تلفّ الكرة الأرضية شبكة من الحدود السياسية الخطية لدول مختلفة الأحجام يجاوز عددها المئة وتسعين دولة، ولم يبق مكان على الأرض إلا وينتمي من حيث المبدأ إلى دولة من هذه الدول، ما يعني أن جميع سكان الأرض باتوا ينضوون ضمن دول محدّدة، كما بات كلّ فرد من أفراد الإنسانية، يحمل أو من المفترض أن يحمل هوية دولة ينتمي إليها حتى يتمكّن من أن يحيا حياة سوية. لم يكن الأمر على هذا النحو من قبل، فحتى الخمسينات من القرن العشرين كانت جموع كثيرة تعيش خارج الدول وتجهل أصلاً وجودها أو وجود أحد أشكالها المتعددة في التاريخ.


في الدولة المعاصرة
شهدت الدولة منذ نشأتها تحولات مختلفة في أشكالها، أفضت أخيراً إلى بلورة نموذج معاصر يتمثّل بالدولة - الأمة أو الدولة القومية، حيث السلطة فيها، تنبثق مبدئياً من إرادة الشعب، دون غيرها من الإرادات، إلهية كانت أو غيبية أو غابرة. تبلور هذا النموذج الديمقراطي في أوروبا بعد عصر النهضة وعصر الأنوار، فكان أن تلاشت المرجعية الدينية في الشؤون الاجتماعية والسياسية، وقامت الدولة على أسس جديدة هي حاصل ما أنتجته الثورة الفكرية والعلمية والثورة الصناعية، والاكتشافات... أدّى ذلك فيما أدّى إليه إلى تحرير العقل الاجتماعي، من مختلف القيود التي كبّلته على مدى قرون، ودخلت العلاقات الاجتماعية في طور جديد انهار معه النظام السياسي القديم، وبدل أن يكون المجتمع من أجل دولة الملك، صارت الدولة من أجل المجتمع، وصار للمجتمع حق تقرير مصيره بإرادته والتي اصطلح على تسميتها بالإرادة العامة.
امتلك النموذج الجديد للدولة مفاتيح التقدم على مختلف الصعد، وأنتج منظومة من القيم الجديدة أُدرجت تحت عنوان ما دُعي بالحداثة التي راحت تجتاح العالم في سياقات مختلفة، ما تزال تداعياتها وإشكالاتها تثير جدالاً صاخباً، لاشيء يؤشر إلى نهاية فصوله على المدى المنظور. ذلك أن نموذج الدولة المعاصرة تعرّض وما زال يتعرض للنقد والرفض من قِبل تيارات وقوى سياسية وفكرية يمكن توزيعها على اتجاهين عامين وإن متناقضين:
- الاتجاه الأول، يضم تيارات كان لها أثر عميق في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعلى مدى القرن العشرين، وهذه التيارات بمعظمها ذات منابت ماركسية وأنارشية، ترى أن الدولة الحديثة المدعوة ديمقراطية لا تمثّل سوى ما أفرزته التناقضات الاقتصادية الاجتماعية في السياق التاريخي للصراع الطبقي، من موازين قوى بعد أن حسمها الرأسمال لصالحه، وبالتالي فإن ما ندعوه بالإرادة الشعبية أو الإرادة العامة، ما هو في واقع الأمر إلا إرادة فئوية فرضتها أقلية على جموع الأكثرية، نظراً إلى ما لهذه الأقلية المستأثرة برأس المال من قدرات وأدوات تستخدمها في سبيل تأمين مصالحها على حساب الإرادة الشعبية الحقّة.
- الاتجاه الثاني، يتمثل في أنشطة التيارات الدينية الإسلامية المتشددة، التي تعتقد أن إرادة الشعب المعوّل عليها في الدولة المعاصرة ليست في نهاية الأمر سوى إرادة دنيوية، وبالتالي فإن سننها وشرائعها، تعارض الإرادة الإلهية، وعليه ينبغي تهفيت هذه الدولة وتسفيه شرائعها لمصلحة إقامةالشرع الديني وفق التكليف الإلهي.
غير أن ذلك مضافاً إليه ما تتسبب به العولمة من تصدّعات في بنى الدول، لم يتمكن، أقلّه حتى الآن، من شطب مجمل القيم التي أنتجها نموذج الدولة - الأمة لا سيما تلك القيم التي تأسست على فكرة الوطن السياسي ذات المضامين والأبعاد والدلالات غير المسبوقة في التاريخ. فعلى هذه الفكرة، أطلق نموذج الدولة المعاصرة آليات تحوّل الفرد الإنساني من كونه أحد رعايا الحاكم إلى مواطن حرّ من حيث المبدأ، فبات الناس، مواطنين أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات، حقوقهم واجبات على الدولة، وواجباتهم حقوق للدولة عليهم، مواطنين، ينتمون إلى الدولة المعبّرة عن إرادتهم ومصلحتهم ومن ورائها إلى الأراضي الوطنية التي تقوم عليها هذه الدولة.

في معايير البناء الوطني
يعني الوطن فيما يعنيه، الارتباط العاطفي بين الفرد والمكان، وفي هذا الإطار لا يتعّدى معنى الوطن هنا المكان الذي يستثير الميل والحنو إليه. غير أنه في نموذج الدولة القومية أو الدولة المعاصرة، تضمّن مفهوم الوطن بعداً جديداً أنتجته الشروط المحيطة بتشكّل الدولة المعاصرة. فالدولة القومية هي دولة الجميع (وليست دولة الملك الحاكم أو دولة عائلته كما في أشكال الدولة التاريخية)، تسعى إلى التماهي مع مجتمعها أو أمتها وتسعى في نفس الوقت إلى التماهي مع أراضيها أي وطنها، في سياق بناء وحدة متكاملة، دولة، مجتمعاً وأرضاً.
هذا ولما كانت الأراضي المعنية تشكّل المكان الضروري لوجود المجتمع وللروابط التي تجمع أفراده حاضراً ومستقبلاً، فإن انشداد هؤلاء الأفراد إلى بعضهم البعض، يؤدي إلى انشدادهم للمكان الذي يتأمن اجتماعهم عليه، وبالتالي إلى الانتماء إليه، لذا، فإن انتماء الفرد الاجتماعي إلى الدولة بشكلها الجديد، هو انتماء إلى المجتمع وإلى الأراضي التي هو فيها وعليها. وهكذا تغدو هوية الدولة، كما هوية أفرادها، مرتكزة على أراضيها، بحيث صارت الدولة المعاصرة تعرّف عن هويتها باسم هذه الأراضي التي انبنى عليها مفهوم الوطن بالمعنى السياسي المعاصر. وهكذا لم تعد هذه الدولة أو تلك، دولة حاكمها أو ملكها، ولم يعد السكان رعايا، أو أتباعاً أو موالين، بل صاروا مواطنين ينتمون إلى كل أراضي دولتهم. لذلك يمكن القول إن الانتماء الوطني بهذا المعنى، لا يقتصر على الحنو الوثيق على هذا المكان أو ذاك، ولا يقتصر على الحنين إلى مسقط الرأس، وملاعب الطفولة، والأمكنة المشابهة الأخرى المشحونة بالذكريات، لأن الانتماء إلى الوطن بالمعنى الجديد هو انتماء إلى أراضي الدولة - الأمة (المجتمع) وهو يجاوز المستوى العاطفي إلى المستوى العقلاني، حيث من المفترض أن تكتسب جميع الأمكنة المدرجة في إطار الدولة المذكورة، أي جميع أراضيها، قيمة واحدة موحّدة لمجموع المشاركين في عضوية الدولة، على اعتبار أن تلك الأراضي ليست المساحة الجغرافية التي يُتاح لهم فيها التعاضد والتعاون فيما بينهم لتحقيق مصالحهم ومقاصدهم فحسب، بل المكان الذي يمارسون فيه سيادتهم ووجودهم الحر على أراضيهم من خلال سيادة الدولة المعبّرة عن إرادتهم.

منذ تأسيس دولته المعاصرة عام 1920، تبدو الإرادة العامة في لبنان وكأنها ما تزال قيد التشكّل


على هذا الأساس يسود اليوم في المحافل الدولية خطاب يتميّز برفع شعارات ومبادئ تفيد بضرورة التمسك بكامل الأراضي والحفاظ على وحدتها ضمن حدود دولة الوطن المعترف بها دولياً، ذلك أن الدولة التي تفقد جزءاً من أراضيها ولا تسعى السلطة فيها إلى استرداده، لا تجد هذه السلطة معرّضة لسلسلة من التنازلات التي لا تنتهي فحسب، بل تجد نفسها فاقدة لشرعيتها أمام شعبها أو أمّتها، لأنها بتخلّيها عن جزء من الأراضي، تكون في حكم المتواطئة مع المعتدين على حق الشعب في ممارسة سيادته وسلطته على كامل أراضيه. ويضع هذا الأمر الدولة في موقع النقيض من مجتمعها، في حين أنها من حيث المبدأ يُفترض أن تتماهى معه، وتمثّل وجدانه، وهكذا يغدو الجزء المفقود، مهما صغر حجمه، ذا قيمة غير خاضعة للقياس الكمّي، أي غير قابل من حيث المبدأ للبيع أو الشراء، كما لو أنه عقار يمكن مقايضته بثمن من الأثمان. من هنا تتعامل الدول اليوم في خطبها وسلوكها على أنها شخصيات «أرضانية»، هويتها مبنية على أراضيها، حيثُ يقال مثلاً إن روسيا في صدد هذا الأجراء أو ذاك أو أن فرنسا اتخذت هذا الموقف أو ذاك... إلى ما هنالك من تصرفات تُستخدم فيها أوصاف تدلّ على الصداقة أو الخصومة... وغيرها من التي تذكّر بالعلاقات القائمة بين الشخصيات الفردية الإنسانية. فيما مضى كانت هذه الأوصاف تعني سلوكيات ومواقف الحكام والملوك وإلزام رعاياهم بها، في حين أن الإشارة اليوم إلى فرنسا أو روسيا أو غيرهما بشأن هذا السلوك أو ذاك تدل على التزام الشعب به لا إلزامه كما كان الأمر عليه في السابق.
وعلى العموم فإن دول اليوم بتعريفها عن نفسها باسم قاعدتها الجغرافية، يجعلها شخصيات ذات هويات «أرضانية»، وكما في دنيا الأفراد كذلك في دنيا الدول، يشكّل الاسم، من حيث هو اسم علم يُعرّف به، الملمح الاستدلالي الأساسي للهوية التي من المفترض أن تكون هنا هوية واحدة للدولة وللأمّة وللوطن في آن.

لبنان وطن معلّق
حتى الآن تعاملنا مع المعايير الخاصة ببناء النموذج - المثال، للدولة المعاصرة، دولة - الأمة، والوطن بما هو الأراضي المبنيّ عليها، انطلاقاً مما ينبغي أن تكون عليه الشروط التي يتحقق معها التماهي بين الدولة والمجتمع والأرض، في إطار متّحد سياسي متكامل. أين لبنان من هذه المعايير؟
في الواقع، إن دول العالم تتباين من حيث اقترابها أو ابتعادها عن النموذج المذكور، فبقدر ما تقترب منه هذه الدولة أو تلك، بقدر ما تتمكن من عملية بنائها الوطني وبقدر ما تُنجز، في الظروف الراهنة، تقدّماً في الفعل والاقتدار اقتصادياً، ثقافياً، وسياسياً... على المسرح الدولي. غير أن نسبة الدول التي حققت نجاحات مقبولة في هذا المجال لا تتجاوز 15 بالمئة، وهي بالمناسبة، دول عالم الشمال المتقدمة، بينما تحاول الدول الأخرى أيّ دول عالم الجنوب ومنه لبنان الاحتذاء بها.
في لبنان، ومنذ تأسيس دولته المعاصرة عام 1920، تبدو الإرادة العامة وكأنها ما تزال قيد التشكّل، بمعنى أنها ما تزال هدفاً غير متحقّق في المجال السياسي اللبناني، نظراً لما يتحكم في هذا المجال من تناقضات تمنع السكان المنضوين في الدولة وبما هم أعضاء فيها، من أن يتآلفوا في وحدة اجتماعية سياسية متماسكة، كشرط أساسي لامتلاك الإرادة العامة وتفعيلها من أجل أن تنبثق منها سلطة موضع ثقة في دولة متماهية مع مجتمعها وأراضيها، الأمر الذي يعطل عملية البناء الوطني.
لقد قيل الكثير في موضوع التناقضات اللبنانية، وما يزال يقال، وغالباً من مواقع متعارضة غير أن التناقضات عموماً تتوزع على مجموعتين، الأولى تنابذية تذهب بالأفرقاء إلى التباعد والنأي عن بعضهم البعض، والثانية ديالكتيكية تفاعلية تذهب بهم نحو بناء المتحد الاجتماعي السياسي.
في لبنان يتحدث البعض عن التعدد الثقافي ووجوب أخذه بعين الاعتبار، غير أن هذا التعدد في إطار المجادلات والسجالات اللبنانية، حمّال أوجه وتمنّيات، تتأرجح بين الدعوة إلى الحوار المثمر أو الافتراق بالتي هي أحسن أو بالتي هي أسوأ. في المقابل، يتحدث البعض الآخر عن وجوب الوحدة إنما دون الإفصاح عن احتمال ما تستبطنه هذه الوحدة من ضروب الاستبداد الديني التاريخي.
على أن المتتبع للأحداث التي شهدها ويشهدها لبنان يبدو له البلد وكأنه مستغرق في حالة انفصامية تنتفي معها الإرادة العامة بما ينبني عليها من قدرة على صياغة وبلورة هوية وطنية جامعة، يتوحد فيها انتماء الأفراد إلى المجتمع والدولة والأرض في نفس الوقت. بيد أن وسم الحالة اللبنانية بالانفصامية قد يكون مبالغاً فيه (وإن لامسها اللبنانيون في حروبهم العديدة على ذواتهم)، لأنه ما تزال لديهم رغبة أكيدة بالتلاقي وإحقاق وحدتهم الاجتماعية السياسية، وهي رغبة يجري التعبير عنها في شتّى المناسبات، غير أن الدفع نحو إحقاق الوحدة يتطلب شروطاً لا نرى الساعين إليها جادين في أمر وضعها موضع التنفيذ. وتبدو الدعوات إلى الحوار والتلاقي والتي لا ينفك عن اللهج بها وتكرارها من يعتبرون أنفسهم صنّاع القرار وقادة الرأي، وكأنها باتت هي الهدف وليس الوسيلة التي تُستخدم للوصول إلى التفاعل الموحّد والمنشود، فما نفع هذه الدعوات إذا لم يتعيّن الهدف المتمثل في بلورة الجذع المشترك المُجمع عليه بين الأفرقاء المعنيين، للانطلاق منه في بناء الدولة والوطن؟
بناءً على ما تقدّم يمكن القول إن لبنان كدولة وكمجتمع هو في منزلة بين منزلتين، منزلة التناقضات التنابذية الطاردة من جهة، ومنزلة التناقضات الديالكتيكية الموحّدة من جهة أخرى، فلا هو بمتجه نحو التقسيم الجلي والنافذ ولا هو بمتجه نحو التوحيد العميق والناجز، ما يعني أن مشروع البناء الوطني ما زال معلقاً بانتظار ما ستؤول إليه حال الإرادة العامة، حيث أن هذه الإرادة، لا هي مكتملة ولا هي متحللة.
من هنا فإن لبنان يعاني من هشاشة وتخلخل في بنيته السياسية، غير أنه في ذلك ليس سوى دولة من دول عالم الجنوب التي تكابد شعوبها لأجل الدنو من نموذج الدولة المعاصرة الذي عرضنا له سابقاً، وهي دول موزعة على مجموعات تضم الواحدة منها إما دولاً مفككة وإما دولاً استبدادية أو متشددة، وإما دولاً متأرجحة بين هذه وتلك، على الرغم من أن قلّة منها تسجّل تقدّماً ملحوظاً في بعض القطاعات ذات الصلة بعملية البناء الوطني، لكن هذا التقدّم ما يزال محفوفاً باحتمالات الانتكاس والتعرض للعجز عن استكمال عملية النهوض. في مختلف الأحوال، إن معظم سكان عالم الجنوب لا سيما منهم سكان لبنان والعالم العربي لم يتوصلوا حتى الآن إلى المخارج والحلول التي تجعل من بلدانهم أوطاناً يرتاحون إليها ويحققون فيها ذواتهم ومقاصدهم على نحو سوي. أما ما العمل؟ فهذا موضوع آخر!
*أستاذ جامعي