هو سؤال مشروع، من حقنّا أن نسأله. ومن واجبنا أيضاً أن نجيب عليه بكل وضوح وبكل صراحة، ومن دون مواربة أو مراوغة أو حتى مكابرة؛ بل من واجبهم هم أن يجيبوا على هذا السؤال، ومن دون تشاطر أو حتى تكاذب. نعم، هم، ونحن نعرف من هم. جميعهم، أو لنقل معظمهم، أو حتى سوادهم الأعظم، من دون استثناء، ولا حتى فلسفة، لدى محاولة الرد أو ربما الإجابة على مثل هذا السؤال المطروح. هل انتهت الحرب الأهلية اللبنانية فعلاً؟ فلنُجب على هذا السؤال. لتكن لدينا جرأة مواجهة الحقيقة، أو على الأقل قولها كما هي، لا كما يحلو لهم هم أن يخبرونا، أو ربما كما يحلو لنا نحن أن نسمعها أو نراها.عندما يُمنع أحد، أي أحد، وهو، في نهاية المطاف، مواطن لبناني، قبل أن يكون أي شيء آخر، من أن يمارس حقه في التملّك، وهو حقه الذي يكفله القانون والدستور، حيث يريد، وحيث يشاء هو وحده، ولا أحد سواه، على امتداد الأراضي اللبنانية، وعلى كامل هذا التراب الوطني الذي ارتوى بدماء الشهداء والضحايا الأبرياء على حد سواء، وذلك لاعتبارات أو حسابات فئوية، طائفية أو مذهبية أو مناطقية؛ وعندما يمنع أيضاً مسؤول سياسي، أي مسؤول سياسي، سواء كان وزيراً أو نائباً أو رئيس حزب أو تيار سياسي... من أن يزور هذه المنطقة أو تلك المدينة أو البلدة، أو يدخل إلى هذا الحي أو ذاك الشارع؛ وعندما ترتفع نبرة وحدّة الخطاب السياسي الفئوي أو الجهوي، العنصري والطائفي والمذهبي؛ فنحن ما نزال نعيش، أيها السادة، نفس الأجواء أو الظروف، السياسية والاجتماعية، التي أدت، في الأمس القريب أو الماضي البعيد، إلى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية والاقتتال الداخلي بين اللبنانيين!

ترى ألم نتعلّم بعد، نحن اللبنانيين، على اختلاف مشاربنا وانتماءاتنا واتجاهاتنا، مما حصل معنا وبنا؟ أيعقل بعد كلّ هذه السنين، ومعها كل تلك المعاناة وكل تلك التضحيات والخسائر في البشر والحجر، أن نقع من جديد فريسة الفتنة؟ ونحن لا نزال نعاني، حتى هذه اللحظة الزمنية والسياسية، من أهوال ومفاعيل الحروب والنزاعات المسلحة والمعارك التي نشبت على أرض هذا البلد الصغير. وهي لم تكن أصلاً، بكاملها، حروبنا ومعاركنا، وإنما حروب ومعارك الآخرين من القوى الخارجية، الدولية والإقليمية، تضاف إلى أحقادنا وضغائننا وكراهيتنا. نحن جميعاً نكذب. نعم، هذه هي الحقيقة. فالحرب لم تنته بعد! وهي لن تنتهي، على ما يبدو، في المدى المنظور أو القريب...
ثم يتحدثون، وبالفم الملآن، عن خصوصية هذه المنطقة «الجيوسياسية» أو تلك. ويبنون لأنفسهم قصوراً وممالك. فلكل منهم مملكته الخاصة، ربما في هذا الزاروب أو ذاك من زواريب وأزقة البلد. لكل منهم مملكته الخاصة به؛ وكذلك ومربعه الأمني أيضاً. فحذار أن تدخلوه أو تقربوه. وبعدها، يأتون إليك ليحدثوك، في حفلة من المزايدات الوقحة، عن الشرعية وعن سيادة الدولة وسلطانها.

نعيش، في الواقع وفي الحقيقة، فدرالية مقنّعة غير معلنة

فأين نحن من كل ذلك؟ وأكثر من هذا. فهم أيضاً ينزعون، في بعض المرات وفي بعض الأحيان، عن هذه «التلة»، أو ربما تلك «المزرعة»، صفة السيادة اللبنانية، وكأني بهم يحتفظون بصكوك الملكية، فيوزعونها يميناً ويساراً، تبعاً لما تشتهيه أنفسهم وأهواؤهم السياسية، القبلية والعشائرية والعنصرية. وفي ذلك مخالفة واضحة للقانون والدستور، بل تجاوز فاضح لكل منهما، وارتكاب متعمّد لجريمة الخيانة العظمى بعينها. فأين نحن من سيادة الدولة ومنطقها؟ وأين هي هيبة الدولة، أو ما تبقى من فتاتها وحطامها، في خضم هذه الحرب المبطنة أو المقنعة، الباردة تارة والحامية تارة أخرى، والتي تسخن وتحتدم وتستعر في العديد من المناسبات أو المحطات أو اللحظات الحاسمة أو الحرجة من تاريخ هذا البلد والدولة القائمة فيه، هذا على افتراض أنها قائمة على أرض الواقع وفي الحقيقة وموجودة بالفعل. فبئس هذا الزمن السياسي بمفرداته وتعابيره ومشاهده المقرفة والمقززة.
نعيش، في الواقع وفي الحقيقة، فدرالية مقنّعة غير معلنة. وهي أخطر ما تكون على السلم الأهلي والعيش المشترك وأمن واستقرار هذا البلد. هي فدرالية الطوائف والمذاهب والأحزاب السياسية الطائفية والمذهبية ومناطق النفوذ المغلقة أو المقفلة، والتي تسودها وتهيمن عليها قوى الأمر الواقع، من أمراء الطوائف والمذاهب وأمراء الحرب والميليشيات؛ ومعهم حيتان المال والمرابون ومصاصو الدماء من أصحاب المصارف والعقارات ورؤوس الأموال، وسواهم أيضاً ممن يتحكم بالقرار السياسي في هذا البلد، بل بمقدراته وثرواته، وهي حقوقنا نحن، وملكنا نحن، من رموز وأعلام هذه الطبقة السياسية، الفاسدة والساقطة؛ وفيها مفارقة التحالف المشبوه وغير المألوف وغير المسبوق، بين الإقطاع التقليدي والمالي السياسي.

* أستاذ محاضر وباحث مشارك في العلوم السياسية والإدارية والعلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية وجامعة مونپلييه الفرنسية