تشكل زيارة شيخ قطر، تميم، لواشنطن مناسَبة مناسِبة للغاية لاستعراض طبيعة العلاقات بين مشيخات الخليج، جميعها، من جهة، ولندن وواشنطن من جهة أخرى. فبينما يحاول بعض «المؤجرة أقلامهم» عرض تلك الزيارة على أنها دليل على حضارة شيخ قطر وعلى احترام واشنطن لحاكم الدوحة، فإن المرء ليس في حاجة إلى قراءة ما بين سطور ما توافر من مقاطع فيديو عنها، إذ إنها تظهر طبيعة تلك العلاقات وجوهرها على نحو جليّ غير قابل للتأويل.

فعلى سبيل المثال، ظهر حاكم الدوحة عند استقباله، وفي حفل العشاء المقام له، مرتديًا بدلة غربية الطراز وحذاءً بدلاً من اللباس الوطني في الخليج، أي الدشداشة وزنوبة. يبدو أن الشيخ أراد تقديم إثبات مضاعف على مدى التزامه بالغرب، قلبًا وقالبًا، وأنه «مودرن» جدًا.
الأمر الثاني الذي لفت أنظار مشاهدي مقاطع الفيديو ذات الصلة أن حاكم الدوحة تحدث إلى أصحاب دعوته إلى مأدبة العشاء باللغة الإنكليزية بدلاً من لغته الأم، العربية، وكأنما أراد القول إنه ملتزم التزامًا كاملاً بالولاء للغرب.
بالمناسبة، حفل العشاء هذا أقامته وزارة الخزانة الأميركية وليس البيت الأبيض، كما هي العادة في العلاقات بين رؤساء الدول. إن إقامة وزارة الخزانة الأميركية مأدبة عشاء لحاكم الدوحة يعكس العلاقة بين الطرفين. وزارة الخزانة مسؤولة عن جمع الأموال للخزينة الأميركية، والمدعو واجبه الدفع.
إذا كان الأمران السابقان تعبيرين هامشيين في ظن البعض، فإن محتوى خطاب حاكم الدوحة يعبِّر تعبيرًا واضحًا لا يقبل التأويل عن ذيلية العلاقة بين الطرفين. فقد أعلن حاكم الدوحة أن ميزان المدفوعات بين قطر والولايات المتحدة يميل ميلاً كاملاً لمصلحة واشنطن، وما الانشراح الذي علا محياه والابتسامة التي غطت فاهه إلا دليل على مدى سعادته للأمر، وكذلك ضحكات الحضور من الأميركيين وممن والاهم. من الأمور المعروفة أن كل حاكم يحرص على أن تميل كفة علاقات بلاده مع الدول الأخرى، اقتصادية وثقافية وغيرها لمصلحة الأول، وهو تمامًا ما يفعله الرئيس الأميركي مع الصين وغيرها. أما أن يجد حاكم الدوحة أن ميل ميزان مدفوعات بلاده مع واشنطن لمصلحة الأخيرة أمر يدعو إلى سعادته، فمسألة تدعو إلى التعجب، فقط إن لم يُعرف السبب. ترى ما رأي القطريين في المدى الذي ذهب إليه حاكمهم في محاولة كسب ودّ واشنطن ورضاها عنه؟ يمكن لأي إنسان غيور على بلاده ومصالحها ومصالح أمته تصور رد فعله على هكذا علاقة لا يمكن وصفها سوى بأنها ذيلية.
إضافة إلى ما سبق، فكليبات الفيديو القصيرة المنشورة تحوي براهين أكثر مهانة لقطر ولشعبها. إنّ إثناء الرئيس الأميركي على قطر لأنها تكفّلت بدفع كل كلفة تطوير قاعدة العديد، أي 8 مليارات دولار، قبل أن يطلب منها ذلك، يوضح أنه يثني على التلميذ النجيب الذي حفظ الدرس ولم تكن ثمة من حاجة لأن يذكّره الرئيس الأميركي بفضائل السيد عليه، كما فعل مع مشايخ السعودية والإمارات. لقد أخجل هذا المقطع من خطاب ترامب حتى أبواق الدعاية القطرية التي كانت تنقل وقائع الحفل مباشرة، فاضطرت إلى وقف ترجمة المقطع الذي يقول فيه حاكم البيت الأبيض لحاكم الدوحة إنه أمر جيد أنكم دفعتم الكلفة كاملة؛ وبإمكان المشكك العودة إلى التسجيل المتوافر في الإنترنت.
أما مسألة الإفصاح عن مجمل استثمارات قطر في الاقتصاد الأميركي، أي 183 مليار دولار، فنحولها إلى الرئيس التركي حليف الدوحة والذي تعاني بلاده اقتصاديًا ما تعانيه أيضًا بسبب مشاكله مع واشنطن، وأيضًا إلى الذين يكيلون المديح للدوحة على الفتات الذي ترمي به للأردن وتونس وغزة والسودان، مع أنه يتم أصلاً بأمر واشنطن كما تبيّن.
بمقارنة مقاطع زيارة حاكم الدوحة بمقاطع لقاءات مشايخ الخليج الفارسي وزياراتهم لواشنطن، يجد المرء أن الجامع المشترك بينها هو حرص المشايخ جميعهم على تقديم كل منهم نفسه على أنه الأكثر حرصًا على مصالح واشنطن في الخليج، وأنه الأكثر تأهلاً من زملائه وإخوته ــــ الأعداء لخدمتها وخدمة مصالحها الاستعمارية في المنطقة وعالميًا.
ترى، ما رأي شعوب تلك المشيخات في حكامهم وتصرفاتهم؟ لكننا نعرف رأي لندن فيهم، ولنا عودة إلى هذا. لنعد قليلاً إلى التاريخ القريب واستشارة وثائق الحكومة البريطانية ذات الصلة بقرارها الانسحاب من الخليج الفارسي في عام 1966، ومنح الاستقلال للمشيخات التسع وهي: أبو ظبي، دبي، البحرين، قطر، عجمان، أم القيوين، الشارقة، رأس الخيمة وعجمان. لقد أثار قرار حكومة هَرُلد وِلسن العمالية منح المشيخات التسع الاستقلال موجة من الإحباط واليأس بين حكامها، بل إن بعضهم أصيب بالكآبة. فالوثائق البريطانية ذات الصلة توضح بكلمات لا لبس فيها أن الحكام كانوا يرفضون الاستقلال ويستجدون لندن الحفاظ على استعمارها لهم وذهبوا في سبيل إقناعها بذلك عرض تحمل كلفة بقاء قواتها هناك، سواء علانية أو سرًا. أما كراهيتهم لبعضهم البعض فقد وقفت، دومًا وفق الوثائق البريطانية الرسمية ذات الصلة المفرج عنها، حائلاً دون تشكل «اتحاد الإمارات العربية» وفق إعلان دبي في شباط عام 1968، والتي استحالت عداوات بين المشيخات نفسها، وبين بعضها وجيرانها، وهو ما يشرح حالة العداء بينها في الوقت الحاضر، ولنا عودة إلى هذا الموضوع أيضًا.