التفتيت، واختراع الهويات، هدف ثابت في أجندة الأعداء المتربّصين بالأمّة. فهم، منذ بدء تسلّلهم السابق على الانهيار العثماني، يضعون الخطط ويحيكون الدسائس. بالأمس، خطّط «الانتداب» (الاستعمار) الفرنسي وعمل جاهداً لمحاولة تقسيم سوريا وتفتيتها إلى دويلات: واحدة درزية وأخرى علوية وثالثة سنيّة... واليوم، بعد النجاح (المؤقت) في سرقة فلسطين وسلخ لبنان، ومن ثمّ تسميم نظامه السياسي بالقوانين الطائفية التي أسّست وتؤسّس للحروب الأهلية الساخنة والباردة، تستمر المحاولات الغربية الهادفة إلى تمزيق المنطقة، وصولاً إلى السيطرة على إنسانها ومعه كامل الثروة والمقدّرات. وهذا، في المنظور المعادي، لا يتم إلا بتعميق حال التفتت وإيصاله إلى الذروة الغربية المنشودة، بما يتيح لها تأبيد هيمنتها المستمرة بعد النجاح في ضرب السلطنة العثمانية وتفكيكها.

جميعنا يذكر عبارة «لبنان أولاً»، وهي واحدة من العبارات التي عمّت بعض دول الإقليم غداة التمهيد أو الشروع العملياتي في مشروع «الشرق الأوسط الجديد». يومها، تحوّلت العبارة على ألسن بعض العملاء الباحثين عن الأدوار، وتعميم الارتزاق، إلى ما يشبه التعويذة الحامية لهم، بل وإلى دواء شافٍ من كل «الأمراض» الناجمة، حصراً، عن إرادة المقاومة وإصرارها على المواجهة. فحوّلوها إلى برامج عمل، وصرفوا لها الميزانيات، وأنشأوا لها الإدارات، واختاروا لها أصحاب الأهلية من ذوي العاهات الأخلاقية الوطنية والقومية، وأقاموا لها الهياكل التي شملت كل الميادين المتاحة.
و«التعويذة» التي سادت وعبرت الحدود، بلغت العراق وسوريا... كانت بفعل فاعل، أميركي وإسرائيلي، معروف. وكانت تستند إلى قوة عسكرية غاشمة أنهت للتوّ غزو العراق، وتستعدّ للقفز على سوريا ولبنان. أما مردّدوها، فكانوا خليطاً من العملاء والبلهاء والمهزومين من الذين أخذوا، ويأخذون، على عاتقهم مهمة التسويق للسياسات والأجندات الغربية الساعية، ليل نهار، إلى القبض على المنطقة ومصيرها. ولضمان النجاح التام، ولحاجة المشروع إلى أسماء «عَلَم» محلية تدلّ عليه، كان أن استنبت أمثال سلام فياض في فلسطين وفؤاد السنيورة في لبنان وإياد علاوي في العراق...
وافترض هذا الجمع المستنبت - عن وهم سرعان ما ثبت بطلانه - أنه سيكون لسحر العبارة، المعطوف على الإسناد الغربي العسكري والسياسي المفتوحين، دور عاطفيّ يسهّل تجاوز العقبات وكسر المحرّمات، خصوصاً أن واضعيه راعوا تضمينه ما يخاطب وطنيات مفتعلة أو مأزومة. لكن الواقع أن الرّياح لم تغيّر عادتها معهم ومع أمثالهم من خدم الغرب ومطاوعيه، فكان أن عاكست سفنهم. فالاختبار الجدّي الأول، أظهر أن إرادة الناس ومعهم المقاومة كانت أعلى وأقوى بكثير من كل الحسابات التي افترضوا كمالها. إذ إن المقاومة، وكانت، كالعادة، على رأس الاستهداف، متكئة على صدقيتها وصلابة إرادتها ووضوح رؤيتها واستعدادها للتضحية، فضلاً عمّا في رصيدها من كمّ ونوع الانتصارات المتراكمة في لبنان وفلسطين تمكنت من إماطة اللثام، سريعاً، عن حقيقة هذه العبارة وتفاهتها. وأظهرت مدى اتصالها العضوي بمشروع «الشرق الأوسط الجديد» الذي كان قد بدأ يغزو الأدبيات السياسية بوصفه مشروعاً أميركياً صافياً، في حين أن التقاطعات والتشابهات مع مشروع شيمون بيريز أكدت حقيقته بوصفه مشروعاً أميركياً - إسرائيلياً مشتركاً.

أهميّة المقاومة وضرورتها سبيلاً وحيداً وأوحد للمواجهة مع لصوص العصور وقتلتها


المشروع الذي انطلق بزخم قوي، واستند إلى التحوّلات التي أنتجها الغزو الأميركي للعراق، والتهديدات المرفوعة بوجه سوريا ومعها لبنان، تابع الهجوم فكانت نقلته الثانية الأخطر. إذ قضت تلك النقلة بالإيعاز إلى إسرائيل، بالأصالة عن نفسها، وبالنيابة عن الغرب وكامل معسكره، شنّ الحرب الحاسمة التي تأخرت. فكان الاحتشاد العربي والدولي الكبير صيف عام 2006، الذي اجتمع ساعياً إلى النيل من المقاومة اللبنانية و«سحقها». لكن الآمال العراض التي ألهمت المخطّطين وساورت المنفّذين المحليين والإقليميين سرعان ما تبددت بنتيجة انتصار تأسيسي... وهو الانتصار الذي وجّه الضربة القاصمة إلى كامل المشروع، وفرض على أصحابه ودعاته التسليم بالهزيمة والتراجع. والأهم أن النتائج لم تقتصر على سحق المشروع ووأده، بل شملت ما يعادل ذلك في الأهمية، حيث إنه أعاد الاعتبار، مرة جديدة وإلى الأبد، إلى أهميّة المقاومة وضرورتها سبيلاً وحيداً وأوحد للمواجهة مع لصوص العصور وقتلتها، ما انعكس على مقاومي فلسطين الذين زادوا من وتيرة مقاومتهم. وهو، أيضاً، ما عاد وتكرّس في المواجهات الموضعية العديدة التي تلت الحرب.
يومها تأكد لكل من فاته التحليل النبيه أن العبارة ـ المفتاح، على بلاهتها المؤكّدة، كانت العنوان السياسي لبرنامج عسكري وسياسي وإعلامي متكامل هدف إلى كسر المنطقة وفتحها أمام الغزاة المنتشين بما كان تحقّق لهم في العراق. وخلف بلاهتها كانت تكمن حقيقة الهدف الذي صيغت من أجله، والذي شمل إلى التضليل البحت، الترويج لوعي زائف يقود إلى واقع يفرض على قوى المقاومة حالاً من الشرذمة والتبعثر، وتزيين الخلاص الفردي لكل الفاعلين من دول وقوى وحركات مقاومة تواظب على فعل العصيان أو المقاومة للخطط والمشاريع الرامية إلى مصادرة إرادتها ومخالفة تطلعاتها.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يتأكد بالملموس ضرورة السعي إلى تعظيم المشتركات الوطنية والقومية والبناء عليها. والتشديد على ترابط الجبهات ومعها المصائر. فالعدو لا يفرّق بين ساحة وأخرى. والاعتداءات التي طاولت مواقع في العراق وسوريا ولبنان تشي بدقة هذه الحقيقة.
إن وحدة المعركة وأهدافها هي الخلاصة التي جدّد الأمين العام لـ»حزب الله» السيّد حسن نصرالله، بالأمس، الإشارة إليها. ففي عبارته أن لا حياد في المعركة التي تستهدف أيّاً من قوى المحور المقاوم يكمن المعنى العميق والرؤيوي لطبيعة المواجهة ولمآلاتها، وفيه ما يؤشّر على حجم الفهم الاستراتيجي الذي تملكه هذه المقاومة. إنه الكلام الفاصل الذي يؤكد واقع ترابط ساحات المعركة وحقيقته، واتصالها الوثيق، وكل تقليل من هذه الحقيقة ينطوي على شبهة تزوير الواقع وتضليل الوعي وتزييفه.
وبهذا الفهم العميق وحده، يمكن الارتقاء بالمواجهة الجارية وتحويلها من تهديد جدّي يستهدف حاضر المنطقة ومستقبلها إلى فرصة لإعادة صوغ المفاهيم وترميم الوعي الذي أصابه الكثير من التشويه. وبغير ذلك، لا مكان لنا تحت الشمس.