مَن الأقوى إيران أم الولايات المتحدة؟ يكثر تداول هذا السؤال مؤخراً ربطاً بالتوتر المتصاعد بين الدولتين منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي متنكرة لالتزاماتها الدولية. بالمناسبة ربما يكون هذا الانسحاب الأميركي الدليل الأبرز على إدراك الأميركيين لمدى تراجع هيمنتهم داخل النظام الدولي إلى حدّ التجرؤ على تقويضه في مجال بهذه الحساسية. وسبق أن أشارت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب إلى أن منافسي واشنطن يستغلّون النظام الدولي بشكل غير عادل لاكتساب ميزات تمنحهم أفضلية تنافسية لتجاوزها. وقد استشرف المؤرخ البريطاني نيال فيرغسون هذا السؤال منذ عام 2005 عن ما إذا كانت أميركا ستلتزم بقواعد النظام الدولي حين ترى أنه لم يعد يعمل لصالحها، باعتبارها معضلة عانت منها قوى الهيمنة السابقة.

(داريو بانيغاس)

القوة والسياق
بالعودة إلى سؤال القوة، وهو سؤال شائك ويمثل لبّ السياسة الدولية، فكما يقال القوة هي «عملة» السياسة الدولية أو أن السياسة العالمية هي «مملكة القوة». إن السؤال عن من الأقوى ينطوي على ضرورة تعريف القوة والذي هو في حدّ ذاته ممارسة للقوة كما يوضح ستيفانو غوزيني، باحث في المعهد الدانماركي للعلاقات الدولية. يوضح غوزيني حجته من خلال رفض كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة خلال الحرب الباردة لكل تعريفات القوة التي تؤكد على العوامل غير العسكرية، ما أدى بهما إلى المزيد من التسلّح والتدخلات العسكرية.
هناك مقاربتان رئيسيتان لتحليل القوة في العلاقات الدولية: الأولى مقاربة «القوة كموارد» والتي تعتبر أن الأقوى هو صاحب الموارد الأكبر وبالتحديد الموارد المادية التي اتسعت بمرور الوقت من كونها تقوم على موارد السكان وعديد الجيش ومساحة الإقليم والكفاءة الزراعية إلى عناصر التكنولوجيا والتنظيم أيضاً. وفق هذه المقاربة التقليدية يمكن التقدير ببساطة أن الولايات المتحدة أكثر قوة من إيران، ولكن كيف انهزمت أميركا في فيتنام والعراق وأفغانستان أو كيف انتصر حزب الله في لبنان والمقاومة في غزة؟ لذلك واجهت هذه المقاربة انتقادَين رئيسيين: أولاً، إن القوة لا تتساوى تلقائياً مع التأثير لأن الكفاءة في استخدام موارد القوة وتوظيفها هي التي تحدد مستوى التأثير، فالأهم هو «إستراتيجية التحويل». وثانياً، قابلية الموارد نفسها للتحويل، وهذه القابلية يعرّفها دافيد بالدوين، عالم سياسي في جامعة برينستون، بأنها تشير إلى «السهولة التي يمكن بها استخدام موارد القوة من مجال ما بشكل مفيد في مجالات لقضايا أخرى أيضاً».
هنا ظهرت مقاربة مقابلة وهي «القوة العلائقية» أو القوة كعلاقة، والتي تفيد أن القوة تتمثل في القدرة على تحقيق النتيجة المفضلة في حالة معينة. وهذا يعني أن سؤال القوة لا يمكن إلا أن يكون مقيداً، من الأقوى بوجه من؟ وفي أيّ نطاق؟ وأيّ مجال؟ وبأية تكاليف؟ في المقاربة «العلائقية»، القوة هي «عملية تفاعل حيث هناك دولة قادرة على ممارسة النفوذ على أعمال دولة أخرى» أو «قدرة شخص أو مجموعة من الأشخاص على التأثير على النتائج بحيث تكون أفضلياتهم لها الأسبقية على أفضليات الآخرين».
إذاً، لو كنا نطرح سؤال القوة بين واشنطن وطهران خلال النصف الأول من القرن الماضي، لكان الجواب واضحاً، بالاستناد إلى مقاربة «القوة كموارد» وبقياس الموارد المادية للطرفين واشنطن الأقوى من دون شك. إلا أننا اليوم في عالم مختلف تماماً، فسؤال القوة غدا معقداً ومركباً ومتداخلاً. فهل الولايات المتحدة أقوى؟ أي هل واشنطن قادرة على إكراه إيران على التصرف بعكس تفضيلاتها الأولية بما يناسب واشنطن؟ يعني هل واشنطن قادرة بالزجر والإكراه (العسكري والاقتصادي تحديداً) على فرض شروطها على إيران في البرنامج النووي والباليستي والسياسات الإقليمية؟ بالنظر إلى مقاربة القوة العلائقية لماذا تبدو إيران هي الأقوى؟

أولاً: القدرة على فهم الخصم
عانى الأميركيون بالعموم من معضلة فهم إيران ومن أبرز أسباب ذلك أنهم فهموها من خلال «المهزومين»، أي أنصار الشاه الذين فروا إلى الغرب وحرضوا ضد إيران الثورة بشكل مضلل. يرى ديفيد هوتون، محاضر في علم النفس السياسي، أن الأميركيين يعانون منذ انتصار الثورة من فجوة في «تفهّم» الإيرانيين (أي تقمص الموقف الإيراني وأيديولوجيته ونظرته إلى العالم وتقويمه للوضع)، فكانت مشكلة كارتر ومستشاريه عام 1979 أنهم لم يستطيعوا فهم خيارات الإمام الخميني ولذا صنّفها الأميركيون باعتبارها سلوكاً غير عقلاني، كما لم يفهموا أهمية التاريخ في الشرق الأوسط من قبيل استمرار تأثيرات دعم الانقلاب ضد حكومة مصدّق عام 1953، على ما يقول هوتون.
يتضح حتى اللحظة أن ترامب وإدارته فشلوا في فهم صانع القرار الإيراني. ترامب تحديداً كان جازماً في أن الإيرانيين سيرضخون حين تشتد نتائج العقوبات وسيحصل على تسوية جديدة باسمه. فالنظام الإيراني، كأيّ نظام آخر، لن يفكر إلا بالنجاة وسيقدم التنازلات ويستطيع أن يتلاعب بشعبه كيفما كان ليخفي ذلك، هذا كان منطق ترامب. قد يكون الرئيس الأميركي مارس ما تسميه «نظرية العزو» (من علم النفس السياسي) بـ «موجّه الحضورية» التي تُستخدم عند تقدير احتمال وقوع شيء بناء على مدى حضور ذلك الشيء في الذهن لكونه حصل حديثاً. فهل قام ترامب بهذا من خلال إسقاط تجربته مع كوريا الشمالية على إيران؟ في المقابل من المحتمل جداً أن بعض من هم في الدائرة المحيطة بترامب يدركون أن إيران لن ترضخ لهذا الابتزاز ومحاولة الإذلال الأميركية، وأن إيران ليست مجرد نظام، بل «آخر نظام ثوري على وجه الأرض» بحسب برايان هوك، مسؤول ملف إيران في الإدارة الأميركية، ولذا فإن حساباته وعملية صنع القرار فيه أكثر تعقيداً.
مياه الخليج هي الساحة الكبرى لأية حرب إيرانية – أميركية


في المقابل يبدو الإيرانيون أكثر فهماً للمصالح الأميركية ولصانع القرار ولتركيبة الإدارة الأميركية، وهذا ما منحهم قدرة على فهم القيود التي تكبّل ترامب وهامش المغامرة لديه ونجحوا في تحويل الأزمة نحو الداخل الأميركي تحت وطأة الهلع من اندلاع حرب في الخليج وتحذيرات وزير الخارجية الإيراني من فريق الحرب حول ترامب. منذ حقبة أوباما كان صانع القرار الإيراني يدرك حدود التسوية مع واشنطن لكنه قبِل يومها اختبار الأميركيين لسببين، الحاجة لالتقاط الأنفاس وتحصيل موارد لاستكمال المعركة في سوريا والعراق، وثانياً لحفظ الاستقرار الداخلي من خلال منح أنصار التسوية فرصة، رغم أن المتوجّسين من التسوية كانوا يردّدون أن أميركا حين ستحصل على مطلب ما ستنتقل مباشرة لتطالب بتنازل جديد كما يفعل ترامب اليوم في ما يخص البرنامج الباليستي.

ثانياً: في إدارة المواجهة
في مقابل الاندفاعة الأميركية منذ الانسحاب من الاتفاق النووي، كان الإيرانيون يتصرفون بهدوء بانتظار استكشاف عمق الخيارات الأميركية. من فرض العقوبات والتشدد في الملف السوري بوجه إيران ومؤتمر وارسو وثم وقف الإعفاءات وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، كان الإيرانيون في مرحلة كمون لاحتواء آثار الخطوات الأميركية وتحضير البدائل الداخلية والخارجية. فحين بدأت الاستجابة الإيرانية (أمنياً وعسكرياً وسياسياً عبر التخفيض التدريجي للالتزام بموجبات الاتفاق النووي) كان الأميركيون قد استنفدوا معظم أدوات المواجهة ما قلّص من قدرتهم على الردع. يعود هذا الفارق إلى سببين:
أ- أن ترامب تسرّع في الإجراءات لأنه شخصياً كان يطمح لإنجاز تسوية سريعة مع الإيرانيين أكثر تشدداً من الاتفاقية النووية لأجل المكانة والصورة والنفوذ وثم استغلالها في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية الوشيكة. الإيرانيون بدورهم لديهم أيضاً معضلة الوقت المرتبطة بالآثار الشديدة للعقوبات وإلى متى هم قادرون على احتوائها، إلا أنهم وجدوا في موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية فرصة ينبغي الرهان عليها.
ب- حاجة الإدارة الأميركية وحلفائها الإقليميين لتشتيت انتباه وموارد قوى المقاومة بغية دفع مسار «صفقة القرن» قدر المستطاع داخل المجال الإقليمي قبل نهاية ولاية ترامب.
تفتقد إدارة ترامب لاستراتيجية ناجزة ومتفق عليها بخصوص الملف الإيراني، وقد عنونت صحيفة «لوس أنجلس تايمز» مقالاً في 20 أيار الماضي حول سياسة ترامب الخارجية «هكذا تبدو السياسة الخارجية حين لا يكون لديك استراتيجية». في الملف الإيراني تحديداً ليس هناك اتفاق على الهدف النهائي للانسحاب من الاتفاق النووي والعقوبات، هل المطلوب الوصول لتسوية جديدة أو إخضاع إيران؟ هل المطلوب تسوية في الملف النووي فقط أم أيضاً البرنامج الباليستي ودعم إيران لقوى المقاومة؟ ما هي الخيارات في حال لم تخضع إيران؟ ما هو هامش المخاطرة لدى واشنطن في الاستجابة للردود الإيرانية؟ وقبل كل ذلك هل الملف الإيراني أو الشرق الأوسط ككل هو أولوية أميركية؟ بالتأكيد ليس الأمر كذلك لترامب الذي صرّح في مقابلة مع مجلة «تايم» (20 حزيران 2019) رداً على سؤال حول التصعيد مع إيران بالقول: «أنا أود أن أخرج من الشرق الأوسط، كان ينبغي أن لا نكون أبداً في الشرق الأوسط، وأنا أرغب في الخروج من هناك».
في المقابل، يبدو أن الإيرانيين يعملون وفق استراتيجية متفق عليها قوامها الصمود الاقتصادي والسياسي وعدم تقديم تنازلات وعدم التفاوض مع إدارة ترامب إلا بعد أن تتراجع الأخيرة عن خطواتها التصعيدية، وممارسة ضغوط «صلبة» منضبطة ضد مصالح واشنطن وحلفائها، وعدم الانسحاب من الاتفاق النووي بل تقليص الالتزام ببعض مندرجاته بشكل متدرج، وعدم التفاوض على البرنامج الباليستي والاستمرار في تعميق الصلات بدول الجوار والقوى الدولية المنافسة للولايات المتحدة.

ثالثاً: في عملية صناعة القرار
تعاني الولايات المتحدة من معضلتين، الأولى التباينات الحادة بين ترامب الانتهازي وفريقه الإيديولوجي وبينهم وبين الكونغرس المهجوس بمصالح الأمن القومي للولايات المتحدة. وتبرز هذه التباينات بوضوح في الملف الإيراني كالموقف من تغيير النظام في إيران أو المخاطرة العسكرية. والمعضلة الثانية مرتبطة بترامب نفسه الذي يقود السياسة الدولية بالحدس والغريزة والمشاعر ويطلب من فريقه تحويلها لسياسات. فضلاً عن أن ملف إيران ليس من أولويات ترامب، أي ليس هدفاً بذاته بل غاية لاجتذاب دعم اليمين المسيحي واللوبي الإسرائيلي والدعم المالي السعودي.
في الجانب الإيراني، تبدو التباينات في حدّها الأدنى، فإيران في موقف دفاعي بالكامل وتخوض المواجهة على أرضها وفي إقليمها وليس في قارة أخرى أو من ضمن مشروع توسعي، ولذا تبدو المصالح الإيرانية جليّة وواضحة بما يقلّص الخلاف حولها. وثانياً إن موافقة الإمام الخامنئي على منح الرئيس روحاني وما يمثّل فرصة لاختبار الولايات المتحدة ومصداقيتها من خلال الاتفاق النووي 2015 قد قلّص من مساحات التباين حول العلاقة مع الولايات المتحدة. فالإيرانيون بالعموم يدركون أن نظام بلادهم تصرّف بالمرونة الضرورية ولا يتحمل مسؤولية الإخلال الأميركي. يضاف إلى ذلك أن السياسة الخارجية الإيرانية تُصنع عادة من خلال التوافق عبر مجلس الأمن القومي حيث للاتجاهات الإيرانية الوازنة صوت مسموع. فالقرارات لا تعكس وجهة تيار واحد، بل نتيجة لإجماع أو لتسويات قد تميل يميناً أو يساراً ولكنها لا تهّمش أحداً، وهنا يبرز دور الولي الفقيه الذي يمارس السلطة في حدها الضروري فقط. ولحساسية المواجهة الحالية يبرز الدور المركزي لمجلس الأمن القومي الإيراني لتعزيز الوحدة الداخلية وتنسيق المواقف وتوسعة القاعدة الاجتماعية لخيار المواجهة الحالي داخل الجمهورية الإسلامية.

رابعاً، إرادة القتال
رغم إعلان الطرفين حرصهما على تجنّب الحرب، تبدو إيران متوثبة لاختبار مستوى من استخدام القوة بدرجة أكبر بكثير من الولايات المتحدة. وهذا يعود بشكل أساسي إلى أن إيران مضطرة لتوسعة مجال المواجهة إلى ما يتجاوز المجال الاقتصادي حيث للولايات المتحدة أفضلية واضحة. حاول ستيفن والت أن يشرح لترامب في مقال في «فورين بوليسي» لماذا لن يخضع الإيرانيون ولماذا سيستمرون في إظهار القوة والتحدي بالقول: «دعني أشرح لك هذا بطريقة أنا متأكد أنك ستلتقطها. أتتذكر تلك النصيحة التي تلقيتها من روي كون، الذي أخبرك أن تقول لوزارة العدل، بعد أن جرى اتهام شركتك العقارية بالتمييز العرقي: «اذهبوا للجحيم» وأن تمارس موقفاً هجومياً. علّمك كون أنه حينما يكون موقفك ضعيفاً عليك أن تهجم أكثر لمنع الآخرين من الاستحواذ على أفضلية عليك. هذا تحديداً ما تقوم به إيران ولهذا فإن «الضغوط القصوى» لا تعمل. هل فهمت الآن؟».
وثانياً لأن لدى الإيرانيين مخاوف مشروعة من جهود أميركية وإقليمية لجرّ ترامب إلى الحرب، وبالتالي يلزم طهران إبراز ردع هجومي متقدم، ولكن محسوب. لدى الإيرانيين حساسية عالية من التعرض للتهديد نظراً لما عانوه تاريخياً من طموحات الإمبراطوريات والقوى الكبرى، بما في ذلك تدخلات الولايات المتحدة من أيام انقلاب مصدق وصولاً إلى دعم الشاه وبعده حرب صدام وثم التحشيد العسكري المستدام في الخليج. بمعنى آخر تسعى طهران لاستعادة التوازن مع واشنطن ودفعها لخطوات تراجعية وحث القوى الكبرى على تحمّل مسؤولياتها من خلال دفع المواجهة إلى الخط الأخير من حافة الهاوية. ولذا وإن كان صحيحاً أن إسقاط طائرة التجسس الأميركية كان إجراءً دفاعياً كونه حصل داخل المجال الجوي الإيراني، إلا أنه يأتي من ضمن مقاربة هجومية بدأت تظهر مؤخراً لدى الجانب الإيراني.
في المقابل تبدو كوابح الحرب في الولايات المتحدة قوية جداً، من ترامب إلى الكونغرس والبنتاغون والرأي العام. حصر ترامب خيار استخدام القوة العسكرية في حالة وحيدة هي منع إيران من حيازة سلاح نووي، فيما رفض القيام بهذا التعهد بخصوص تخزين إيران لليورانيوم واكتفى بالقول إنه خطأ كبير، وكذلك بخصوص حماية ناقلات النفط في مضيق هرمز وبرّر ذلك بأنه مسؤولية الدول المصدرة والمستوردة مثل الصين واليابان من دون أن تدفع شيئاً لأمن المضيق، وليس الولايات المتحدة التي تستقل عن نفط المنطقة. يُلاحظ أن التقويمات الأميركية لسيناريو الحرب مع إيران تسارع لمقارنتها بحرب العراق لتبرير رفض هذا الخيار. وهنا يستخدم الأميركيون ما يُسمى، بحسب هوتون، بـ «قياس التمثيل أو المماثلة»، أي استخدام التشبيهات التاريخية لنقارن موقفاً جديداً بشيء مشابه للماضي لاستنتاج السيناريوهات. وبحسب ألكسندر هييغ وزير الخارجية الأميركي الأسبق «السياسة الخارجية تجتذب التشبيهات كما يجتذب العسل النحل».

خامساً: القوة العسكرية اللامتماثلة
تحتاج إيران بدايةً إلى نوع من القوة العسكرية التي يردع الأميركيين عن شن الحرب، وثم في حال وقعت الحرب أن تكون قادرة على إحباط أهدافها من خلال رفع كلفتها على الأميركيين. يدرك الإيرانيون الفوارق الهائلة في الموارد مع الولايات المتحدة واختبروا خلال حرب الناقلات في الثمانينيات حدود القوة التقليدية بوجه الأميركيين. ولذا تحوّل الإيرانيون نحو أساليب القتال اللامتماثلة ذات الجوهر الدفاعي المبنية على إدراك فارق الموارد وعلى مركزية القتال البحري، وطبيعة ميدان القتال أي مضيق هرمز وسواحل الخليج، والفارق النفسي والروحي والقدرة على احتمال الخسائر. فيما الركن الهجومي في استراتيجية الردع الإيرانية يتكوّن من البرنامج الباليستي (غير قابل للتفاوض) والقوات الحليفة في المنطقة.

إن امتلاك الموارد الأكبر ليس معياراً كافياً لتحديد الأقوى بل القدرة والكفاءة والرغبة في استخدامها


مياه الخليج هي الساحة الكبرى لأية حرب إيرانية – أميركية ولذا طوّر الإيرانيون نوعاً من حرب العصابات البحرية قوامها مئات الزوارق السريعة «الانتحارية» وتلك المزودة بصواريخ، والألغام، والغواصات الصغيرة، وصواريخ بر _ بحر، والطوربيدات، والطائرات المسيرة، وقوات الكومندوس، وكلّها موزعة على شبكة مواقع ونقاط محصنة فوق الأرض وتحتها على طول ساحل الخليج الفارسي بشكل لا مركزي بحيث لكل وحدة قتالية مهام محددة سلفاً وهامش من الابتكار في حال الانفصال عن القيادة المركزية نتيجة الهجمات الأميركية. كلفة كل هذه الاستعدادات الإيرانية ربما لا تعادل كلفة حاملة طائرات واحدة (بلغت كلفة حاملة الطائرات الأحداث جيرالد فورد حوالى 13 مليار دولار) مع كلفة تشغيلها وصيانتها السنوية مع مجموعتها القتالية (يومياً تكلّف 7 ملايين دولار). هكذا لا يعدّ حاسماً مقارنة الموارد العسكرية بين البلدين، بل مجدداً الأهم هو «استراتيجية التحويل» و«سياق» المواجهة.
يضيف الإيرانيون إلى مفهوم الحرب اللامتكافئة عناصر ثقافية وأيديولوجية يجادلون أن العدو يعجز عن معرفتها أو فهمها. فحين يقال الحرب اللامتكافئة فمعنى ذلك، بحسب الإمام الخامنئي، أن أحد الطرفين يتوفر على وسائل وأدوات لا يتوفر عليها الطرف الآخر، وذلك في سياق حديثه عن سيدة تركمانية حجّت نيابة عنه وهو ما اعتبره من عوامل الانسجام والقوة التي لا يمكن للأميركيين تحليلها. ويرى الإمام الخامنئي أن الجانب الروحي والمعنوي (الثقة بالله والتوكل عليه والاستعداد للتضحية والإيمان بالنصر النهائي) هي من عناصر القوة اللامتكافئة، ففي هذه الحرب «الإرادات هي التي تحارب».

سادساً: العقوبات الاقتصادية
هنا تتجلى الأفضلية الأميركية المستندة إلى سطوة واشنطن على الاقتصاد العالمي من خلال الدولار والمؤسسات الدولية والتفوق في مجالي التكنولوجيا والأسواق المالية. لذلك يصنف الإيرانيون العقوبات الأميركية على أنها «حرب» (ويؤكد الإمام الخامئني على أن الحظر الحالي غير مسبوق)، وهذا يعني تلقائياً أن الإيرانيين سيستجيبون بالمقاومة لا بالرضوخ كما يتوقع ترامب. لكن لا شيء يلزم الإيرانيين ممارسة الحرب بذات النمط الأميركي وإن كانوا سيحرصوا على عدم المبادرة لاشتباك مباشر مع الأميركيين ولكن سيخلقون بيئة صراعية مع واشنطن. وما دامت واشنطن تجد في الاقتصاد مجالاً يمنحها الأفضلية، انتقلت إيران إلى مجال آخر يمنحها الأفضلية وهو مضيق هرمز.
السؤال هنا ليس إن كانت العقوبات ستُلحق أذى بإيران وشعبها، بل إن كانت تكاليف هذه العقوبات ستؤدي إلى إخضاع النظام ودفعه نحو تفاوض وفق الشروط الأميركية. ولكي يحصل هذا الأمر لا بد من توفر جملة عناصر: (1) استمرار العقوبات لوقت كاف، (2) عجز إيران عن التكيف النسبي اقتصادياً ومالياً ونقدياً (التقشف والإصلاحات والبدائل)، (3) تفكك الوحدة الوطنية والتأييد الشعبي حين تشتد نتائج الحصار (الرأي العام الإيراني في معظمه يجد في ما يجري محاولة لإذلال بلاده بعد التزامها بالاتفاق النووي)، (4) عجز إيران عن موازنة العدوان الاقتصادي بخطوات أمنية وعسكرية وسياسية (تقليص التزاماتها النووية) قادرة على دفع واشنطن نحو خطوات تراجعية.
يسعى الإيرانيون إلى احتواء آثار العقوبات، وهنا يشير الإمام الخامنئي (أيار 2019) إلى الحاجة لعدة إجراءات ضرورية: تقليل تبعية الاقتصاد الإيراني للنفط وزيادة الصادرات غير النفطية، والحد من التدخل المفرط للحكومة في الشأن الاقتصادي لصالح القطاع الخاص، وتخفيف التعقيدات البيروقراطية للاستثمار والأعمال التجارية، وإصلاح النظام المصرفي، وإيجاد فرص للشباب في مجالات الابتكار، ومواجهة الاحتكارات، وتوفير بدائل محلية للتكنولوجيا اللازمة للصناعات، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع الإستراتيجية ولو كان استيرادها مجدٍ اقتصادياً أكثر كي لا تتعرض إيران للابتزاز، وترشيد الاستهلاك (كما البنزين)، وإزالة العقبات أمام الإنتاج المحلي ولا سيما الزراعة.
لكن لتقدير الأثر المحتمل للعقوبات يمكننا الإحالة إلى دراسة حديثة (آذار 2018) لمارتين سميتز، مدير قسم في مؤسسة التدريب والتعاون التقني في منظمة التجارة العالمية (نشرها قسم الأبحاث الاقتصادية والإحصاء في منظمة التجارة العالمية)، ووجد فيها أنه كلما كان مستوى الطموح والتغيير المطلوب من فرض العقوبات عالياً، كلما أصبح أكثر صعوبة أن تُحقق العقوبات نجاحاً. والأهم وجد سميتز، بالعودة إلى عدة دراسات إحصائية، أن أثر العقوبات يبدأ بالتراجع بشكل حاد بعد السنة الأولى أو الثانية من فرضها بسبب تكيّف الدولة المستهدفة، وتشتمل هذه الملاحظة حالة الحظر على صادرات الطاقة الإيرانية. وهنا يأتي دور الطرف الثالث من خلال الانخراط في أنشطة اقتصادية مع الدولة المستهدفة كأبرز عامل في تقويض العقوبات. ورغم ما تركته العقوبات على إيران منذ 1979 (حرمتها من حوالى 160 مليار دولار من مبيعات النفط لوحدها) من أضرار اقتصادية ومالية هائلة إلا أن آثارها السياسية كانت معاكسة إذ عززت من الوحدة الداخلية للنظام وشحنت الرأي العام الإيراني بالعداء ضد الولايات المتحدة ودفعت إيران نحو الصين وروسيا والأوروبيين. ويختم سميتز بأن «إجراءات العقوبات دائماً لها كلفة ولكن ليس على طرف واحد، فأولئك الذي يفرضون العقوبات يمكن أن ينتهي بهم الأمر بأن يطلقوا النار على أقدامهم».

خاتمة
إذاً وكما تشير مقاربة «القوة العلائقية» إن امتلاك الموارد الأكبر ليس معياراً كافياً لتحديد الأقوى بل القدرة والكفاءة والرغبة في استخدامها يكون أكثر أهمية. إن «الإرادة» لاستخدام الموارد مهمة جداً إلى المستوى الذي يعتبر فيه جيفري هارت عنصر «الإرادة» أحد موارد القوة. وفي هذا السياق يصف الإمام الخامئني المواجهة الأميركية – الإيرانية الحالية على أنها صراع إرادات. ما يُقلق الأميركيين من التجربة الإيرانية يتجاوز بروز دولة تُحسب على العالم الثالث تقوم بدور استقلالي وترفض الخضوع، الأخطر أنها تنجح في المواجهة، فليس الأمر مجرد عناد أو موقف عقائدي بل يؤدي إلى تحولات في الواقع، وكل ذلك يجري في لحظة سؤال أميركية حرجة عن موقعها في العالم. فرق كبير بين أن تسدد لكمة للمصارع الخصم في الجولة الأولى وبين أن تسددها في النصف الثاني من المباراة.
* أستاذ جامعي