تلتبس على المنظِّر للمساواة وعلى المنادي بها وعلى الطامح إليها المضامينُ التي ينطوي عليها هذا المفهوم، لأنه مفهوم نسبيّ في النظر إليه، وفي كيفيّة اعتماده معياراً في معالجة الشؤون الاجتماعيّة، التي تُلزم كلّ مَن يُقبِل على خوض غِمارها بطرح الأسئلة التي يرى الفيلسوف نوربرتو بوبّيو في كتابه «اليمين واليسار» (1994) أنه لا مفرّ من الإجابة عليها: «نعم، المساواة. ولكن بين مَن، وفي ماذا، ووفق أيّ معيار؟».

يُنَظِّر أصحابُ الشأن، الفلاسفةُ وعلماء الاجتماع والسياسة، للمساواة، لأنهم يرون فيها مثالاً يُفترض أن ينبني على قواعد ثابتة وأسس متينة ومبادئ شاملة. فيقدّمون نظريّاتهم، مشبعةً بالتحليل والتأويل والاستدلال المنطقيّ، لتكون سنداً يُرجَع إليه ويُقاس عليه. وينادي بها أولياؤها والمؤمنون بها والساعون إليها، لأنهم يحسبون أن الأمن لا يسود بين بني البشر، والاستقرارَ لا يستتبّ في مجتمعهم، والوئامَ لا يعمّ العلاقات فيما بينهم، إلّا إذا تظلّل بها تدبيرُ شؤونهم. فيطرحون المشاريع تلو المشاريع لتكون خارطة عمل لكلّ من يُقِرُّ عَزمُه على تولّي شؤون الناس العامّة. ويطمحُ إليها أولئك الذين حالت الدنيا، في الواقع الأصليّ أو في الظروف الطارئة، بينها وبينهم، فيشعرون ويقدّرون ويفترضون أن القَدَرَ لا يملك وحدَه مجرى الحياة سعيداً، إنما على المرء أن يجدّ السعي في التعويض عما جار عليه النصيب وقسا.
وحينما تصطدم مختلف النظريّات المتعلّقة بمسألة المساواة بحواجز لا مناص من الاصطدام بها، كالاختلاف الطبيعيّ في مجمل مكوّنات هذا الكون، والاختلال الواقعيّ المتأصّل في تكوين الوجود، وهي حواجز لا مجال، بما هي عليه، لاجتيازها؛ وعندما تعترضُ المُنادين بالمساواة أعدادٌ عديدة من عوائق لا مفرّ من مواجهتها، كونها متولّدةً من طبيعة الوجود وطِباع البشر، وهي عوائق يستحيل إلى حدّ بعيد إسقاطها؛ ولمّا يتصدّى للطامحين إليها وابلٌ من العقبات والموانع التي لا بدّ من مجابهتها، باعتبار الدور الذي يلعبه القدر والظرف والنصيب في حياة البشر، وهي عقبات يشتدّ التغلّب عليها ويعسُر؛ يتحتّم اللجوء إلى ترادفات تمرّ بمحاذاة المصطلح، تتلمّس معانيه وتتحسّس دلالاته، فتراعي، وفق التأويلات التي يُسبك بها، جوهرَ المفهوم ومقاصده.
ويتمثّل الترادف الأوّل، على سبيل المثال لا الحصر، بالحقّ أو بمجموع الحقوق المتنوّعة، التي ينبغي أن تؤمّن المساواة لكلّ مَن يشمله هذا الحقّ أو ذاك. كالحقّ في الحياة التي لا يجوز أن يُحرَم منها أيّ امرئ (من دون أن ندخل هنا في جدل حول المسائل المتعلّقة بالإجهاض، والإعدام، والموت الرحيم، ومختلف الأشكال التي تضع حدّاً للحياة، وهي مواضيع جديرة بمعالجة معمّقة). وكلّ حقّ متأصّل في كلّ إنسان مهما كان جنسه أو أصله أو عرقه أو لونه أو لغته أو دينه أو ثقافته. كالحقّ في التعلّم والتقدّم العلميّ، والحقّ في العمل والترقّي، والحق في العيش الكريم والحماية الاجتماعيّة التي تأبى أن يُدّخَرَ وِسعٌ لتأمينها أو أن يُضَنّ بنفيس لضمانها.

العدالة وحدها تستطيع أن تمنح المساواة معنى ومضموناً


والمرادف الثاني الذي في وسعه أن يفي مفهوم المساواة حقّه إنما يتمثّل بالعدالة. وهو المصطلح الذي من دونه تفقد المساواة، في الحقيقة، معناها الجوهريّ. فالمساواة الحقيقيّة لا تكون بالشكل، كمن يقول إن المساواة بين الرجل والمرأة تفسح المجال أمام التشابه في المظهر والملبس والسلوك؛ أو بالكم، كمن ينادي بالتوزيع – توزيع الأجر، والمكافآت، والخيرات، والممتلكات، والموروثات، إلخ. – بحصص متساوية من دون الأخذ في الاعتبار المرتبة والجدارة والاستحقاق، والمعايير التي ينبغي اعتمادها للتوزيع. بل تكون، قبل كلّ شيء، بالمضمون الذي يساوي بالحق. فمساواة المرأة بالرجل لا تتمثّل، كما يظنّ معظم الناس، بمنح المرأة بعض حقوق الرجال، كالالتحاق بالعسكريّة وقيادة المركبات الثقيلة وما شابه (وهي أمور لا تغيّر شيئاً في معادلة المساواة)، إنما تكمن في منح المرأة الحقّ بأن تكون ما ينبغي أن تكون المرأةُ: كائناً بشريّاً حرّاً شريكاً في صناعة الوجود والمجتمع... وتكون أيضاً بالجوهر الذي يتمثّل بالمساواة العادلة، تلك التي تُعطي كلّ ذي حقّ حقّه، من دون أن تقفل الباب على اكتساب حقوق جديدة، أو بالعدالة في قلب المساواة، لأن العدالة وحدها تستطيع أن تمنح المساواة معنى ومضموناً.
وعلى هذا الأساس، لا تستطيع التقديمات الاجتماعيّة، التي يزعم الحاكمون أنهم يريدونها متساويةً بين المحكومين، إلّا أن تنطوي على الحقّ والعدالة. فالتقديمات الاجتماعيّة حقّ لكلّ مواطن، ويُفترض أن تشكّل جزءاً لا يتجزّأ من حياته الاجتماعيّة. وذلك استناداً إلى ما جاء في الفقرة (ج) من مقدّمة الدستور اللبناني بالقول إن «لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، تقوم على احترام الحريات العامة، وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وعلى العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل».
لكن الحاكمين، على مرّ الأجيال، يتغافلون عن هذا الحقّ، بذرائع لا تنطلي إلّا على مَن ليس في يده حيلة. وحينما يقاربونها، في إعداد الموازنات ودراستها أو في دراسة القضايا التي تتّصل مباشرة بشؤون الناس الماليّة كسلسلة الرتب والرواتب (للقطاع العام)... يقاربونها على نحو يُشعر الناس بأنها منّةٌ يُحسِن بها أهلُ السلطة على رعاياهم. ومن هذا المنطلق يَعمدون، على قدر ما استطاعوا، إلى الفصل في التشريع بين الخاص والعام، بين الموظّف والعامل والأجير، بين المقتدر والفقير، بين مَن قُدّر له أن يتسلّم زمام الإدارة ومَن حمله نصيبه ليكون من الطبقة الكادحة. ولو سلّمنا جدلًا أن الرغبة صادقةٌ في جعل التقديمات الاجتماعيّة متساوية، فالمساواة لا تكون باقتطاع الحقّ ممّن يتمتّعون به ليتساوون بمن هم محرومون منه (وهو ما يفعله الحاكمون بالتخفيض التدريجيّ للمنح، وبالدمج التدريجيّ للصناديق)، بل تكون برفع المحرومين إلى المرتبة التي تترك في نفوسهم بعض الانطباع أنهم مواطنون يعيشون بكرامة.
أما توزيع هذه التقديمات، على الرغم من الخلل الذي يعتري شموليّة الحقّ في الحصول عليها، فلا بدّ من أن ينطوي على العدالة. المنح التعليميّة مثلاً حقّ أساسيّ من الحقوق الاجتماعيّة التي ينبغي على الدولة أن توفّرها لكلّ مواطن، كونها تنشأ في أساسها عن الحقّ في التعلّم والتقدّم العلميّ. وهي تتأمّن للمواطن المستحقّ بأشكالها المختلفة، المباشرة وغير المباشرة. فالمدرسة الرسميّة تُعدّ شكلاً مباشراً من أشكال هذه التقديمات. لكنها، للأسف، تعجز لوحدها، لأسباب عديدة يعرفها القاصي والداني (الموازنات الشحيحة، المباني المتهالكة على قلّتها، البيروقراطيّة الإدارية المكبِّلة، إلخ.)، عن تأمين هذا الحقّ لجميع الناس. الأمر الذي يحتّم اللجوء إلى المؤسّسات التعليميّة الخاصّة التي تلعب دور الوسيط في تأمين الحقّ المذكور. تدفع الدولة لهذه المدراس كي توفّر العلم لمواطنيها، وهي المدارس التي تُعرف بالمدارس المجانيّة؛ أو تدفع للمواطن مباشرةً كي يتمكّن من تحصيل العلم حيث يسهل عليه ويتيسّر له. فلا عيب ولا استحياء من أن يتسجّل أولاد الرؤساء والوزراء والنوّاب والمدراء العامّين والقضاة وأساتذة الجامعة إلخ، في المدرسة الرسميّة. لكن هذا التسجيل مشروط بأمرين غير متوافرين راهناً: قدرة المدرسة الرسميّة على استيعاب جميع تلامذة الوطن، وقدرة هذه المدرسة على تأمين جميع مستلزمات التعليم.
وإذا كان الأمر يقتضي بالتالي اللجوء إلى الشكل اللامباشر في تأمين الحقّ في التعليم والتقدّم العلميّ لجميع المواطنين، فيجدر بالدولة أن تساهم مساهمةً حقيقيّةً في تأمين هذا الحقّ. فلا تتذرّع بحجج واهية، ولا تتستّر بأعذار واهِمة، كي تتملّص من دورها، فتعمد تارةً إلى الاقتطاع من هذه المستحقّات، وتُبادر تارة أخرى إلى تخفيضها، أو إلى التمنّع عن تسديدها. وإذا كانت كلفة التعلّم في المؤسّسات التي يُستعان بها لتأمين الحقّ تتراوح بين ثلاثة ملايين ليرة لبنانيّة، في بعض المدارس المتواضعة الواقعة في المناطق النائية، وستة ملايين ليرة لبنانيّة في معظم المدارس المنتشرة على الأراضي اللبنانيّة، فإن المعدّل الوسطي لكلفة التعلّم لا يقلّ بشكل من الأشكال عن الخمسة ملايين ليرة لبنانيّة. وعليه لا يحقّ للدولة، شرعاً وقانوناً وعُرفاً وعدالةً، ضرب هذا الحق، كما أزمعت في إقرار الموازنة الأخيرة، حينما وضعت في البند الخامس والتسعين نصاً يفيد بوجوب التخفيض التدريجيّ للمنح التعليميّة وصولاً إلى إلغائها، بذريعةٍ مخادِعة، عنوانها توحيد الصناديق والتقديمات الاجتماعيّة.
وإذا أخذنا المسألة على حسن نواياها، وحسبنا أنه لا بدّ من توحيد الصناديق والتقديمات، فالحريّ بالدولة، كي تُثبت صدق نواياها تجاه حقٍّ تنصّ عليه جميع الشرائع الدوليّة المنادية بحقوق الإنسان، أن ترفع المقهورين والمحرومين والمحتاجين وكلّ من هو مجرّد من هذا الحقّ، إلى مصاف من يحظى به ويتوفّر له (بالشكل المقبول نسبيّاً). فتعزّز هذه التقديمات للجميع على حدّ سواء، بالعدل والمساواة، باعتبار أن النمو البشريّ والاقتصادي، والتطوّر العلمي والتكنولوجيّ، يزيدان المصاريف ويرفعان الأعباء والتكاليف. فالعجب العجيب أن الدنيا تسير إلى الأمام والدولة تتعمّد الرجوع إلى الوراء!
* أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانيّة