من الواضح أنّ الإدارة الأميركيّة الحالية نجحت في تطويق إيران إلى أقصى حدٍّ منذ الثورة الإيرانية. فاستعمال سلاح الاقتصاد من خلال العقوبات تجاوز بنجاحه كل التوقّعات وانخفض إنتاج النفط الإيراني بما يقارب ٩٠٪ من ٢,٨ مليون برميل إلى ٠,٣ مليون فقط وفق التقديرات الأخيرة.

بالإضافة إلى ذلك، لم يسبق منذ الثورة الإيرانية أن وَضَعَت الولايات المتّحدة القيادة الإيرانية على لائحة العقوبات حتى في أصعب المراحل بين الدولتين. وأضحت إيران في مأزق حقيقي لأنّ كل خياراتها ستؤدي إلى مزيد من الانعزال الدولي. ففي حال عاودت طهران، على ما يبدو، إنتاج اليورانيوم المخصّب، ستخسر بخروجها من الاتفاق النووي الذي لا تزال تتمسّك به، الدعم الأوروبي وتزيد عزيمة واشنطن وحلفائها. أمّا في حال تعدّت على المصالح الأميركية وامتنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الردّ، فسيزداد الدعم الدولي للولايات المتحدة في صراعها مع إيران وسيتبدّل موقف الرأي العام الغربي الرافض للحرب.
كذلك، فإنّ رفض إيران القاطع للتجاوب مع الرسائل الأميركية للجلوس والتفاوض في المواضيع الخلافيّة يضع اللوم على القيادة الإيرانية فيما كانت تظهر في وضع المعتدى عليه. وحتى في حال قرّرت أنْ تبادر و تظهر حسن النيّة بالتنازل في بعض الأمور الأساسيّة كاليمن أو العراق لفتح باب التفاوض، فمن المتوقع أنْ تعتبرها الولايات المتحدة وحلفاؤها إشارة ضعف ونتيجة أولى للعقوبات، الأمر الذي سيزيد عزمها على تشديدها.
كانت سياسة إيران قبل التصعيد الأخير تستند إلى عنصر الوقت على أمل أنْ يسقط ترامب في الانتخابات المقبلة أو أنْ تؤدي التحقيقات بشأن دور روسيا في الانتخابات الأميركية إلى إقالته. مع انتهاء التحقيقات الفيديرالية من دون التوصّل إلى نتيجة ملموسة فضلاً عن الازدهار الذي حقّقه الاقتصاد الأميركي، تراجع احتمال تغيير الرئيس الأميركي في المستقبل القريب. وأدّى قرار ترامب قبل شهرين، الذي قضى بزيادة العقوبات، إلى تشديد الضغط على طهران، ما أدّى عملياً إلى الإطاحة بسياسة إيران المعروفة بـ«الصبر الاستراتيجي».
أصبحت إيران أمام مأزق وفي ضيق مالي لا قدرة لها على تحمّلهما، وبالتالي قرّرت تغيير قواعد اللعبة: لن تقبل إيران أن تبقى الولايات المتحدة وحلفاؤها الخليجيون في منأى عن الصراع ولن تكون هذه البلدان آمنة ومزدهرة طالما بقي الحصار على إيران. وتقوم هذه السياسة الجديدة على مبدأ أنّ أخصام إيران شنّوا حرباً اقتصادية ومالية واستخباراتية وإلكترونيّة، أي بمختلف أنواع الأسلحة ما عدا العسكرية، وبالتالي من حق إيران الردّ بكل أنواع الأسلحة بما فيها العسكرية.
ضمن هذا المنطق، يكون لدى إيران وسيلتان للضغط: الأولى هي الضغط العسكري، الذي يتدرّج من التضييق على طريق النفط أو ضرب الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، أو في أقصى حدود السيناريو الأسود، القصف الصاروخي على دول الخليج أو إسرائيل الأمر الذي سيُشعل حرباً إقليميّة. أما الوسيلة الثانية، والأقل خطراً في الفترة المنظورة، فهي «الضغط النووي» من خلال تخلّي طهران عن التزاماتها في إطار الاتّفاق النووي.
بدأت إيران في استخدام الوسيلتين، ومن الأرجح أنْ تُكثّف استعمالها لهما في الأسابيع المقبلة حتى تبدّل موازين القوى. ولكن كسر الحلقة الحالية قد يتطّلب حدثاً كبيراً: فإمّا أن يقع حدث أمني نوعي كالاعتداء على جنود أميركيّين تليه ضربة أميركيّة محدودة؛ أو أن يتم تسريع البرنامج النووي وتقريب موعد حصول إيران على السلاح النووي؛ أو الأمران معاً.
والسؤال ماذا بعد هذا الحدث: هل تقبل إيران بمفاوضات أو تصعّد من جديد حتى تتراجع الولايات المتحدة وتقبل بتخفيف العقوبات؟
في حال قبول الطرفين بالمفاوضات، سيواجهان تحدّياً من نوع آخر: لن تتنازل إيران عن دعم الحركات الموالية لها في الدول العربيّة مقابل تخفيف العقوبات فقط. فشروط وزير الخارجيّة الأميركيّة مايك بومبيو قد تُبحث في إطار تسوية شاملة إذ تعتبر إيران أنّ نفوذها في الدول العربية خطّ دفاعها الأمامي ولن تفاوض في شأن دورها الإقليمي إلّا في حال «صفقة كبرى» grand bargain وفق ما طُرِحَ في عام ٢٠٠٣. هذا الحوار سيتطلب أشهراً طويلة لذلك من الضروري أن يبدأ اليوم قبل الغد ولو في إطار غير رسمي.
لكن من المرجّح أنْ ترفض إيران التفاوض حتى بعد حصول عمل عسكري نوعي، لأنّها تعتبر أنّ هيبتها وسياسة الردع التي تنتهجها توجب عليها الردّ على كل ضربة. بالإضافة إلى ذلك، لدى طهران قناعة بأنّ الولايات المتحدة لن تتحمّل خسائر بشريّة وستتنازل عاجلاً أم آجلاً كما حصل في مراحل سابقة عندما انسحبت من لبنان والعراق وأفغانستان. وتراهن كذلك على احتمال التفاف الاتحاد الأوروبي والصين ودول أخرى على العقوبات الأميركية.
في هذه الحالة، قد تتكرّر العمليات العسكرية ويتطوّر النزاع إلى حرب مفتوحة تدخل فيها دول إقليميّة وتتحوّل إلى حرب شاملة ولو أنّ كل الأطراف لا تريدها.
إنّنا حتماً أمام تصعيد عسكري يحكمه حتى اليوم رفض الطرفين الانزلاق إلى حرب شاملة. ولكن سياسة حافة الهاوية من هذا الطرف أو ذاك قد تؤدي إلى تحقّق السيناريو الأسود.
لا تزال الفرصة قائمة لتفادي هذا السيناريو في حال امتنعت الولايات المتحدة عن الردّ على أي عمل عسكري مقبل والتزمت سياسة «الضغط الأقصى» التي برهنت فعاليتها. أو إذا بادرت إلى رفع ولو مؤقت لبعض العقوبات لتخفيف الاحتقان وحفظ ماء الوجه. وكذلك الأمر في حال تجاوبت إيران من جهتها مع الدعوة إلى مفاوضات من موقف أقوى على أن تكون مباشرة أو غير مباشرة، سرّية أو علنيّة، لتهيئة الأجواء لهبوط ناعم كي تكون هذه الأزمة مقدّمة لطي صفحة النزاعات الإقليميّة.
في ما يخصّ الانعكاسات المحتملة على لبنان، فهو مرتبط بهذه الأزمة على أكثر من مستوى: لأن استقرار منطقة الخليج عنصر أساسي في استقرار لبنان بسبب حجم الجالية اللبنانيّة هناك وعلاقاته العربيّة. ولأن لبنان معنيّ بمصير إيران التي تربطها علاقة عضويّة بـ «حزب الله». بالإضافة إلى ذلك، يمرّ بلدنا بأزمة ماليّة واقتصاديّة واجتماعيّة بالغة الدقّة ومرشّحة للتفاقم بسبب غياب الحوكمة وسوء إدارة الدولة والتي تحدّ من إمكانية تحمّل أعباء مواجهة شاملة مع إسرائيل.
في الوقت ذاته، وعلى الرغم من انقسامات الأحزاب، نجحت القيادات اللبنانيّة في الحفاظ على الحدّ الأدنى من التماسك الداخلي لحماية لبنان من العاصفة التي اجتاحت المنطقة منذ بداية الحرب السورية. وتحوّل وطننا، بفضل هذا التماسك، إلى ما يشبه الجزيرة النائية لناحية الاستقرار والتسامح في محيط مليء بالكراهية والدمار.
وحزب الله الذي نجح خلال العقد الماضي في دخول الدولة اللبنانية ولعب دور أساسي فيها، مدعوّ اليوم إلى تقديم مصلحة لبنان والجنوب ومؤيديه وجمهوره على أيّ اعتبار عقائدي أو إقليمي، والامتناع عن توسيع جبهة المواجهة إلّا في حال الدفاع عن النفس وفي إطار التنسيق والتعاون والتأمين مع أركان الدولة اللبنانيّة.

* نائب سابق وعضو «اللجنة التنفيذية» في حزب الكتلة الوطنية اللبنانية