الهزيمة

في الأيديولوجيا والخطاب الأيديولوجي مقولة أتذكّرها على الدوام، قالها صديقٌ لي منذ سنواتٍ طويلة، خلال نقاشٍ أعتقد أنه كان عن البريسترويكا والتيارات المحدثة في الماركسية. أعلن محاوري، فجأةً، أنّه ضدّ فكرة «الإصلاح» من حيث المبدأ، كمنهجيّة، وفي أيّ سياقٍ تقريباً، وأنّه يعتبر أنّ خلف كلّ حملة «إصلاحية» أهدافاً مشبوهة أو أجندة خفيّة. كان هذا القول صادماً في «رجعيّته»، خاصّةً في زمن التسعينيات (زمن المراجعات و«التحديث»)، فأردف قائلاً: «إن أفضل طريقةٍ لأن تدمّر نظريّةٍ ما هي في أن تروّج لها بحسب مفهومك أنت عنها». هذا، تقريباً، هو ما حصل للعروبة، أقلّه منذ رحيل جمال عبد الناصر والانقلاب، من داخل النظام، على الناصريّة في مصر.
المسألة هي أنّ المفاهيم المتعدّدة للعروبة موجودةٌ ومتجاورة منذ نشأة الفكرة القوميّة في هذه الأرض. كانت هناك، منذ البدء، عروبة محافظة وعروبة «إثنية» وعروبة توالي البريطانيين، وقبل ذلك كلّه مشروعٌ لـ«مملكة عربيّة» برعاية فرنسيّة. بالمعنى الأعمق، العروبة هي سياسة حتميّة، والسؤال دوماً هو حول الشكل الذي ستأخذه. المقصد هو أنّنا، كعرب، سنعيش حول بعضنا البعض ومع بعضنا البعض سواء كنّا في دولة واحدة أو خمسين دولة، لأسباب جغرافية وتاريخية ليست في يدنا. في عصر التجزئة القائم، فإنّ أي سياسة يعتمدها بلدك هي، بالضرورة، «سياسة عربية»: خيارٌ يحدّد دورك ومكانك في الإقليم. حتّى الحركات «الانعزالية»، التي تقوم على رفض العروبة أو تكريس هويّاتٍ أصغر أو تأبيد التجزئة، في لبنان والخليج والعراق وغيره، لم تكن يوماً حركات «استقلالية» أو «انعزالية» بالفعل؛ بل كان «القرار الوطني المستقلّ» يمرّ دوماً عبر شبكةٍ من التحالفات الخارجية والإقليمية، ترعاه وتدعمه ضدّ أجنحةٍ أخرى. من هنا، فإنّ أميركا، حين تريد أن تهيمن، سيناسبها أيضاً أن تكون هناك «رابطة عروبية» تجمع الأنظمة التّابعة وتنظّم إيقاع السياسة في الإقليم.
ميزة الناصريّة لم تكن في أنّها تنتمي إلى «العروبة الثوريّة»، فقد كانت هناك حركات أخرى في هذا التيّار وبعضها وصل أيضاً إلى الحكم، بل في أنّها كانت التيّار العروبي الوحيد الذي تحوّل، حقّاً، إلى حركةٍ شعبيّة لها حاضنة وشرعيّة (وإن كانت مرتبطة عضوياً وبشكل لصيق بالدولة وبرعايتها)، وهذه الشرعية مكرّسة في مصر ومع امتداداتٍ خارجها. «العروبة الحقيقية» من هذا المنظار، لا يمكن أن تكون حليفة للاستعمار، ولا تكرّس تراتبية في الثروة والمكانة بين الناس، ولا هي مفهوم «إثني»، موجودٌ فحسب عبر التضادّ، على طريقة «أنا وأخي على ابن عمّي». «العروبة الحقيقية» تعني أساساً أنّ كلّ العرب متساوون، وأنّ هدفهم المشترك هو التحرّر (بالمعنيين، التحرّر من التخلّف ومن الحالة الاستعمارية في العالم). وأنّ ثروات العرب وقضاياهم هي ملكٌ مشترك لهم - من الأسباب التي كانت تثير جنون أنظمة النّفط تجاه عبد الناصر، قبل السياسات، هي أنّه كان يحمل خطاباً، أقلّه حتى سنة 1967، يعيد النظر في تقسيم الحدود والثروة على المستوى العربي، كما على المستوى الداخلي لكلّ بلد، ويسخر من فكرة أن تحتكر بضع عائلاتٍ في الخليج جلّ ثروة العرب.
لهذه الأسباب، نكرّر، لا يمكن للعروبة «الثورية» أن تكون إلّا كحركة شعبيّة تفعل في التاريخ، لا «نصّاً خطابياً» يكرّره مثقّفون ولا أحزاباً مجوّفة ولا أدلوجة لنظامٍ حاكم. وحين خسرت الناصريّة هذه الصفة خسرت العروبة إمكانها التحرّري. وهذا حصل بالتدريج وليس في لحظةٍ واحدة كما نتخيّل أحياناً: خسارة الحرب، كبح المشروع الناصري ومحاصرته، الأزمة الاقتصاديّة ثم، في النهاية، «الانقلاب من الداخل». والسادات لم يبنِ حركة شعبية بديلة ولا هو أراد ذلك؛ وهذه من الأسباب التي تجعل الرئيس المصري الحالي منتجاً «ساداتيّاً» خالصاً، ولا علاقة له بعبد الناصر (عبد الناصر، عدا عن سياسته الاجتماعية، خرج من جيشٍ يخترقه النفوذ البريطاني ليواجه بريطانيا ويُخرجها من مصر. تخيّلوا لو أنّه كان ضابطاً مصريّاً تآمر مع رؤسائه البريطانيين حتى يسلّموه الحكم، فتفهمون الفارق).

لو وصلت الأمور إلى درجة الخطر، فإنّ الإيرانيين يفهمون شروط اللعبة، وهم «سيفعلون شيئاً ما»


خارج إطار التحرّر والمساواة، تصبح العروبة شيئاً آخر: كلام معسول، تراث وتقاليد، أساطير تاريخية، وفكرة «التضامن العربي» التي سادت في العقود الأخيرة هي من نمط التعاون الاعتيادي الذي يفترض به أن يجري بين أي مجموعة دول متجاورة (هذا إذا افترضنا أن «التضامن» مع أنظمة عدوّة هو أمرٌ محمود أصلاً). من دون ترجمةٍ على أرض الواقع والمجتمع، لا تعني الأفكار والهويات شيئاً كثيراً، وإيّاك أن تفترض أنّه، «لأننا عرب»، فإنّ ذلك يفرض التزاماتٍ ما أو توقّعات من أحد. في عالم العلاقات الدولية والمصالح، الدم يصبح ماءً بسهولة. وفي كلّ الأيديولوجيّات، ليست المشكلة في أن تتكلّم عن بديهيّة مشروعك أو «الحتمية التاريخية» أو أن التاريخ سيأخذك، وحده، إلى حيث تريد (وكلّ هذه الأساطير التي تؤسس لهويتك أو تعطي الجماهير ثقةً في النصر)، المشكلة هي أن تصدّق هذه المقولات وتعتمد عليها. حين تتأمل الحركات السياسية التي تمكّنت من النجاح والصمود حول العالم (من الثورات اليسارية إلى أكثر الحركات الدينية طهوريةً) أنت تجد دوماً، خلف الشعارات، شخصاً أو مجموعة أشخاص لديهم عقل تكتيكي ويعرفون كيف يعمل العالم وكيف تبني حركة وتراكم.

تحت الحصار
ما أقوله هو أنّ ما يجري مع إيران اليوم، لو كانت إيران - افتراضاً - دولة عربيّة، كان سيجري بحذافيره، وموقف الأنظمة من «إيران العربيّة» سيكون، بالضبط، كموقفها الآن. الطريف حين «تستبشر» هذه الأنظمة بحربٍ قادمة ضدّ إيران هو أنّها، أوّلاً، تعتقد عن خطأ بأنّ الحرب هي «نهاية الطريق» وخلاصها من «متاعبها»، وأن سيناريو بغداد يمكن أن يتكرّر في طهران الشهر القادم (لأنّها لا تفهم أنّ دخول بغداد لم يكن وليد حربٍ واحدة حاسمة، بل تكليلاً لسنواتٍ من ضرب النظام وحصاره وكسر شرعيته). ثانياً، هي تعتقد أن دونالد ترامب يشاركها نظرتها إلى العالم، وعقدها ومخاوفها، كأنّ الحرب الخارجيّة هي في أميركا مسألة هيّنة، وكأنّ ترامب لا يخوض حالياً حرباً تتصاعد مع الصين، هي أكثر أهمية بمراحل من مجريات الخصومة مع إيران، وأنّ الوقت قد لا يكون مناسباً للتورّط في حربٍ جانبية غير مأمونة العواقب.
هناك مثال قد يوضح بعض ما جرى داخل المؤسسة الأميركية في الأشهر الماضية. الرئيس الأميركي لا يمكنه (ولا يحقّ له) أن يرسم خطّةً للحرب، كأن يقول: «أريد غاراتٍ هنا وهنا وأن تضربوا هذه الأهداف بهذه الطريقة». هو يخبر الجنرالات بأهدافه السياسية (احتلال دولة ما، مثلاً، أو «معاقبة» نظام عدو) وهم يقدّمون له مجموعةً من الخطط والاحتمالات العسكرية التي يمكن لهم تنفيذها من أجل تحقيق أهدافه. النكتة القديمة هنا تقول إنّ الجنرلات يقدّمون دوماً ثلاث خططٍ إلى الرئيس: واحدة ضخمة إلى درجةٍ هائلة، تستلزم مواردَ وجنوداً أكثر بكثير من الحاجة، وثانية صغيرة إلى درجةٍ تبدو غير كافية وغير مأمونة. ثمّ، في المنتصف، يضعون الخطّة التي يريدون للرئيس فعلاً أن «يختارها». ولكن، حين يطلب الرئيس من الجنرالات البحث في احتمالات حربٍ هم بالفعل لا يريدون خوضها، ويرونها صعبة ومكلفة وغير ضرورية، وقد تكون نتيجتها خسارة الكثير من الجنود أو إغراق سفن، وأن تقضي السنوات المتبقية لتقاعدك وأنت تدير حرباً وتتلقى اللوم والإحراج وتحاول التحكّم بالفوضى (كما حصل لأسلافك أيام حرب العراق)، فإن الجنرالات قد يقدّمون ببساطةٍ ثلاث خطط تكون كلّها «صعبة» و«غير مرغوبة».
ولكنّ اللعبة الحقيقية مع إيران تجري على المدى البعيد، ولا تُحسم بحربٍ واحدة؛ والحرب، مثل الحصار الاقتصادي، ليست إلا وسيلة لتحقيق هدفٍ أبعد. أوّل ما يتمّ استهدافه في مواجهة مع نظامٍ ترمي إلى إسقاطه هو الشرعية الشعبيّة التي يمتلكها. «الشرعيّة» هي ما يجعل الناس يقفون مع حكومتهم في حالة الحصار، ويتحمّلون الضيق من غير أن يضغطوا على النظام ويطالبوه برفع العقوبات بأيّ ثمن (في المقابل، أنا أجد نفسي، مثلاً، أقف في الجانب المخالف للحكومة اللبنانية في أكثر المواقف والمواجهات الخارجية التي تمرّ بها؛ حتّى أنني لم أعد أكترث لنتائج المنتخب الوطني لكرة القدم ومن الممكن أن أقف بسهولةٍ، مع العراق مثلاً، ضدّه). الشرعيّة هي ما يدفع المخططين العسكريين الأميركيين إلى الافتراض بأن الشعب سيقاتل مع دولته لو حصل غزوٌ خارجيّ، وحين تضرب شرعية النّظام يصبح سقوطه مسألة أسهل بكثير. هناك طريقان، فعلياً، لتحقيق هذا الهدف: أن تهزم النظام عسكرياً، فتذلّه أمام شعبه وتدفعه إلى سلسلة من التنازلات السياسيّة، أو أن تمنعه من تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيه، وتجبرهم على العيش في حالة أزمة (أو مجاعة). لو شئنا التبسيط، فإن الحصار والحرب يستهدفان الدعامتين الأساسيتين لشرعية النظام في إيران (وأي نظام أو حركة في سياقنا): النجاح السياسي والعسكري، ومنظومة الرعاية الاجتماعية. أي، بتعابير أخرى، نجاح نظام الثورة الإسلامية في الحفاظ على سيادة البلد واستقلاله (بعد مئة سنةٍ على الأقل من «الإذلال القومي»، تبدأ من أواسط القرن التاسع عشر)، وخروجه من الحرب والضغوطات من دون تنازل. ومن جهةٍ أخرى، قدرته على استخدام الثروة الوطنية لتأمين مستوى معيشةٍ مقبول لغالبية الشعب، وتعليم الفقراء ودعمهم. حتّى تفهم هذه الفكرة، يجب أن تعرف، مثلاً، كيف كان شكل الريف الإيراني حتى سبعينيات القرن الماضي (ينقل المؤرّخ اندرو سكوت كوبر عن زائر أميركي فزعه من درجة الفقر والتخلّف والجّهل في أرياف أيران، حيث أغلب الناس أميّون وشبه أقنان، والكهرباء لم تصل إلى أكثر الأرياف. إلى درجة أن زعيماً في إحدى القرى، بعد أن شاهد فيلماً على شاشة للمرة الأولى في حياته، أقام مأدبةً للممثلين، مقتنعاً بأنهم سيخرجون من الشاشة لتلبية الدعوة، فيما قام أهل قرية أخرى بكسر الشاشة حين شاركوا في مطاردة تجري في الفيلم. المشكلة أن هذه المشاهدات ليست من زمن الثلاثينيات أو الأربعينيات، بل من عام 1967).

المهمّ هو، حين يُطبق عليك الأعداء، أن تفهم شروط المعركة وأولوياتك، ولماذا تقاتل ولماذا الصّمود


من هنا، يفهم الحكام في إيران أن خسارة حربٍ هي أمرٌ ممنوعٌ. مهما كان الثمن، لا يمكن أن تخرج خاسراً من الحرب إن فُرضت عليك. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ أكثر جهود الدولة موجّهةٌ للتعامل مع الحصار وآثاره الاقتصاديّة. هذا موضوعٌ لمكانٍ آخر، ولكن لولا أن إيران تنتج أصلاً أكثر من 85% من حاجاتها الغذائية، ولولا أن حاجاتها إلى الاستيراد بسيطة نسبة إلى حجمها، لكان الوضع هناك مختلفاً من زمنٍ بعيد. على سبيل المثال، حجم الاستيراد في إيران مذهلٌ في صغره، بالنسبة إلى حجم البلد واستهلاك المواطن فيه - حتّى مع الأخذ في الاعتبار أن الكثير من الاستيراد يجري بشكلٍ «غير رسمي» عبر التهريب. الرّقم الرسمي يقارب الخمسين مليار دولارٍ سنوياً لبلدٍ فيه ثمانون مليون مواطن. للمقارنة فإنّ لبنان، وهو أصغر من إيران بعشرين مرّة، يستورد بحوالى العشرين ملياراً. بمعنى آخر، لو كانت إيران تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات سنوياً من العملة الصّعبة فقط لكي يأكل الناس ويعيشوا بشكلٍ طبيعي، لكانت العقوبات قد سبّبت مجاعة منذ زمن.
روحاني يقول إنّ بلاده قد تعتمد قريباً نظام «اقتصاد الحرب» للتعامل مع العقوبات الجديدة، وبعض التجّار يقولون إن سياسة «صفر صادرات» قد لا يكون تطبيقها سهلاً على سلعٍ إيرانية غير النفط (كالبتروكيمياويات) لا يمكن تتبّع حركتها ومبيعها بالشكل ذاته. إلّا أنّه، لو وصلت الأمور إلى درجة الخطر، فإنّ الإيرانيين يفهمون شروط اللعبة وهم «سيفعلون شيئاً ما»، ولا أحد عاقلاً يقبل بأن يجلس في سكونٍ فيما يتمّ خنقه.

قصّة نجاح
على المستوى المحلّي، في لبنان، هناك ديناميات مشابهة. أذكر أنّني قرأت منذ فترةٍ تعليقاً لمثقّف عربي، يكرّر فيه اللازمة المعهودة حول أن «إسرائيل هزمتنا» وأننا حاولنا المواجهة وفشلنا، إلخ. فوجدت نفسي أفكّر: هذا ليس صحيحاً بالتّمام، لدينا تجربة مخالفة في لبنان. تكلّم عن نفسك يا أخي. بلدٌ صغير وظروفٌ صعبة ولكننا هزمنا إسرائيل، مرتين، ونقف اليوم منها موقف العدوّ النّد، وهذا ليس مستحيلاً. بالمعنى العسكري البحت، وهذه أمورٌ لن يذكرها لك أعداؤك، فإنّ تجربة «حزب الله» فيها تدرّجٌ مثيرٌ للدهشة. كما هو معروف، من الصّعب على أيّ جيشٍ أو قوة عسكرية أن تغيّر في عقيدتها وتنظيمها وطريقة قتالها. أيّ عملية من هذا النّوع تستلزم، حتى في الجيوش المحترفة، زمناً طويلاً وموارد كبيرة وفترة تعلّمٍ مكلفة.
تخيّل أن تكون تنظيماً مقاتلاً صغيراً، تعوّد على طول التسعينيات على خوض حرب مقاومةٍ من نمط محدّد ضد المحتل الإسرائيلي. حربٌ لها سياق جغرافي وعسكري محدود وأهداف واضحة وتأثير معيّن تريد أن تحدثه في الخصم. بعد التحرير، عام 2000، أصبحت المهمّة أصعب بما لا يقاس، وتحتاج إلى تحوّلٍ كامل، إذ صار لزاماً على هذا التنظيم أن يؤسس معادلة «ردع» مع كامل المنظومة العسكرية الصهيونية، ووفق حربٍ تمتدّ على طول وعرض لبنان وفلسطين (إسرائيل لم تدخل حرب 2006، في نهاية الأمر، إلا لأنها كانت متيقّنة من أنها ستهزم «حزب الله» بشكلٍ كامل، وتصريحات المسؤولين الصهاينة في بداية الحرب تؤكّد ذلك). بعد ذلك، في سوريا، احتاج هذا التنظيم إلى «التحوّل» من جديد، هذه المرّة لخوض معارك كبيرة على ميادين واسعة، وفي الصحارى والمدن وأرياف بعيدة. كلّ هذه التحوّلات قد جرت بشكلٍ انسيابيّ وسهل، و«حزب الله» ليس وحده هنا، إذ أصبح له نظراء في فلسطين واليمن والعراق وإيران، كلّ خبرةٍ يكتسبها أحدهم يتشاركها الجميع، وكلّ قوّةٍ يراكمها واحدهم هي قوّة للآخر.
ولكن، هنا أيضاً، لبّ المسألة ليس في السلاح والصواريخ. وهنا تحديداً يكمن الفارق بين الميليشيا وبين الحركة الشعبية. الميليشيا لديها سلاح، ولكنها تختفي مع أول هزيمة عسكرية، وتكون الهزيمة في حالتها أسهل (لأن لا حاضنة حولك تدافع عنك)، وأعضاؤها يستسلمون بشكلٍ أسرع، إذ لا مجتمع وقيم تحيط بهم وتحضّهم على الصمود وتنهاهم عن التسليم. حتّى بالمعنى التاريخي، تكون هزيمة الميليشيا مستدامة، ويصبح تاريخها مذمّة، ولكن من يعش في نفوس النّاس، حتّى لو هُزم، تظلّ ذكراه حيّة ولا بدّ أن يخرج - ولو بعد عقدٍ أو أكثر - من يستوحي منه ويستكمل طريقه. فهم «حزب الله» هذا الدّرس جيّداً منذ بداياته، وأنّ الهدف الأساسي هو في أن تستقطب النّاس وتتحول إلى حركة شعبية مكرّسة، فهنا رأسمالك الحقيقي وهؤلاء هم من سيدافع عنك ويحتمل معك ويكون «خزّانك» التطوّعي. أنت قد تبدأ صغيراً و«نخبوياً» و«محترفاً»، وفي جوٍّ معادٍ، ولكن هدفك الأول هو أن تتوجّه إلى النّاس وتستقطبهم وتتحول بسرعةٍ إلى حالةٍ شعبية منظّمة.
في نقاشٍ مع أصدقاء، لخّص أحدهم المسألة بشكلٍ واضح، وهو أنّ عناصر شعبية «حزب الله» اثنان، لا ثالث لهما: الانتصارات العسكرية، وشبكة التضامن الاجتماعي التي أقامها (من خزانات المياه التي كانت توضع في أحياء الضاحية في الثمانينيات وصولاً إلى المدارس ومؤسسات الدعم والتدريب والقروض). لو خسرت المقاومة هذين العنصرين، أو أحدهما، فهنا يبدأ التهديد لشرعيتها، بغض النّظر عن أي شيءٍ آخر. حين نقول «الشعبية» هنا، نحن لا نقصدها بمعنى «العلاقات العامّة» (PR)، أو كما يتمّ استخدامها في الإعلام والدعاية، بل بمعنى أنّ النصر العسكري، مثلاً، يستقطب الناس إلى جانبك، ويشجّعهم على المراهنة عليك، ويعطيهم نجاحات محسوسة وماديّة تدفعهم إلى تحمّل الصعوبات معك. وحين نقول «حركة شعبيّة»، فنحن نعني ذلك بالمفهوم «الحديث» للكلمة، أي جماعة كبيرة فيها تنظيمٌ وتطوّع وتعمل نحو أهداف محدّدة. ليست أيّ جماعة حركة شعبيّة، والأفكار والهويات والقوميات هي، بالمعنى السياسي، مجرّد «أسماء» حتى تنزل إلى ميدان الفعل والمجتمع.
الإسرائيليون والأميركيون، هنا، يفهمون هذا الواقع جيّداً، ومن هنا هم يستهدفون «حزب الله»، على الدّوام، عبر هاتين الجبهتين: إمّا تحقيق هزيمة عسكرية فاصلة، وهم لن يدخلوا حرباً من جديد قبل أن يضمنوا نتيجتها، أو عبر «تجفيف مصادر تمويله» وعزله داخل المجتمع. حتّى الإعلام ليس ميداناً بالأهمية ذاتها، وقدراته في النهاية محدودة: أنت لن تتمكّن، مهما مارست من الدعاية، من تغيير رأي النّاس الذين يعرفون المقاومة بـ«التجربة المباشرة»، ويعنيهم التحرير شخصياً. أمّا الجمهور خارج السّاحة، فهو لن تصل إليه أصلاً رسالة المقاومة ويحتكره الإعلام المهيمن، ولا مباراة - أساساً - بين «إعلام المقاومة» وإعلام أعدائها في الموارد والقدرات (وقلّةٌ من الناس، في أيّ مكان، ستشكّك برواية الإعلام السائد من حولها، وتبحث وتشكّك وتستكشف بحثاً عن الحقيقة، وتبني قناعاتها بنفسها).
ظروف الحصار وأهدافه تتشابه تاريخياً وإن اختلف السياق، والحرب تجري على المدى البعيد. المهمّ هو، حين يُطبق عليك الأعداء، أن تفهم شروط المعركة وأولوياتك، ولماذا تقاتل ولماذا الصّمود. قد لا يبدو المشهد من الخارج منطقيّاً، والقوى المتراصّة ضدّك أكبر وأقوى وأكثر ثراءً منك بكثير. ولكنّ هؤلاء النّاس أنفسهم قد مرّوا بمراحل أصعب، وكانوا وحيدين أكثر وضعفاء أكثر. هم اليوم ليسوا وحدهم، ومن ذاق - جماعياً - طعم التّحرير، ومعنى أن يكون ندّاً له بأسٌ يخيف كلّ أعدائه، لن يرجع إلى الوراء بأيّ ثمن.