كلّما مرّ طيف شخص في خاطري، فإنني أرى شريط حياته يبتدئ لحظة ولادته، وينتهي لحظة مماته، إلا العلّامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله. فكلّما خطر ببالي فإنني أتذكره في آخر أيام عمره، وفي آخر لحظات حياته... يدور في وجداني شريط يعيد أمام ناظري ما حصل معه في تلك اللحظات حين كانت تتخطفه أيادي الموت، وكأني بجسده على الأرض، وروحه قد عانقت بارئها الأعلى.

وأذكر، أشد ما أذكر، ثلاث أفكار تهزّ كياني كلّما خطرت لي:
الأولى أنه غالب أشد لحظات الحرج، وهو على أعتاب الموت، ليقوم مؤدياً واجب الصلاة، ملبّياً نداء فطرته، مقدّماً لنا مثالاً عن الشخص الذي يتمسك بعقيدته، وينفذها فعلياً مهما اشتدت به الأحوال، ومهما طرقت طريقه الأهوال. ولن أطنب في الحديث عن هذه النقطة فهي تبقى أيضاً شأناً شخصياً، وعلاقة روحانية فردانية، بين المرء وخالقه. ولكن لنا منها تعلّم درس العزيمة والمثابرة. الثانية أنه تلقّى طبعة ديوانه الشعري الجديد «في دروب السبعين»، وهي فكرة لها أبعاد متعددة، يعصى علينا الآن الإحاطة بها كلها. ولكن لنا، أولاً، ربطها بالفكرة السابقة حيث ضرورة العمل مهما ادلهمت الأيام، ومهما حلكت الظروف أمام طموحاتنا. ولنا منها ثانياً مدخل إلى عالم سماحته الموسوعي الفكري، الذي يشمل ميادين متعددة، تتجاوز صفته الأساسية كرجل دين. ولنا ثالثاً منها فهم لطبيعته الشاعرية السمحة الغنّاءة التي لا تضمر شراً ولا حقداً لأحد. ولنا منها حتماً الكثير أيضاً وأيضاً لكننا سنتوقف عند فكرة العلاقة بين رجل الدين والشاعر، وهي جوهر هذه الفكرة.
عندما نعلم أن جلّ علماء المسلمين، ومدوّني الكتب الإسلامية، هم من غير العرب، فإننا نعلم مدى الهوة الواقعة بين النص الديني، الذي هو عربي، وبين الفهم السائد له، والذي هو مكتوب بلسان «الأعاجم»، عند الشيعة والسنّة على حد سواء!
إن أواليات فهم النص تتباين تبعاً للتكوين الثقافي، والفكري، والمعرفي للذات المفكرة التي تحاول فهم هذا النص. وعليه فإن كون سماحته شاعراً مبرزاً، وما تتطلبه الشاعرية من إتقان للغة على المستوى السوسيو-ثقافي، أعطى له ميزة الفهم الحركي للنصوص الدينية مفترقاً عن غالبية الفقهاء الآخرين، ما ولّد، تمايزاً فكرياً ومعرفياً على المستوى الديني لسماحته، وصدمة فكرية وجّهها إلى ساحة الفكر الإسلامي الراكدة منذ زمن، وما واجهه من حملات وإساءات بسبب صدمه للعقليات التقليدية، وتسديد سهام المعرفة إلى هيكلهم المبني على صروح من الخرافات والأسطرة التاريخية للدين.
بلغ توظيف سماحته لهذه الأوالية مداه الرحب في اعتباره النص القرآني هو المصدر التشريعي الأول، والحاكم على المصادر الأخرى، أي بمعنى آخر كان يرى ضرورة «تحكيم مرجعية الكتاب الكريم». وقد تسلح سماحته لذلك كما أسلفنا بذائقة أدبية شاعرية وبلاغة وسعة ثقافة مكّنته من الغوص في عالم القرآن، تلاوة وفهماً وتفسيراً واستنباطاً لكثير من المفاهيم والأحكام التي تخالف الروايات المتداولة. ضرب فضل الله بتلك الروايات عرض الحائط بدل العمل على «ترقيعها وتلفيقها».
طبعاً يقول المسلمون إن القرآن هو المصدر التشريعي الأول لكن الملاحظ على أرض الواقع هو تغييب هذا المصدر الإلهي لصالح الروايات التي كادت تشكل منظومتين دينيتين «طائفيتين» موازيتين للقرآن وما على «الكتاب» إلا تأكيدهما عبر التأويل واجتراح الرمزيات وتكبّد مشقات البحث عن البواطن!
والمنظومة الأولى هي المنظومة الروائية السائدة عند مذهب أهل السنّة والجماعة والتي بُنيت من خلال تعاقب السلطات الحاكمة، وهي منظومة من الأحاديث «السلطانية» التي تكرّس سلطة الحاكم وتضعه في مصاف «ولي الأمر، واجب الطاعة» مهما كانت طريقة حكمه، ومهما ارتكب من مخالفات وإساءات. مخالفة بذلك أبسط تعاليم القرآن بعدم الركون إلى الذين ظلموا، وضرورة الحكم بالقسط والعدل. هي منظومة تمجّد أيضاً المجتمع الإسلامي الأول، وتراه مثالياً بلا أية نقيصة، وتحاول «أسطرته» فوق السنن الطبيعية للمجتمعات، وفوق الكثير من النصوص القرآنية التي تعاملت معه بموضوعية، ونقلت ما يعتوره من هفوات مثل أي مجمتع إنساني ضمن سياق تحركه الطبيعي الذي لا بد أن يحتوي الصالح والطالح والحسن والسيئ.

صدمة فكرية وجّهها إلى ساحة الفكر الإسلامي الراكدة منذ زمن


أمّا المنظومة الثانية فهي المنظومة الروائية السائدة عند المسلمين الشيعة، التي تقابل المنظومة الأولى بمحاولة النظر إلى المجتمع الإسلامي الأول بعقلية اجتزائية فلا ترى إلا مثالبه، التي تضخمها عبر سلسلة روائية تخالف أبسط السنن كنظيرتها الأولى، وتجانب النص القرآني الذي ذكر حسنات هذا المجتمع وعوراته. وهي منظومة تستدعي أيضاً كمّاً هائلاً من الروايات في مناقب الأئمة، حتى الغلو الفاقع، وإلصاق الصفات الأسطورية بهم... بل وصل الأمر ببعض الروايات إلى فتح باب القول بصفات الأئمة «بما شئتم».
في مقابل هاتين المنظومتين يرى العلامة فضل الله أن النص القرآني هو المرجعية في الحكم على كل ذلك، وكل ما يخالف القرآن «هو زخرف نضرب به عرض الحائط». فليس دورنا أن نلوي عنق اللغة حتى تطاوعنا وتثبت ما نعتقد به، وليس دور القرآن أن «يفيض ببواطنه» كي يؤيد هذه الرواية أو تلك بل هو الحكم والقائد الذي يمثل «دور الأساس في ثقافتنا الإسلامية، من حيث كونه المصدر المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه» بحسب تعبير سماحته الذي تابع: «وإذا كان للقرآن الكريم هذا الدور الأصيل في ثقافتنا الإسلامية فلا بد أن يكون هو المصدر الأساس في مفاهيمنا في العقيدة والشريعة والحياة».
إذن هي «مرجعيّة القرآن» الفعلية والعملية حيث اعتبر العلّامة الراحل أنّ «القرآن لا يقتصر دوره على ترجيح الروايات المتعارضة فحسب، بل إنّ للبيان القرآنيّ عندما يكون وارداً مورد القاعدة، دور الحاكم على دلالة السنّة؛ لأنّ الأحاديث بأغلبها هي تطبيقات للآية القرآنيّة، وبالتّالي، تتحرّك دلالاتها سعةً وضيقاً ـ بسعة الدّلالة القرآنيَّة وضيقها».
كما وضع فضل الله في وجه ظاهرة التفلت والشطحات بحجة البحث عن البواطن، والغوص في الرمزيات والتأويلات، مجموعة شروط ومعايير ضابطة أهمها:
أولاً، أن يكون هناك دليل عقلي أو لفظي يصرف اللفظ عن ظاهره.
ثانياً، أن يكون المعنى الجديد متناسباً مع المعنى الأصلي، ومع سياق الكلام العام.
وهنا يعقّب سماحته قائلاً: «فلا موقع للتأويل بدون هذين الشرطين لأن الاستعمال يكون خلطاً في القاعدة البلاغية».
انطلاقاً من كلّ ذلك رأينا العلّامة فضل الله، يحلّق بعيداً عن الأفكار السائدة والمألوفة مخالفاً الكثير من المشهور والموروث ولكن بسند قرآني «معصوم»، وبفهم لغوي بلاغي أصيل. غارساً بذرة «استئناف» فهم الفكر الإسلامي، من منبعه الأصيل، نافضاً عن «النص» التراكم التاريخي، مبعداً من طريقه محاولات الفهم الأخرى التي غيبته لصالح تجاربها الخاصة، التي باتت وكأنها هي الأصل، وباتت محاولات مخالفتها «هرطقة» تفتح أبواب «الجحيم البشري» على من يخالفها. فطالما كان العلّامة الراحل، يردّد القاعدة المأثورة «هم رجال ونحن رجال».
ونلاحظ أيضاً أن سماحته، ورغم مشاغله الكثيرة، كان دائم الاحتكاك بالناس، من خلال تخصيص أوقات محدّدة يستقبل فيها الجميع، بعيداً عن البروتوكول والتعقيد، فيعرضون عليه مشاكلهم، مهما كانت بسيطة، فكان بقلبه الكبير يستوعبهم ويُعينهم في مسائلهم. هذا الاحتكاك المباشر بالناس ولّد عنده نوعاً من «الفقه الواقعي» البعيد عن التجريد والمثالية والتحجّر. فالدين عند سماحته «حنفية سمحاء، ويُسر وليس عُسراً».
هذه الميزة أغنت الساحة بأسلوب جماهيري لديه ذو مقدرة على «تحويل المعاني المجردة إلى واقع حين مُعاش»، مفترقاً عن أساليب عدد من رجال الدين ينحون منحىً عرفانياً أو دينياً أو أدبياً محضاً.
ثالثاً، عندما سأله أحد الممرضين هل ارتاح، بعد أن ساعده في تعديل جسده، فكان جوابه، وهو على حافة العالم الآخر: «لن أرتاح حتى تتحرر فلسطين». وهذا نربطه بالفكرة السابقة عن ريادته للإسلام الحركي الثوري بعيداً عن زوايا العبادة المنعزلة، وأحكام الغيبيات التي لا تسنتد إلى دليل متين، والتي غدت «بيزنطيات» تدمغ الكثير من جدالاتنا التي لا طائل من ورائها. وذلك حوّله إلى هدف لقوى الاستعمار والاستكبار التي حاولت قتله مرات عدة.
كان لفلسطين بالذات في وجدان سماحته حضور لا يغيب، وكان غالباً ما يردّد أن «العرب يريدون التحرر من فلسطين ولا يريدون تحرير فلسطين» وهذا ما أثبتت الأيام، للأسف، واقعيته.
ذلك هو فضل الله.... صريع عقلية الاستعمار القاتلة التي حاولت قتله جسدياً وصريع عقلية التحجّر وتقديس القشور التاريخية التي حاولت قتل مشروعه الفكري الحضاري باسم الله. هي عقلية الإجرام السائدة اليوم التي تحارب في كل مكان إلا في فلسطين المحتلة. هي عقلية الركون والركود التي ترى النور ينطلق بها نحو المستقبل فتتمسك بظلامات الماضي.
* أسير محرّر وكاتب