يقول البعض، إن البشريّة في الطريق الصحيح، ممّا يعني أنّها قطعَت شوطاً كبيراً في المسار الإنساني نحو الطوباويّة البشريّة التي يدّعي البعض أنّنا لم نعد بعيدين عنها، ويقول البعض الآخر إنّه بفضل الحضارة الغربيّة وبعد «نهاية التاريخ» وفق المنظور الفوكويامي (نسبة إلى فرانسيس فوكوياما)، نجحت الدول الليبرالية الرأسمالية بنقل العالم إلى طورٍ جديد. بهذا أثبتت المنظومة الليبرالية، التي تنصعُ بياضاً، بأنّها وحدها هي القادرة على وضع حدٍّ لمشاكل البشرية، كيف لا، وهي من نجحت بالتعامل مع أكبر أعداء الإنسان، وهم: الحروب، الأوبئة والمجاعات، والتقليل من وطأتهم.

هذا هو الطرح الليبرالي، الذي يُشكّل توأمةً لطرح الدول الغربيّةِ التي تفرضُ نفسها كونها المسؤولة عن المنظومةِ الدولية التي نعيشُ فيها. لكن، يُسأل السؤال، حول الكيفيّة التي باتت بها هذه الطروحات واقعاً غير قابلٍ للتفنيد، وما هي الوسائل الناعمة والخشنة التي استخدمتها دول ما يُعرف بالحضارة الغربيّة لتثبيت فوقيّتها ثقافياً وتربوياً وأخلاقياً، ومن همُ الضحايا الذين دفعوا ثمناً تنميطياً من أجل تثبيت هذه الصورة والأفكار التي نعرفها عن الغرب.

ملصق فيلم «الديكتاتور» - 2012

عند الانتصار والظفر والفوز، هنالك سقوط وانحطاط في الاتجاه العكسي، وإن تفوقت ثقافة ما وأثبتت أنها هي الملاذ البشري الوحيد وأن بها فقط نكرّس الحياة، فحتماً في الاتجاه المعاكس تُوجد ثقافة وحشيّة تُشجّع على الموت ولا ترى في الحياة قيمة عليا. وعند ترسيخ علو شأن ثقافة أو حضارة ما، فلا بدّ من خلق ثقافة أو حضارة مقابلة، يتغذّى الغرب من انحطاطها ومن دنو شأنها. مثل كل الجماعات والمجموعات، العضويّة منها والطوعيّة، لا بد من خلق الآخر أوّلاً، ومن فرض الحدود ما بين الأنا المختلق وما بين الآخر المختلق، حتى تتّضح الفوارق وتتجلّى المعالم ما بين المختلق الذاتي وما بين المختلق الآخروي. ووفق منظور إدوارد سعيد، فقد كانت الضالة في الآخر الشرقي.
لقد حظيَ الاستشراق، الذي حاول من خلاله سعيد تفسير توجّه الغرب للشرق ببحث كبير، فلم يقتصر الاستشراق على السياسة والاقتصاد والأنثروبولوجيا، بل ذهب أبعد من ذلك لكي يصير أداة ناجعة في التحليل الإعلامي، لتُصبح الصور التي نتلقاها عبر مختلف أنواع الشاشات والأجهزة قابلة للتفسير والتأويل عبر طروحات سعيد، فالإعلام بطبيعته ليس بريئاً، وليس موضوعياً، مهما حاول ادّعاء عكس ذلك، وكذلك هي كافة الصناعات التلفزيونيّة والثقافيّة عموماً، وذلك يشمل السينما، الموسيقى وغيرها من وسائل الثقافة الشعبية. من هذه البوابة بالذات، سأحاول الولوج إلى الاستشراق، بأبعاده الثقافية والتربوية، وتحديداً من خلال ما يُعرف بالفنّ السابع، أي السينما.

الاستشراق
الاستشراق هو مصطلح نقديّ، أتى ليفكّك ويحلّل موازين القوى ما بين الغرب والشرق، وقد ظهر في المرة الأولى عام 1978 من خلال كتاب إدوارد سعيد «الاستشراق»، الكتاب الذي نجح في الاستحواذ على أصداءٍ غير مسبوقة، وبزعزعة الرؤى والمباني الثقافية الغربية التي تتعامل مع الآخر باستعلاء وفوقية، بل ونجح كاتبه في إظهار التضليل الممنهج الّذي يكمن في توجه الغرب إلى الشرق.
وظّف سعيد المصطلح لتوضيح العلاقات ما بين الدول الأوروبية والشرق، وقد كان الادعاء المركزيّ الذي رافق الكتاب حتى صفحاته الأخيرة، أن الشرق ما هو إلا صنيعة ابتدعها الغرب، وخلقها وكأنها وحدة واحدة، للتثبيت من نفسه ومن مكانته، وقد قام الغرب بعزو كل ما يرفضه ويستنكره في نفسه ويدّعي أنّه يحاربه، إلى هذا الكيان المخلوق الذي يُدعى الشرق، فعن طريق الخلق والفصل والغزو، نجح الغرب بتثبيت مكانته المنفصلة عن الشرق.

ملصق فيلم «علاء الدين»، «والت ديزني» - 1992

ادّعى سعيد من خلال كتابه أنّ الثقافة الغربية الأورو-مركزية، بُنيت بناءً على تراكمٍ من التنميطات المغلوطة التي صنعتها حول آسيا والشرق الأوسط، ولم تكن هذه التنميطات بريئة من حيث المآرب الكولونيالية التي كانت تكمن وراءها.
لم يكن الشرقيّ وفق هذا الموروث الاستشراقي الغربي، في الأدب، العلم، السياسية، الاقتصاد والثقافة، سوى وحشٍ همجي في أحيان، أو بربري يعبق بالشبق الذكوري في أحيان أخرى. هو الهزيل الضعيف أمام الجبروت الغربي، وهو المنحط أخلاقياً أمام التسامي الأخلاقي الغربي، ولا يعزّز من انحطاطه سوى الخدر اللاهوتي الذي يتعاطاه على الدوام، وهذا ما يبقيه متأخراً أمام عجلة التقدم والتنوير الغربية التي لا تتوقف عن الدوران. وبهذا، يتحوّل الإنتاج الاستشراقي إلى ذريعة تُلزم الغرب بترويض هذا الوحش الشرقي الهائج، وإعادته إلى المسار الإنساني السليم، ولا يتم ذلك دون استعمار يمارسه الغرب على الشرق. وبكلماتٍ أخرى، ليس الاستشراق سوى أحد السّهام التي يحملها الغرب في جعبته الاستعمارية، ليشرعن من خلاله – أي الاستشراق – طموحاته في الهيمنة والتوسع.

الاستشراق في السينما
تنميط الشرق، بما يحمله من ميثولوجيا مدجّجة بالمعاني الأيديولوجية ليس حكراً على الأدب وعلى الإنتاج المعرفي كما ذكرت سابقاً، بل هو حاضرٌ بقوّة في المجال البصريّ مثل السينما، التلفزيون، الدعاية وغيرها... التأطير العنصريّ للشرق في السينما، ليس وليد العصر والمرحلة، بل هو قائم منذ أن ولدت الشاشة السينمائية، حيث كان الشرق دائماً مكاناً للتّجارب الساحرة والغريبة، ولرؤية أشخاص غير معتادين، ولا بد أيضاً من التركيز دوماً على الجغرافيا الوعرة التي ترافق الشرق في مشاهد الأفلام المختلفة، فلا شرق بدون الصحراء والرمال والجِمال.
خلال أيام الحرب الباردة، سعى الإعلام الغربيّ إلى تصوير الشيوعيين والاتحاد السوفيتي كأنهم هم الشّر المطلق الذي يكمن في عالمنا، وأنّهم يسعون إلى خرق السلم والأمان الكوني، لكن وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي، بدأت صناعات الأكشن الهوليوودية تفتقر إلى العدو الغاشم، إلى الهدف الذي ستتجنّد المخابرات الأميركيّة برمّتها لمحاربته، وللحدّ من خطورته من أجل إعادة الاستقرار والسلام والطمأنينة إلى نفوس عائلات وأطفال الطبقة الوسطى الأميركيّة، بل لعائلات العالم أجمع. ولم يكن هذا الفراغ ليدوم طويلاً مع تقهقر الشبح الشيوعي، إذ أنّ الشخصيات السيكوباتية الأميركيّة لا تستطيع وحدها أن تشكّل مادة دسمة لصناعة أفلام الإثارة، فلا بد من وجود آخر خارجي لكي تتجند وكالات الأمن الأميركية لمحاربته، وقد وجدت هوليوود آخَرَها في الشرق، وبالتحديد عند العرب والإسلام. ولم يكن من باب الصدفة التوافق ما بين الصناعات السينمائية الهوليوودية وما بين السياسات الخارجيّة الأميركية، فالاستعمار الثقافيّ ما هو إلا بمثابة الذريعة وإعطاء الشرعية والغطاء الأيديولوجي للممارسات الاستعماريّة على أرض الواقع.
قال الباحث جاك شاهين في هذا الصدد، إن هوليوود تكرّس أربع صورٍ نمطية عن الشرق: الغنى الفاحش، البربريّة وعدم ركوب ركب الحضارة، الوحشية الجنسيّة، والميول العنيفة للقيام بأعمال الإرهاب.

هووليود ما بعد 11/9
بعد أحداث الحادي عشر من أيلول /سبتمبر 2001، قامت هوليوود بردٍّ سينمائيٍ عنيف تجاه الشرق، هذا الرد الصوريّ والسينمائيّ أجّج حالة الكراهية، الفوقيّة والعنصرية تجاه الكائن الشرق أوسطي، بل ومهّد الطريق للإسلاموفوبيا بأبشع صورها. ساهمت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر بتصعيدٍ في عسكرة السياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط، إذ بدأت الولايات المتحدة بالتصرف بوحشيةٍ غير اعتيادية، وباستخدام القوة والتدخلات والاجتياحات المباشرة لتطبيق سياساتها في الشرق الأوسط وبسطه تحت هيمنتها، وهذه الحروب التي شنّتها الولايات المتحدة على أفغانستان، والعراق باتت هي الموضوع المركزيّ لعددٍ كبير من أفلام هوليوود، وبالتحديد أفلام الإثارة «الأكشن».
هذه الأفلام ترتكز إلى بطولة وشجاعة الجندي الأميركي الذي يحارب «الإرهاب» من أجل إحقاق العدالة الإنسانيّة ـ هذا من جهة ـ أمّا من جهةٍ أخرى فهي تعتمد على نزع الإنسانيّة عن الطرف الآخر – أي العربي والمسلم – وإظهاره بمظهر الإرهابي الملتحي والمتوحش، وليس هذا فقط، فهذا الجبروت العربيّ العظيم، يتحوّل في لحظاتٍ إلى حالةٍ من الجبن والهلع، وذلك عند مواجهة بسالة الجنديّ الأميركي. وهكذا، باتَ الربط ما بين العروبة والتخلف أكثر فجاجة ووضوحاً.

علاء الدين
«جئت من أرضٍ بعيدة جداً، حيثُ تطوف الجِمال مع هوادجها. حيث يقطعون أذنك إن لم يعجبهم وجهك، إنها بربرية ولكنها الموطن (...) اصعد على بساط الريح وطِر معنا إلى ليلة أخرى من الليالي العربية». بهذه الكلمات، ومع الموسيقى المفعمة برائحة الشرق وسحره، عبق «ألف ليلة وليلة»، ومشاهد الجِمال وهي تطوف الصحراء، يبدأ فيلم علاء الدين، لكي يدخلنا ومنذ لحظاته الأولى إلى ذاك المكان البعيد، المليء بالسّحر والمشاهد الغريبة، لكن وأيضاً بالوحشيّة والعدوانية والبربرية، الذي يُدعى «الشرق». لكن على الرغم من قيام «ديزني» وصنّاع الفيلم لاحقاً بحذف بعضٍ من كلمات أغنية الليالي العربية، بسبب الجدل الكبير الذي أحدثته في الأوساط العربية والإسلامية في الغرب، إلا أن الجوهر الاستشراقي بقي حاضراً في جميع مشاهد الفيلم.

ملصق فيلم «علاء الدين» - 1952

لعلّ فيلم علاء الدين هو النموذج الكلاسيكي الأكثر وضوحاً للاستشراق في الصناعة السينمائية، لما يحتويه من تنميط تجاه الشرق، إذ أكدّت الباحثة الأميركية ميليسا موت أنّها بعد أن شاهدت الفيلم عدّة مرات، ترسّخ لها أنّ العرب هم الشخصيات التي رأتها في الفيلم، وأنّ الأطفال في الولايات المتحدة، حتى بعد أن نضجوا عمرياً، ما زالوا يعتقدون أن الصور التي عرضتها «ديزني» لهم أثناء طفولتهم، ليست سوى عرض للواقع العربي والشرقي.
تدور أحداث الفيلم في مدينة «أغربا» المُتخيّلة على هيئة الشرق، بصحرائها المقفرة، ببيوت الطين المتواضعة الموجودة فيها، وبالطّبع بقصورها الفخمة التي يختص بها أغنياء القوم. يقوم الفيلم باستعراض قصة الشاب علاء الدين، الذي يعتاش من السرقة والاحتيال، ويقعُ لاحقاً في حب الأميرة ياسمين، التي لم تكن من خلال قصة الفيلم سوى ضحية للسلطة الأبوية والذكورية التي ترسّخها الثقافة العربية، والتي أتى أميرها ليحرّرها من الكبت والقمع الذي كابدته بعد أن قام بنزع صفاته العربية البربرية عن نفسه، والتحاقه بركب الحضارة والتقدم فصار يشبه شباب الغرب بصدقه، أناقته ومشاعره الجياشة.
ضمن هذا العرض المبتذل نرى بوضوح تقسيم العالم إلى معسكرين، معسكر الخير المتمثل بعلاء الدين وياسمين، ذوي البشرة الفاتحة مقارنةً بباقي شخصيات الفيلم، والذين يجيدون الحديث باللهجة الأميركية، ومعسكر الشّر المتمثل بجعفر وزمرته، أصحاب البشرة الداكنة، وذوي اللهجة الثقيلة التي سيستثقل أطفال «العالم الأول» سماعها.

الديكتاتور
للكوميديا سماتها، وللعنصرية مساحاتها الآمنة، وهكذا هي الحال في أفلام الكوميديا الهوليوودية، إذ لا عتاب على صنّاع السينما من توظيف العنصرية، تجاه السود، الآسيويين، الهسبان، المهاجرين عموماً، وبالطّبع، شعوب الشرق الأوسط. ففي الكوميديا، وبعيداً عن لغة الصواب السياسي، النكات العنصرية تُحسبُ لكَ، لا عليك، وبإمكان الصور النمطية أن تجد أرضيّةً خصبةً لها تتغذى منها لكي تُعرضُ بأقصى وأقسى درجاتها، وأكثرها إساءةً ومهانة، وغالباً دون أن يثير الأمر مشاعر الجمهور ويستفّزه.
لنا في فيلم «الديكتاتور» لمخرجه لاري تشارلز، وبطله ساشا بارون كوهين، نموذج واضح للاستشراق السينمائي الكوميديّ، وذلك بأكثر أشكاله فظاظةً وفجاجة.
الفيلم يحكي قصة الأميرال علاء الدين، رئيس جمهورية «وادية» المتخيلة، الجمهورية الغنية بالنفط. علاء الدين، الذي يقمع بلده بحبّ، والذي يبطش ويسحق من يريد من أجل التسلية والترفيه هو الزعيم الأوحد للبلاد، والذي يتحكم حتّى بقاموسها، إذ قام بتغيير أكثر من 300 كلمة مستخدمة في وادية إلى اسمه، علاء الدين، وذلك في خطوةٍ تشابه ما أقدم عليه الأخ الأكبر في «1984».
«جئت من أرضٍ بعيدة جداً، حيثُ تطوف الجِمال مع هوادجها، حيث يقطعون أذنك إن لم يعجبهم وجهك، إنها بربرية ولكنها الموطن»


ليسَ العالم العربي واحة للديموقراطية والحريّات، وحكّامه لا يشبهون بعضاً من علاء الدين في الطباع والعنف المفرط، لكن الفيلم، هو تجلٍّ صريح للمخيّلة الغربية وما تحويه من صورٍ استشراقية عن الشرق، إذ أنّ «وادية»، ومنذ بداية الفيلم، تظهر وهي تحيطها الصحراء، وتحوي من التناقضات الداخلية الكثيرـ وهذا من حيث الفقر المدقع من جهة وقصور الأغنياء من جهة أخرى، إذ لا اعتدال في الشّرق، لا في طباع الناس وأنماط عيشهم وأشكال بيوتهم، ولا حتى في الجغرافيا التي تحيطه.
ولعلّ «صراع الحضارات»، وفق تصوّر صامويل هانتنغتون هو أحد المظاهر الأساسية التي ترافق أفلام هووليود عند تناولها الشرق، إذ تستميت ماكنة الصّناعة الأميركيّة في تصوير الشرقيين، العرب، المسلمين وكأنهم وحدةٌ واحدة، لا فرق بينهم في الطباع والتطبع، في المظهر والجوهر، وبالطبع، بعدائهم الأبديّ لـ «عش الشياطين» كما قال الجنرال علاء الدين عن أميركا، وبرغبتهم بإبادة الحضارة الغربية وإعادة الأمجاد الغابرة للحضارة العربية الإسلامية، إذ لا يوجد في الشرق أنماط وتيارات وأساليب مختلفة في العيش والتفكير، لا يوجد ممّن يلهثون لتحقيق «حلمهم الأميركي»، لا يوجد ملايين المواطنين من العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، ولا يوجد مئات الآلاف ممّن يريدون أن يكونوا كذلك، وبهذه الرؤية السطحية، تتحوّل الحضارة لوحدة واحدة، لا تمايز بين أفرادها.
الفيلم يُعطي ملخصاً واضحاً لمن هو الشرقي في أعيُن الصناعات الغربيّة في عصر ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر، وذلك من خلال شخصية الجنرال علاء الدين، الذي ألصقت به كل الصور والأفكار النمطية الاستشراقيّة. علاء الدين صاحب الذقن الطويلة ليس سوى إمعة، بشع المحضر والمظهر، تحرّكهُ غرائزه السُفلى، ينظر إلى المرأة وكأنّها ملكٌ خاصٌ له، متعطّش للدم وللذبح، يكره أميركا والغرب، ويحاول بكل السّبل الممكنة تحصيل سلاح نووي لبلاده لمحو أميركا عن وجه العالم.

خلاصة
إذا كانت السينما، بوصفها فنّاً مفعماً بالحياة والصّور، يزخر بالدراما الإنسانية التي تغوص فوراً في حواس المتلقّي، من نافل القول والاعتراف أنّها تحظى بافتتانٍ واسع لدى الناس في شتّى بقاع العالم، وإن ما تحويه من خصائص ترفيهية، اجتماعية، سيكولوجية ووجدانية، من شأنه التأثير على وعي المشاهد، كائناً من كان، وذلك من خلال تذويت الدلالات الرّمزية التي ترافق الحبكة، الدراما والمشاهد السينمائية.
وبهذا، بات الاستشراق في السينما، بما يحويه من سلطة رمزيّة (وفق منظور بيير بورديو) وهيمنة ثقافية (وفق الرؤية الغرامشية)، أداة لتأبيد حالة العلو والتّسامي الثقافي لدى الغرب على باقي شعوب العالم، وبالتحديد الشرقية منها، وفي علاقة جدليّة (إن جاز التعبير) ما بين الثقافي والسياسي، أداة لتعزيز الهيمنة الأميركية ولشرعنة ممارساتها بحق باقي الشعوب، وأيضاً لكي تصبح هذه الهيمنة حالةً طبيعيّةً، مقبولة، بل وضروريّة.

* ناشط سياسي فلسطيني
(مجد الكروم، الجليل الأعلى)