في الأيام القليلة الماضية امتلأت الصحف الأجنبية وبالذات صحف الكيان الصهيوني بقضية مقتل أحد الشباب الإثيوبيين اليهود من قِبل شرطي «إسرائيلي» (بزيّ مدني)، ما أدى إلى مظاهرات عارمة في أماكن عدة في البلاد. للكثير من القرّاء كان هذا الخبر صادماً أو غريباً أو جديداً، وكان لوصف الإثيوبيين الدولة بـ «العنصرية» وقع خاص ومستغرَب على بعض المتابعين لهذه القضية.

صحيح أن هذا الشاب كان مواطناً عادياً ولم يشكّل أي خطر على أحد. ولو كان مواطنا أصلياً فلسطينياً لربما قلنا: «هذا هو الواقع الفلسطيني في دولة العنصرية الصهيونية». ولكن ما هو واقع اليهود الغير أشكنازيين، أي اليهود الشرقيين (وغالبيتهم من العرب)، وأصحاب البشرة السمراء؟ في هذه المقالة سأتطرق لبعض جوانب واقع اليهود الشرقيين وبالذات الإثيوبيين تاريخاً وحاضراً، لألقي الضوء على دورهم في دولة الاستعمار الكولونيالي.
بعكس مئات آلاف اليهود الشرقيين والذين أُحضروا بالقوة من البلدان العربية كجزء من الاستعمار الكولونيالي في أوائل ستينات القرن الماضي، إلا أن الهجرة الإثيوبية أو بالأحرى جلب المستوطنين الإثيوبيين من بلادهم إلى فلسطين كان قد بدأ في أوائل عشرينات القرن الماضي. فبعد وعد بلفور (١٩١٧) وتمكين العصابات الصهيونية من احتلال بعض الأراضي الفلسطينية، سارعت «المنظمة الصهيونية» آنذاك والتي سُمّيت لاحقاً بـ«المنظمة اليهودية» إلى البحث عن يهود كأيدٍ عاملة رخيصة لتقوم بالأعمال الجسمانية كالزراعة والبناء لتعوّض عن الأيادي العربية في العمالة اليهودية الناشئة. إذ أن البنود الرئيسية التي اعتمدتها «المنظمة الصهيونية» وأدواتها، كمثال الهستدروت (المشغّل الرئيسي في الاستعمار الصهيوني في فلسطين) كانت مبنيّة على جعل فلسطين أرضاً يهودية يسكنها ويعمل فيها اليهود فقط. وفي هذه السياسة العنصرية يُقصى العربي الفلسطيني من أرضة ويُرمى خارجها. ومن هنا أوتي بحوالى عشرين ألف إثيوبي عام 1924 لهذا الهدف. ولكن ومن اللحظات الأولى لاستقدامهم لم يكن الهدف معاملتهم كيهود مثل بقية اليهود الأوروبيين، بل أُبقوا في أماكن عملهم وأُسكنوا في خيم، محرومين من أبسط الشروط الإنسانية المعيشية.
استمر الوضع المتردّي للإثيوبيين على حاله حيث انشغلت دولة الاحتلال بحروبها الاستعمارية وقضم المزيد من الأراضي العربية عامة والفلسطينية على نحو خاص. وفي العقدين الثامن والتاسع من القرن الماضي (١٩٨٦-١٩٩٤) وبعد صفقات مع الحكومة السودانية آنذاك كانت الدولة الصهيونية قد نظّمت تسفير عشرات آلاف «اليهود» الإثيوبيين من إثيوبيا إلى السودان وأبقتهم سنوات عدة في مخيمات لجوء إلى أن وطّنتهم في فلسطين.
(أودّ الإشارة هنا إلى أني أضع كلمة يهود بين مزدوجين ليس لأني أنكر يهوديتهم في بلادهم الأصلية بل للتأكيد على عدم قبولهم كيهود من الحاخامات الأشكنازية المهيمنة في دولة الكيان الصهيوني العنصري. ومنذ اللحظات الأولى لتخطيط هجرتهم إلى فلسطين وحتى يومنا هذا فقد كانت معاملتهم من الدولة ومؤسساتها غير إنسانية وغير أخلاقية وشبيهة بمعاملة الغرب الاستعماري الكولونيالي للسود الأفارقة، بل وفي بعض الأحيان شبيهة بمعاملتهم للسكان الأصليين). فحتى وهم في مخيمات اللجوء كانت الدولة ترسل لهم أطباء وطواقم طبية لتجري لهم فحوصات تهدف في العديد من الحالات إلى حقن النساء بمصل الديبو- بروفيرا (حقن تحوي كيماويات لمنع الحمل لمدة طويلة) بهدف تقليص الأطفال السود للدولة التي أرادوها أشكنازية بيضاء (شبيهة بالغرب). ولقد استمرّت هذه السياسات إلى وقت قريب. فقد أشارت بعض الإحصائيات عام ٢٠١٠ إلى أن استعمال حقن منع الحمل لمدد طويلة قد تزايدت أضعافاً عما كانت عليه، وأن ٥٧٪ من مستعمليها هم من اليهود الإثيوبيين والذين لا تتعدى نسبتهم الاثنين في المئة من السكان. من الجدير ذكره هنا أن هذا المصل كان قد استُعمل في أماكن أخرى تحت الاستعمار الكولونيالي وبالذات في الحكم العنصري لجنوب أفريقيا. فبالإضافة إلى التمييز ضد اليهود الإثيوبيين بالعمل والمسكن والطبابة والتعليم وكذلك استعمالهم، كما بقية اليهود الشرقيين كفئران في مختبراتهم الطبية لتجريب أدويتهم، يظهر أن الدم الإثيوبي اليهودي لم يقبل كدم يهودي. فمنذ عشرات السنين تجلى أن الإثيوبي لا يحقّ له التبرع بالدم، وأن الدم الذي أُخذ منهم جرى إتلافه وعدم استعماله. هنالك الكثير من رجال الدين وبالذات الأشكنازيين وكذلك شريحة ليست صغيرة من المجتمع الصهيوني ما زال يؤمن بأن الدم الإثيوبي ملطّخ بالـHIV (فيروس نقص المناعة البشرية). بدأت بعض هذه القضايا بالتجلي في عام ٢٠٠٨، عندما كشفت المسؤولة في إحدى الحضانات التابعة لأحد المراكز أن عدد الأطفال المنتمين لم يتغير لسنتين وعندما استفسرت عن الأمر علمت أن ٥٥ عائلة إثيوبية في البلدة (مستعمرة راس العين) قد تعرضت نساؤها لتلك الحقن المانعة للحمل. ولكن الطامة الكبرى ظهرت عام ٢٠١٣ عندما تقدمت النائبة اليهودية من أصل إثيوبي للتبرع بالدم مع عدد من نواب الكنيست الآخرين لتقابَل برفض دمها، وعندما سألت عن السبب قيل لها: «هذه تعليمات وزارة الصحة».
منذ عهد طويل وبالذات بعد الهجرة/الاستيطان الكبير والذي يقدّر بحوالى ٩٠٠٠٠ مهاجر/مستوطن إثيوبي إلى فلسطين بين ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، والذين يبلغ عددهم الآن ما يقارب الـ١٦٠٠٠٠ مستوطن، بدأت تتجلى العنصرية الصهيونية، ليس لأصحاب الأرض الأصليين، إذ أن فلسطينيي الأرض كانوا قد خبروا وعرفوا وبدمهم ناهضوا هذه العنصرية والاستعمار الكولونيالي وما يزالون. الجديد هنا وبالذات للغرب الأوروبي والأبيض الصهيوني في فلسطين أن بدأ يتكشف الوجه الحقيقي لهذا الكيان وسياساته ومؤسساته.
الإتجار بالأطفال
بالإضافة إلى كلّ ما تقدم، وفي موضوع متصل، أظهرت معلومات جديدة-قديمة مدى عنصرية بل وفاشية هذا النظام الصهيوني وذلك في ما يتعلق بالاختفاء القصري والإتجار بأطفال اليهود من الأصول الشرقية/العربية وبالذات الأطفال اليمنيين (والبعض الآخر من الأصول العراقية والمغربية وغيرها). لقد بدأت جرائم الدولة ومؤسّساتها ومنذ خمسينات القرن الماضي، بعد عقود ولجان تحقيق، ووقفات احتجاجية من الأهالي والاعتصام المسلّح عام ١٩٩٤ والذي قام به أحد حاخامات اليهود الشرقيين وبعض تابعيه باحتجاز أحد المباني الرسمية لمدة ٤٥ يوماً، مطالبين بتحقيق جدّي ورسميّ لمعرفة أسباب الاختفاء، إلا أن حملته قُمعت بالقوة وقتل أحد معاونيه ونقل هو ومن معه إلى السجن. من المضحك والمبكي في آن واحد هنا هو أن المجتمع «الإسرائيلي» قام بنعت هذا الحاخام كما ينعتون الفلسطيني بـ«إرهابي متطرف يتبنّى نظرية المؤامرة». ولكن في عام ١٩٩٥ قررت الحكومة تعيين لجنة تقصّي رسمية أصدرت بيانها عام ٢٠٠١، وقضى بما جاء في لجان التحقيق السابقة أي الإقرار بأن معظم هؤلاء الأطفال المختفين كانوا قد قضوا، وأن عدداً بسيطاً من العائلات المشمولة (50 عائلة) في البحث والتي يبلغ عددها ألف عائلة، لا تعرف مصير أولادها.
ولكن ما أربك أهالي المخطوفين والمختفين في قرار هذه اللجنة أنها أقرّت عدم توصلها إلى جميع الملفات المؤرشَفة المطلوبة، حيث اعترفت اللجنة بأنه جرى إتلاف عدد كبير من الملفات ذات الصلة، في ذات الوقت الذي قامت به اللجنة بالتحقيق. وما زاد الطين بلّة عام ٢٠٠١ أيضاً هو إصدار القرار القضائي بمنع نشر أو تعميم أي تفاصيل متعلقة بالمواد المبحوثة في جميع هذه اللجان حتى عام ٢٠٦٦.
لكن ومع عدم اقتناع الأهالي المعنيين والذين يقدَّر عددم بـ ١٥٠٠-٥٠٠٠ عائلة، استمرت العائلات الفاقدة لأطفالها بالبحث والتنقيب، وفي السنوات الأخيرة أخذت هذه القضية بعداً إعلامياً وأكاديمياً بارزاً. وكان للصحافي البريطاني من سكان الناصرة، جونثان كوك دوراً مهمّاً في فضح وتحليل هذه القضية وأجريت عدة مقابلات مع النساء والرجال «المختفين» وعائلاتهم، وكذلك أخذت هذه القضية بعداً عالمياً. ففي مقالتها في «نيويورك تايمز» الأميركية في ٢٠/٢/٢٠١٩ تناولت الكاتبة، مالين فزهال، هذه القضية بكثير من التفاصيل من خلال البحث الذي أجرته في مستعمرة راس العين (قضاء الرملة) والتي يقطنها عدد كبير من اليمنيين اليهود. أتت هذه المقالة لتثبت كل ما سبقها من المعطيات المنقولة مباشرة من الضحايا وعائلاتهم. فحقيقة هؤلاء الضحايا تكاد تتشابه.
تبدأ القضية بالمعاملة العنصرية لليهود العرب والذين أرادتهم الحركة، والدولة الصهيونية لإثبات هويتها الشوفينية الأشكنازية في بناء الدولة اليهودية فأسكنتهم في «مخيمات انتقالية» في ضواحي المدن الفلسطينية المهدّمة كيافا والرملة وبيسان وغيرها، حيث مكث العديد منهم تحت ظروف معيشية صعبة وفقر مدقع لسنوات عدة. وفي هذه الظروف المعيشية كانت الأم اليمنية تدخل المستوصف أو المستشفى إذا وجد، وتخرج بدون طفلها، وعندما تسأل عن مولودها تجاب أنه/أنها «قد قضى». تطلب الأم إيضاحاً عن أسباب الموت أو مكان الدفن أو حتى شهادة الوفاة، لتقابَل بعدم الرد والطلب منها أن تعود لبيتها! هنالك حالات خطف مباشرة من البيت/الخيمة أو بينما الأم ما زالت في الفراش بعد الولادة، بحجة الفحص الطبي ليختفي الطفل بعدها.
أما من هو المسؤول/ة في خطف الأطفال؟ وما حصل بعد الخطف؟ فلقد وضح بالإثباتات والبراهين مسؤولية الجهاز الطبي أو المؤسسة الطبية وبالذات الممرضات كمسؤول مباشر، بينما تغاضى الأطباء ولم يعترضوا. وبوجود الثقافة الغربية/ الأشكنازية للأبيض المهيمن، كان الهدف «استيعاب» أصحاب البشرة السمراء ودمجهم في المجتمع الأشكنازي (لتبييضهم). إن كلمة استيعاب هنا ليست إيجابية ولا حتى حيادية، بل مبطنة بالأيديولوجية الصهيونية المبنية على العنصرية الاستشراقية الغربية والتي ترى العربي وصاحب البشرة السمراء بأنه «أقل»، «متخلّف»، «لا يهتم بأطفاله ولا يعتني بهم»، أو الاعتقاد بأن «لديهم الكثير من الأولاد ويمكنهم التعويض». هذه ليست فرضيات وليست مجرد ادّعاءات، بل البعض اليسير من الكثير من الأجوبة التي تفوه بها الكثير من المسؤولين عن هذه الجرائم وكذلك بعض الأهالي المتبنين/الكافلين لهؤلاء الأطفال. مع التعتيم على نتائج اللجان كان من الصعب تتبع الطريق التي تبعها المخطوف/ة أو ما آل إليه بعدها. فقد تبيّن أن بعض العائلات المتبنّية/الكافلة قامت بتغيير اسم الطفل/ة وتزوير تاريخ ميلاده للتأكد من عدم الوصول إليه/ا. وهذا الذي أعطى شلومو هاتوكا عنوان مقالته: «اختفاء أبناء الجالية اليمنية: على عاتق المتبني» (انظر المقالة في هعوكيس ٢٠١٤). ففي هذه المقالة وحسب أقوال إحدى عاملات وزارة الداخلية:
«كان لوزارة الداخلية دور هنا، إذ كانت الوزارة تعد شهادات ولادة ووفاة مسبقاً وتحضرها عند الحاجة». وحسب أقوال هذه الموظفة: «العائلات الأشكنازية كانت بحاجة لتبني أطفال ذوي البشرة غير السمراء ولكنهم أجبروا على تبني هؤلاء الأطفال... هذا ما كان متوفراً». وكما أقر الكاتب فإن اختفاء العلاقة بين المتبني وعائلته البيولوجية جعل من الصعب، وحتى من المستحيل التلاقي بين المخطوف والعائلة الأصلية.

الإتجار بالأطفال في هذا الكيان الغاصب لم يكن أمراً غريباً لا على الدولة ولا مؤسساتها ولا العديد من أفراد مجتمعها العنصري


الضلوع المباشر للدولة الصهيونية ومؤسساتها في هذه الأعمال الإجرامية قد عززها القضاء الصهيوني، إذ في أواخر خمسينات القرن الماضي صدر قانون ينص على عدم ضرورة وجود/حضور أولياء/أهالي الطفل البيولوجيين عندما تقرر المحكمة إصدار قرارات التبني، ومنع الأهالي من الاستئناف. فالإتجار بالأطفال في هذا الكيان الغاصب لم يكن أمراً غريباً لا على الدولة ولا مؤسساتها ولا العديد من أفراد مجتمعها العنصري.
بحسب التقارير والأبحاث الموثقة هنالك جسمان رئيسيان اشتركا في عمليات تسفير الأطفال أو حتى بيعهم لعائلات أشكنازية تريد التبني، وهما «منظمة المرأة الصهيونية العالمية» WIZO ومنظمة صهيونية أخرى. فمعظم هؤلاء المخطوفين جرى تسليمهم أو حتى بيعهم لعائلات أشكنازية للتبني.
هنالك من يتساءل، وما الغريب في هذا كله فهنالك الكثير من حالات التعقيم القصري للنساء (ما جرى للأميركيين من أصول أفريقية)، والاضطهاد والإفقار والتجويع للسكان الأصليين وغيرهم من غير الأوروبيين البيض في جميع بلدان الاستعمار الكولونيالي. وهنالك أيضاً آلاف الأطفال من السكان الأصليين (وبالذات في كندا) ممن خطفوا من أهاليهم عنوة ووضعوا في المدارس السكنية لتبييضهم (أي لمحو لغتهم وثقافتهم)، وعوملوا بقساوة بالغة إلى درجة التنكيل والاغتصاب. وكل هذه الدول، كما الكيان الصهيوني، تُدرَج على قائمة الدول التقدمية والديمقراطية! الفرق هنا في البروباغاندا والتضليل العالمي الذي تستعمله الدولة الصهيونية بإعلانها الممثل الوحيد والحامي لكلّ يهود العالم. فباستعمال الهولوكوست والتي لا تعني أياً من ضحايا الصهيونية من اليهود العرب وغير الغربيين، استطاعت هذه الدولة أن تؤثر على حكومات العالم بأحقيتها في بناء دولة يهودية على أراضي فلسطين العربية. فكحامل اسم المحامي والمدافع عن يهود العالم تخلط هذه الدولة أوراق الكثير من الدول والتي بدأت تساوي اليهودية بالصهيونية وبالدولة، بعكس بعض دول الاستعمار التي بدأت بالاعتذار عن تاريخها الكولونيالي البغيض وإطلاق سياسات وبرامج للحدّ من العنصرية. يبقى الكيان الصهيوني الدولة الوحيدة في العالم المبنية على الإثنية اليهودية التمييزية علناً وبدون مواربة. والنتيجة قمع كل محاولات الانتقاد أو الذم بهذة الدولة، إلى درجة تقييد حرية التعبير في الأكاديميات الغربية، ومن هنا تأتي الحملة المسعورة في الهجوم على حركة المقاطعة الثقافية والاقتصادية العالمية. فكشف هذه الحقائق والإكثار منه قد يساهم في زيادة الوعي الاجتماعي والسياسي عربياً وعالمياً وبالذات في هذا الزمن العربي الرديء والغربي المتواطئ.

* أستاذة علم الاجتماع في جامعة كارلتون - كندا