مضحكة مبكية كانت الكثرة من ردود الفعل، والتفاسير، والتعليقات على عملية «أفيميم»، التي سبقها كلام للسيد حسن نصر الله أوضح فيها حيثيات العملية، ومعانيها، وخلفياتها، وهي تتلخص بنقطتين أساسيتين: الدخول في مرحلة جديدة، وتغيير قواعد الاشتباك. تناول كثيرون العملية ونتائجها بخفّة، فهي بنظرهم لم تحقق الكثير، واقتصرت على تدمير آليات فارغة، ولم يسقط فيها عشرات القتلى والجرحى من الجنود الإسرائيليين، كما كانوا يفترضون ويرغبون، دون أن يعدهم أحد بذلك. وما يزيد الطين بلة، أن الصهاينة عمدوا، لأسباب خاصة بهم تبرر هروبهم عن الحدود، إلى تمثيل إخلاء إصابات، ففسرها بعض الجهابذة «النكتجيون» اللبنانيون بأنها «تناغم بين المقاومة والصهاينة» في إسفاف غير مسبوق في تناول الأحداث. وثمة من ذهبت مخيلته إلى «تنسيق روسي - فرنسي» لكي تأتي العملية بحدود لا تضرّ الوضع العام، على سبيل المثال.

في المرحلة الشديدة الاضطراب عالمياً، والمتصاعدة التوتر، وليست خافية على أحد، يأتي الصراع في أكثر النقاط حساسية في العالم، فلسطين. «لعبة أطفال» بنظر هؤلاء، وكأن السيد، الصادق، الجاد، الذي لم يطلق وعداً إلا نفذه، وهو الذي بات مرجعاً لأعداء الأمة الصهاينة لكي يعرفوا ويتأكدوا ماذا يجري حولهم، أو ماذا جرى... ولم يجدوا غير السيد من يمكن أن «يتلاعب بقضايا الأمة الحساسة»، فـ«يتناغم مع ألد أعدائه، ولا يضربهم إلا بما لا يزعج خاطرهم».
بلغت السياسة على مستوى العامة، وبعض المثقفين، ووسائل إعلامهم، حالة من التردي والانهيار، ترجمة للتردي والانهيار على المستويات كافة، وعلى المستوى العالمي. ربما أمكن تبرير مواقف هؤلاء و«نكاتهم» من باب الشفقة ليس إلا. غير أن الوقائع العالمية، وانعكاسها الإقليمي والمحلي في أي ساحة، تبدو واضحة جداً في معالمها العريضة.
بعد اضطرارهم إلى الانسحاب من العراق، وإضعاف وجودهم في الشرق، دخل الأميركيون مرحلة أدركوا فيها تعذّر تدخلهم العسكري المباشر في ساحات العالم، ووضعوا تصورات تدخّل أخرى لتغيير الوقائع وفق مصالحهم، فحلّت التحركات «الربيعية» لتقدم لهم مناخات وأشكالاً دسمة للتدخل غير المباشر، ومع ذلك، لم تكن المتغيرات مؤثرة بقدر التدخلات العسكرية المباشرة، وأيضاً، بسبب عدم القدرة على الحفاظ على نتائجها، وكان الرهان الأكبر على سقوط الساحة السورية لكي تنقلب موازين القوى للمصلحة الأميركية بقوة.
في المعركة السورية، تغيرت المعادلات، وانقلبت الموازين، صمد الجيش السوري، ثم تدخل الحلفاء الإيرانيون والروس، واتخذت المعركة أبعاداً جديدة، وفرضت الساحة السورية معادلات إقليمية وعالمية جديدة، وبدأ يتظهر ميزان قوى جديد، وشكل غير مسبوق للعالم، فانتهت مرحلة القطب الأميركي الواحد، ودخل العالم في مرحلة تعدد الأقطاب، وهو في جميع الأحوال، يتكثف في قطبين: الأميركي وحلفاؤه، والشرقي وحلفاؤه.
عدة معارك سجلت تراجعاً للمحور الأميركي، ولا سيما المعركة السورية، والعراقية، واليمنية، والمعركة الأميركية اللاتينية، خصوصاً في فنزويلا، بينما بدأ المحور الشرقي بالتصاعد، والحضور العسكري بقوة في الشرق بتحالف روسي - إيراني - سوري - مقاومة إسلامية، وبتصاعد اقتصادي عماد حركته الصين التي باتت الشغل الشاغل المهدّد للاقتصاد الأميركي.

مرحلة جديدة بدأت ترسمها المجابهة مع واشنطن وآليتها تغيير قواعد الاشتباك


تصاعد الحضور الشرقي، وبدأ الحضور الأميركي بالانكفاء، أو هكذا بدا في فترة احتدام الصراع السوري، وقزمت الردود العسكرية الروسية والإيرانية والسورية والمقاومة الحضور العسكري الأميركي، ولم يعد له إلا البحث عن حجج للتدخل الخجول بتغطية مشروعية دولية في بعض المواقع، خصوصاً في سوريا والعراق تحت شعار محاربة «الإرهاب».
لم يعد الأميركي يتحمل المزيد من الخسائر والتراجعات، وهو لا يستطيع التدخل العسكري، فلم يجد أمامه إلا عرقلة الآخرين، فلجأ إلى عدة خطوات تدخل غير مباشرة لإضعاف الطرف الآخر المواجه له، مستخدماً ما بقي له من أسلحة: الأول، استخدام الحلفاء، كما في فلسطين ومحيطها، وتحريك شارع هونغ كونغ ضد المصالح الصينية، وكولومبيا ضد فنزويلا، ومواقع أخرى في العالم. والسلاح الثاني، وهو الأهم، الاقتصاد والدولار، ويعتقد أنه آخر الأسلحة بيد الأميركيين، لجأوا إليه لرفع الضرائب على البضائع الصينية في الولايات المتحدة الأميركية، ما سبب خسارة كبيرة للصين، وكذلك أزمة «هواوي»... وتلك خطوات مزعجة لدولة عظيمة كالصين، تتضرر، لكنها لا تنوء تحت عملية كهذه. وأقام الأميركيون الحصارات على عدد من دول العالم المناوئ لها، وعلى شخصياته، معتمدين أساساً على لعبة الدولار، وضرب المرافق الحيوية للدول، ومنها على الأخص البنوك، ما سبّب إرباكاً للعديد من دول العالم، كإيران وروسيا وسوريا وكوبا وفنزويلا وسواها من الدول.
من ضمن خطط العرقلة والإرباك، تراجع الولايات المتحدة الأميركية عن الاتفاق النووي مع إيران، كما تراجعها عن الاتفاقات السابقة مع الصين على المستوى الاقتصادي، والضغط على تركيا للانسحاب من التوافقات مع إيران وروسيا، وزج «صفقة القرن» في ساحة الجدال والصراع السياسي، وتصعيد الحرب اليمنية، وما إلى ذلك من تكتيكات مربكة.
أمام كل هذه الإرباكات، لا بد للدول المتضررة من الإجراءات الأميركية من البحث عن بدائل، وتعويض الخسارة، وهذه الدول كانت قد حضرت بعض البدائل مثل خط الحرير الصيني، والسيل الجنوبي الروسي (نحو أوروبا)، والتوجه نحو الشرق الأوسط سعياً لتوسيع حركة التبادل التجاري، وإيجاد أسواق استهلاكية للبضائع المختلفة، ومنها النفط. لكن الأميركي ما انفك يعرقل، ويمنع ما استطاع، توسيع الدول الصاعدة لأسواقها، وفتح مجالات عمل لها، بينما هو عاجز عن ذلك.
تضيق دول العالم المعارض للولايات المتحدة ذرعاً بإجراءات الولايات المتحدة الأميركية، وهي لا تنقصها القدرة على الرد والمواجهة، وتأتي قصة «المسيَّرات»، وخصوصاً عملية الضاحية، لتوضح أنه «بلغ السيل الزبى»، ولم يعد الأمر قابلاً للتحمل، والتسويف، وتأتي عملية «جمّال تراست بنك» لتجعل الموقف غير قابل للمزيد من الانتظار، والتحمل، فأية خطوة مماثلة، يصبح فيها لبنان أرضاً.
جاء ردّ «المقاومة الإسلامية» على عملية المسيَّرات الشديدة الخطورة، منبئة أنه لم يعد مسموحاً للأميركي، وعملائه الصهاينة، الغلوّ في ما بدأوه، فأعلن السيد نصرالله، نهاية مرحلة، ودخول مرحلة جديدة، هي عنوان الصراع المستجد مع الأميركي وحلفه، في ضوء الضغوطات الأميركية المختلفة، وآلية عمل المرحلة الجديدة غير منضبطة بحدود. فعنوان «تغيير قواعد الاشتباك» يعني أن الرد لم يعد مضبوطاً بالاتفاقات السابقة، وخصوصاً في لبنان وفلسطين، فجاءت عملية المقاومة الإسلامية، التي لم ترضِ كثيرين، لتضرب في النقطة الحساسة التي حددها السيد، وهي تجاوز الخط الأزرق، وحارسه اليونيفيل، وكذلك تجاوز القرار ١٧٠١، وانتهاء مفاعيله التي استمرت بين ٢٠٠٦، و٢٠١٩. هذه المفاعيل لا يحددها حجم الخسائر، من ضربة أولية، بل مجرد حصول العملية يعطي للمواجهة التي جرت معانيها الكبيرة، بدخول مرحلة مجابهة جديدة، وتغيير قواعد الاشتباك.
تفجر عدة نقاط في العالم بالتدخلات الأميركية غير المباشرة عبر الحلفاء، واستخدام ورقة الاقتصاد والدولار، وضعا العالم أمام مواجهة من نوع جديد. وجاءت عملية المقاومة من ضمن هذه المواجهة، محطة أولى، والخطوات التالية قادمة في مرحلة جديدة بدأت ترسمها المجابهة مع واشنطن، وآليتها تغيير قواعد الاشتباك باعتماد الأساليب المختلفة، منها قصف مستعمرات العدو في فلسطين، وضرب الجيش الصهيوني، وإسقاط المسيرات دون خوف ولا خجل ولا رادع.
لقد باتت القوى المجابهة للحلف الأميركي من القوة ما يكفي لتصعيد الموقف، وحدّة الصراع، بعد الخبرات العسكرية التي اكتسبها في خضمّ صراع السنوات العشر المنصرمة، خصوصاً في سوريا، ولم تعد هيبة الإسرائيلي مخيفة، لا بل مكسورة، ولذلك، لن يتردد السيد في المضيّ قدما في المواجهة، والعملية التي نفذت هي خطوة أولى، والحبل على الجرار. ولننتظر، فنرى.
*كاتب وباحث في الشؤون الاستراتيجية