المشهد الأول، هو الاعتراض على بضع كلمات في أغاني فرقة فنية في لبنان، بذريعة مسِّها بعض الأديان، وما تلا ذلك من تهديدات بالقتل واجتماعات دينية وسياسية وكلام في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي... ومن ثم إلغاء الحفل! المشهد الثاني، طفل فلسطيني ــــ مقدسي، ابن أربع سنوات، يُساق إلى التحقيق بناءً على استنابة قضائية من شرطة الاحتلال بتهمة قذفه الجنود الصهاينة بالحجارة؛ يسير بكل جدارة حاملاً كيس طعامه، والأساسي فيه هي علبة الحليب!

مشهدان تصدّرا أكثرية نشرات الأخبار ذلك المساء؛ فمن الطبيعي أن يُفرد للمشهد الأول حيّز أكبر وأهمّ. كيف لا، فهنا رجال الدين بما يتمتعون به من نفوذ، في ظل نظام سياسي ــــ مذهبي وطائفي، لا يرون المواطن إلّا تابعاً أو من أهل الذمة. هنا الطوائف وأمراؤها، تفتي وتزجر وتحرّم وتحكم وتنفذ، والكل تحت عباءتها، وإن تطلّب الأمر، «فيا غيرة الدين»، لاستجرار الغرائز إلى الساحة، فيصبح الدم محلّلاً ولو وصل حدّ الركب؛ أليس هذا هو التاريخ؟ ألم تغرق أوروبا في حرب المئة عام؟ ألم تفتك محارق «محاكم التفتيش» بالعلماء والمفكّرين بحجة المس بالذات الإلهية؟ ألا نزال نعيش أيام «سجن العقل» في معتقلات الجهل؟ ألا نزال نعيش في جاهلية، تمتد عميقاً في توارث مقيت لخصال وعادات حين كان الأخ يقتل أخاه، فيما شريعة الغاب المفتوحة على السلب والنهب والانتقام هي السائدة والقائدة؟ نعم، لا نزال نعيش تحت عباءة عصور الظلام المترامية الأبعاد والمتعددة الأشكال؛ هي عصور لمّا تنته بعد، إلّا أن تحديثها أصبح على جدول أعمال من امتلك مسبباتها بغية استردادها متى استوجب ذلك: سلطة ومال وطوائف وعنصرية وكيدية وجهل وحجر وتكفير...
أمّا في المشهد الثاني، والذي كان في الدرجة الثانية من حيث التوقيت والاهتمام وبتفاوت ملحوظ، فقد جنح عرضه نحو الفعل، كفعل مباشر مرتبط بالسن والعمر والسلوك المرفوض «قانوناً» وفق ما يقولون. وهنا تكمن المشكلة؛ لقد كان من الضروري تبيان تلك الأمور، إلّا أنها ليست كل الصورة، فبقيتها، الواجب استكمالها، هو الحق في مواجهة الاحتلال، الذي حرم ذلك الطفل وأقرانه وشعبه دولتهم وأرضهم، وما فعله ويفعلونه هو ردة الفعل الطبيعية والمنطقية المطلوبة لرفض الاحتلال، والترجمة الحقيقية لقرار المواجهة معه وبكل الوسائل لاسترداد ما أخذ عنوة وبالقوة من أصحابه، هذا ما كان يجب أن يُقال!
إن حرية الرأي والمعتقد والموقف والسلوك، قبل أن تكون حقوقاً أساسية تكفلها القوانين والدساتير، هي فعل يومي يمارسه من يمتلك خاصية التفكير ويعمل على تغيير الواقع. هي أساس تطوير الواقع ونقله من مكان إلى آخر، شاء من شاء وأبى من أبى، وليس لأي شخص مهما علا شأنه ومكانته، أن يقف في وجه هذا المسار، كما لا يحق لأي سلطة، سياسية كانت أو دينية، أن تضع الحدود أمام أي رأي أو تغلق أبواب التفكير والإبداع بحجة التكفير، أو تقمع مقاوماً رافضاً للاحتلال. هذا السلوك المرتبط بممارسة أقل ما يُقال فيها زاجرة وقاهرة، تقوم على الإلغاء وسجن الأفكار في داخل زنازين الظلام. وإذا كان ثمة أمر يعرّض المواطن للخطر، فإلى القانون المسيّر باستقلالية والمحمي بسلطة واعية، والمستقل عن أصحاب النفوذ، سِرْ، فهو الكفيل بتبيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود. لكن أن تُترك الأمور للشارع المفتوح على خطاب سياسي مشحون بالمذهبية والطائفية، والمتفلّت من أية ضوابط، سواء أكانت قانونية أم أخلاقية، فهذا، ومن دون أدنى شك، ترك المسألة للعامة المُسَيطَر عليها من سلوك غيبي لا يقوم إلّا على إلغاء الآخر، وهذا لا ينتهي إلّا باستجرار داحس والغبراء مجدداً إلى الساحة، وحينذاك ستكون النتائج كارثية، سيصعب تحملها.
إن قراءة الأحداث التي رافقت ذلك الحدث، والذي وصل إلى حديث الدم والتهديد به، والدعم الذي تلقاه أصحاب «العقول السوداء»، الكارهة لأي بقعة ضوء في هذا الظلام الفكري الدامس، المقفل عليه والغارق في التعمية عن حقيقته حتى أذنيه، بالإضافة إلى الممالقة والابتذال من رجال سياسة «غب الطلب»، المتهافتين أمام مواطنيهم لعجزهم عن معالجة الوضع العام، إلّا أنهم يشكلون، في مواضع كهذه، ذخراً إعلامياً مطلوباً، لتُفتح لهم شاشات الإعلام لبث سموم حقدهم على من انتخبهم، وليحاضروا في العفة ويفتوا في المسموح والممنوع، وكنّا قبل أيام نشاهدهم وهم يصوّتون برفع الأيدي وبضحكة من الأذن إلى الأذن وبأمر من وليّ الأمر وإرضاءً له، لموازنة إفقار الشعب اللبناني. موازنة منحازة لأولياء نِعَم الكثير منهم من أصحاب رأس المال، دونما عناء التفكّر في فقراء لبنان وعماله وموظفيه، والذين هم بالمناسبة «الشعب» الذي أقسموا يمين المحافظة على مصالحه.

نحن مع فلسطين ليس لأنها أرض الأديان والرسل، بل لأنها عنوان المواجهة


هي صورة سوريالية، أن تُستنفر «العدة المطلوبة» إزاء بعض الكلمات التي كُتبت، وأن يُقام الحرم، وتشحذ السكاكين، في ظل ما يجري بين أهل السلطة وما يمارسونه بحق المواطنين من «صلبطة» على حقوقهم، وما يجري من توتير أمني وصل إلى حد سفك الدماء في الشوارع، وعجز السلطة حتى عن الاجتماع منذ ما يقارب الشهر. فأمر بضع كلمات جعل من كل صاحب قوة وسلطة ومال... يدلي بما في دلوه، ثم يُدعى إلى قمم سياسية وروحية، لتأكيد «العيش المشترك» وعدم المس «بالوحدة الوطنية» إلى آخر تلك الأسطوانة المستعادة من تاريخ مضى منذ زمن غابر عليه يمتد إلى مرج دابق، حين وقف «سلطان البرّ»، على رأس التلة لينتظر نتائج المعركة كي ينحاز إلى المنتصر، بغض النظر عمّن هو، ومن سيكون...
هي صورة أكثر قتامة أن تكون الوحدة الوطنية هي المرادفة للتوافق الطائفي والمذهبي على الحصص، فتلك مصيبة أقل ما يُقال فيها إنها قاتلة؛ ليس بهذا المفهوم، المرتبط بخطاب شعبوي ممجوج، ثَبُت زيفه وسخافته عند كل استحقاق، يمكن أن نواجه تلك العواصف التي تهب على المنطقة من أربع جهات الأرض، وليس بخطاب كهذا يمكن أن نتصدى لأطماع عدو متربص على حدود مائية وبرية، ينتظر لحظة مؤاتيةً للتعويض عن هزائمه في لبنان. كما لا يمكن، ومن خلال مستحقين نجحوا في مباريات أجرتها مؤسسات رقابية، من المفترض، أنها خارج الشبهة، أن نطلب تفسير الدستور لمعنى مقتضيات الوفاق الوطني، أو اعتبار تلك المسألة خروجاً عن الطائف. فعن أي طائف تتكلمون؟
لقد سقط ذلك الاتفاق منذ سقوط الرعاية الدولية عنه، سقط عندما لم تنفذ أي من البنود الإصلاحية فيه، وليس أقلها إلغاء الطائفية السياسية، أو أقله وأضعف الإيمان، تطبيق المادة 22 من الدستور، بانتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لاطائفي يستحدث مجلساً للشيوخ تتمثل فيه جميع الطوائف، وهذا لم يجر بعد. هذا ما يجب السؤال عنه، وليس محاصّة الموظفين أو المواقع في الإدارات العامة، على مبدأ «عالسكين يا بطيخ». من هنا، وبدل من أن يُستدعى ذخر الدعم الطائفي ليثقّل في الخطاب السياسي الموغل في طائفيته حدّ النخاع الشوكي، كان من الأجدى العمل على إعادة تكوين السلطة في هذا البلد من خلال تغيير أسس النظام السياسي باتجاه آخر وطني لاطائفي، ولا بأس ساعتئذ من العمل على تفسير المواد الإصلاحية في الدستور وتطبيقها، وبذلك نكون قد قدمنا نموذجاً يُقتدى به لطريقة حكم ومقاربة من نوع آخر.
وبدل أن تُستجلب الطوائف والمذاهب إلى الشارع رفضاً أو منعاً أو تهديداً لقول لم يُقلْ، سواء في الفن أو على مواقع التواصل الاجتماعي، كان من الأجدى عليها وعلى رؤسائها الاستنفار دفاعاً عن لقمة عيش فقراء «رعاياهم»، وعن طبابتهم وتعليم أبنائهم، وأيضاً انحيازاً لحقوق العاملين في مؤسسات الدولة وفي مؤسساتهم الخاصة، والتي تشهد صرفاً تعسفياً لموظفيها وبأمر منهم أو ممن ولّوهم شؤون إداراتها، أو علاجاً لوجع مريض يموت على الباب منتظراً دخوله أحد المستشفيات، والتي باتت أكثريتها تحمل أسماء الشخصيات العامة أو أسماء الرسل والقديسين... فأين تعاملهم مع المرضى وفاتورتهم الطبية من صفات من سُميت المستشفيات بأسمائهم تكريماً أو تماثلاً أو تقرباً؟ هو غيض من فيض هذه الحالة السائرة وبسرعة جنونية نحو الانحدار، وما من كابح لها. ولا معالجة جدّية في الأفق، ومع ذلك لا بدّ من رفع وتيرة الاعتراض، ليس من موقع الإكثار من الكلام بل من موقع التأسيس لخطاب سياسي مترافق مع سلوك يشكل برنامج عمل لمواجهة تبعات هذه المرحلة، برنامج ينطلق من بديهيات موجبات المحافظة على الحريات وصيانة منطلقاتها، ويؤشر بوضوح إلى الاتجاه الذي يمكن معه بناء مواجهة أكثر جدية وفعالية، إذ لا يجوز كمّ الأفواه ومصادرة الرأي، كما لا يجوز الانجرار وراء انفلات الغرائز والركون إلى محاكم التفتيش؛ هذا الزمان ولى، منذ أن تحرر العقل من محابس الجمود والتأليه الممنوع النقاش فيه؛ ومنذ أن استقر العلم كمرجع يفسر ويناقش، منذ أن أصبح العامل والفلاح والفقير، ليس نتاج الحالة التي وُلد فيها، بل مشاريع تغيير اجتماعي، يرفض الظلم وينتفض انتصاراً لحقوق، طالما سلبتها سلطة رأس المال مدعومة بمن ادعى وكالة السماء على الأرض ومن عليها. هناك سقطت تلك المحاكم، وهنا نؤكد بأن لا عودة إلى الوراء.
في المشهدين وما جرى من حولهما، وإن اختلفت الأمكنة وطبيعة الأحداث، نلاحظ الرابط ما بين منع التفكير وإجازة التكفير والاحتلال، فكلاهما يعبّر عن حالة اعتداء، وإن بأشكال مختلفة، تستوجب الرد عليها؛ هي حالة مواجهة مفتوحة مع مشروع وسلوك امتهن القمع والتجهيل والسيطرة والغطرسة والقتل والإرهاب، بشقّيه الفكري والعسكري، هو ذلك الذي قسّم كي يسود، وطغى كي يسيطر، وقتل كي يسرق... أطل برأسه منذ أكثر من قرن، بنسخته الجديدة، وهو لمّا يختف بعد، بل يتجدد وبحلل مختلفة. عنوانه الاستعمار والاستبداد والتجهيل والتعمية وابتكار أدوات السيطرة، وما فلسطين إلّا أحد الرموز المسفوكة دمها على مدى ذلك التاريخ الغارق في العدوان حتى أخمص قدميه. هي تلك القضية، التي أطلقت أولى الحروب الاستعمارية نحو الشرق، حروب توسيع المناطق والاستئثار والهيمنة والنفوذ وتصدير المشاكل، وطبعاً كان السبب «بيت المقدس»، والتي بدأت ولمّا تنته بعد. من ينسى غورو ، الجنرال الغازي إلى بلاد الشام وهو يخاطب صلاح الدين في قبره في دمشق «ها قد عدنا يا صلاح الدين» في بدايات القرن العشرين. لقد كان يعرف، كما يؤكد بأن تلك الحروب لا تزال مستمرة، من بطرس الناسك، وهو يجوب الشوارع تحريضاً على الحرب، وصولاً إلى دونالد ترامب، ذلك المقاول... هو تاريخ ملطخ بالدماء والدمار والحقد.
نحن، مع حرية الرأي والإبداع والفن والمقاومة، نحن مع فلسطين ومع القدس، ليس لأنها أرض الأديان والرسل، بل لأنها عنوان المواجهة، وهي ليست عاصمة دولة فلسطين بل هي عاصمة كل أحرار العالم، وقبلة كل من أراد المواجهة. هنا تستقيم القضية وتصبح واضحة كوضوح الشمس: لقد انتظرت القدس مئة عام منذ احتلالها الأول كي تتحرر، وها هي اليوم، محتلة بشطرها الغربي منذ 1948 وبشطرها الشرقي منذ 1967، ولا تزال؛ فمحمد ربيع عليان، ذو السنوات الأربع، من بلدة العيسوية، هذا المقدسي الذي يسير مرفوع الهامة إلى حيث التحقيق معه، سيشكل الرد على كل من يتطاول على حرمة فلسطين، فتلك العينان الجميلتان ونظراتهما الثابتة تؤكدان بأن فلسطين ولّادة، وأن قضيتها في أيدٍ أمينة. لن يسقط يوسف في الجب مرة أخرى، ولن يجني عليه أحد بعد اليوم؛ فمن أوصل مارسيل خليفة إلى المحاكمة يوماً ما لن يستطيع منع ريتا ذات العيون العسلية من حمل بندقيتها والتوجه صوب فلسطين.
* عضو المكتب السياسي
ومسؤول العلاقات السياسية في الحزب الشيوعي اللبناني