محدود من بترودولارات السعودية الفاسدة والمفسدة [أموال الدعم السعودي وغيره كانت ترسل باسم ياسر عرفات شخصياً، وهو الذي يقرر كيفية صرفها؛ في مؤتمر فتح الرابع الذي عقد في سورية]، [طالب المؤتمر ياسر عرفات بتقديم تقرير عن مدخول الحركة المالي فرفض قطعياً وقال أقدم لكم تقريراً بتحويلات الـ 6% التي كانت بعض الدول العربية تقتطعها من معاشات الفلسطينيين وتحولها لمنظمة التحرير. عرفات قال وقتها: الفلوس دي أنا أجيبها!]. تحول العمل الفدائي، على علاته، الذي كان يبشر بثورة حقيقية تطيح بنظام عمان المتصهين إلى ميليشيا في لبنان يشرح في ظني جوهر المساومة الرخيصة التي تمت في مؤتمر القمة في القاهرة والذي شكل بداية انحدار العمل الوطني الفلسطيني والذي أوصلنا إلى ما نحن فيه من سوء الحال.
هذا سرد مختصر لأحداث عايشتها، لذا أكرر هنا دعوتي إلى من تبقى من الأخوة المناضلين على قيد الحياة والذين لم يتلطخوا بأموال الفساد والإفساد كتابة تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية كما عايشوه هم، قبل رحيل جيل كامل ومعه حقائق تلك المرحلة.