من هو عدو العرب الرئيس، إسرائيل أم إيران؟ لم يُطرح هذا السؤال في العالم العربي بتاتاً قبل عصرنا الحالي. فلطالما فهم معظم العرب بأن العرب ككل، بمن فيهم أوّلاً الفلسطينيون، وأيضاً اللبنانيون والسوريون والمصريون والأردنيون، هم ضحايا للعدوان الإسرائيلي. والأمر الذي لا يعيه معظم الناس بنفس الدرجة، بالإضافة إلى ذلك، هو استهداف إسرائيل للتنوّع الديني والإثني في العالم العربي لحشد الكراهية الطائفية والإثنية، التي استهلّتها أولاً عبر استهدافها لليهود العرب بغرض تجنيدهم في مشروعها الطائفي والاستعماري، وعبر دعمها كذلك لكلّ القائمين على المشاريع الطائفية والإثنية الانفصالية في المنطقة كحلفاء لطائفيتها.

أدّى قيام إسرائيل كمستعمرة استيطانية عام ١٩٤٨ إلى إدخال دولة مفترسة وشرسة في قلب العالم العربي، بدأت بالإغارة على جيرانها وغزوهم منذ لحظة ولادتها دون كلل. فبعد استيلائها على معظم فلسطين، قامت إسرائيل بين عامي ١٩٤٩ و١٩٥٥ بشنّ غارات لا تُعدّ ولا تُحصى عبر الحدود على كلّ جيرانها، توّجتها بالمشاركة في العدوان الثلاثي على غزة ومصر عام ١٩٥٦. ومنذ تلك اللحظة، قامت إسرائيل باجتياح مصر ولبنان وسوريا والأردن وشنّ العديد من الغارات عليها، إضافة إلى الغارات التي شنّتها على تونس والعراق والسودان، فضلاً عن إسقاطها لطائرة ركاب ليبيّة عام ١٩٧٣. وقد مارست عدوانيتها هذه بالتزامن مع اضطهادها المستمرّ للشعب الفلسطيني عبر تهجيره عن وطنه، وسرقة أراضيه، واحتلاله عسكرياً، وإخضاعه لقوانينها العنصرية الاستعمارية. وقد جنَت إسرائيل نتيجة ذلك كراهية كل العرب وغضبهم، باستثناء بعض طغاة العرب ممن تآمروا معها على شعوبهم.
أمّا إيران، فلم تقُم بغزو أيّ بلد عربي، بل على العكس، فهي من تعرضت للغزو من قِبل ديكتاتور العراق الأسبق صدام حسين، الذي شنّ حرباً عليها بالنيابة عن عائلات النفط الخليجية الحاكمة والمصالح الإمبريالية الغربية، والتي شعرت بالتهديد من انتصار الثورة الإيرانية التي عزلت الشاه في عام ١٩٧٩. أمّا شاه إيران، الذي انتشرت في عهده الأيديولوجيا العنصرية والشوفينية الفارسية الكارهة للعرب التي تغلغلت في الثقافة الإيرانية، فقد كان حليفاً مُهاباً لعائلات النفط الحاكمة. وقد طالب الشاه بضمّ أجزاء من أراضي دولة الإمارات العربية إلى إيران، وقام باحتلال بعض جزرها في عام ١٩٧١. كما دأب الشاه على المطالبة الرسمية حتى عام ١٩٧٠ بضم البحرين بأكملها والزعم بأنها جزء من إيران. ومع ذلك، لم تقف مطالبه الشوفينية والإمبريالية عقبة في طريق التحالف السياسي والعسكري الحميم الذي قام فيما بينه وبين الدول العربية الخليجية، بل إنه حظي بتغطية إعلامية مميزة في وسائل إعلامها.
وتبعاً للاستراتيجية الإسرائيلية لتقسيم العالم العربي تقسيمات طائفية وإثنية، فقد قامت الدعاية السياسية لنظام صدام وعائلات النفط أثناء حربهم على إيران في عقد الثمانيات - حرب راح ضحيتها أكثر من مليون إيراني وأربعمئة ألف عراقي (وكانت أغلبية الجيش العراقي الذي حارب إيران تتكون من العراقيين الشيعة) - بالتشديد الشوفيني على فارسية إيران (رغم وجود الكثير من المواطنين عرب الإثنية فيها)، وعروبة العراق ودول الخليج العربية (رغم اشتمال معظمها على مواطنين فارسيي الإثنية)، لكنها لم تتضمن أبداً دعاية طائفية ضد الشيعة، ولم تقم دعايتها بتقديم إيران البتة على أنها عدو العرب الرئيس ولا قارنتها بالعدو الإسرائيلي.

لماذا يقبل الفلسطينيون وباقي العرب دفع ثمن الحفاظ على عروش حكّام الخليج على حساب حقوقهم؟


أما الدعاية الحربية الصدّامية، فقد قامت على استعادة تاريخ فجر الإسلام عبر إطلاقها اسم «قادسيّة صدام» على الحرب التي شنّها صدام على إيران، لتذكير الشعوب العربية بمعركة القادسيّة بين العرب والإمبراطورية الساسانية التي هَزم فيها العرب المسلمون في عام ٦٣٦ ميلادي الفرس الزرادشتيين، والذين يُطلق عليهم عادة اسم «المجوس» في الأدبيات العربية. وقد قام صدام بنعت الإيرانيين بالـ«مجوس» في دعايته الحربية، إلا أنه لم يعرّفهم كـ «شيعة» البتة.
أدّت الحرب إلى إفلاس العراق الثري وتحولت الانتصارات المبكرة للجيش العراقي إلى هزائم في نهاية الحرب التي دامت ثماني سنوات، ما أشعل في صدام نقمة على عائلات النفط التي هجرته بعد أن خاض هذه الحرب للحفاظ على عروشها. فقام صدام باجتياح الكويت عام ١٩٩٠ للتعبير عن نقمته، وهو ما أدى إلى الاجتياح الأميركي لمنطقة الخليج عام ١٩٩١ وإلى اجتياح العراق عام ٢٠٠٣، قتل الجيش الأميركي أثناءه مئات الآلاف من العراقيين. أقامت إيران على عجالة صلات حميمية مع حكّام العراق الجدد، وهم من الطائفة الشيعية، قام الاحتلال الأميركي بتنصيبهم كواجهة للاحتلال، تبعاً للاستراتيجية الإسرائيلية. وأصرّت سلطات الاحتلال الأميركي على ترتيبات طائفية وإثنية للحكم في عراق ما بعد الغزو، والتي قام بالتخطيط لها المحتل الأميركي وخبراؤه البيض العنصريون.
أرهبت هذه العلاقات العراقية-الإيرانية أنظمة الخليج، لا سيما المملكة السعودية، التي قامت على الفور بشنّ حملة طائفية على إيران وعلى الشيعة ككل، عرباً كانوا أم فُرساً. وفجأة تعرّضت الشعوب العربية منذ ٢٠٠٤ لهذه الحملة الشوفينية غير المسبوقة التي تتّهم إيران والشيعة بأنهم العدو الرئيس لكلّ العرب وبأنهم، وليس إسرائيل، مَن يستحق غضب العرب وكراهيتهم. وبعد خمس عشرة سنة على انطلاقها، كلّفت هذه الحملة مئات الآلاف من الضحايا العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين الذين تمّت التضحية بهم على مذبح عائلات النفط، وتطالب اليوم الشعب الفلسطيني بالتخلّي عن كل حقوقه كثمن يتوجب دفعه للحفاظ على عروشها.
افتتح الحملة الملك عبدالله الثاني، ملك الأردن وحليف أنظمة الخليج، عندما أعلن في ٢٠٠٤ نشوء ما أسماه بـ «الهلال الشيعي» (وهو تعبير استشراقي ربما قامت شركة أوروبية أو أميركية باجتراره لبدء الحملة) يمتدّ من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان. قامت الحملة بالتحريض على الشيعة في البلاد العربية وإيران وبدأت بالزعم أنهم «أسوأ» من المستعمرين اليهود الإسرائيليين. أما أن إسرائيل كانت من أقرب حلفاء الشاه وعدواً للثورة الإيرانية، فلم يكن محض صدفة.
وهكذا بدأت المحاولات الدؤوبة لتحويل إسرائيل وإعادة تشفيرها بأنها ليست عدو العرب الرئيس وبأن إيران والشيعة هم عدوهم الرئيس بلا منازع. وأُطلقت الحروب في لبنان والعراق وسوريا للقضاء على التعايش والسلم الطائفي عبر العالم العربي ولتعزيز الهيمنة الإسرائيلية. أما إسرائيل، وهي المروِّج الرئيس على الساحة العالمية للحملة العنصرية والشوفينية ضد الشيعة والتي طردت من لبنان في عام ٢٠٠٠، فقد قامت بغزو لبنان من جديد في عام ٢٠٠٦ للقضاء على حزب الله، وهو المكوِّن الرئيس والأكبر للمقاومة اللبنانية التي هزمت إسرائيل في عام ٢٠٠٠، لكن إسرائيل هي من هُزم. فزعت عائلات النفط وراعيها الغربي من هزيمة إسرائيل وإذلالها، وشرعوا على الفور في تمويل وتسليح جماعات طائفية كارهة للشيعة في العراق ولبنان، ومن ثم منذ ٢٠١١ في سوريا، وبعد ٢٠١٥ في اليمن، والتي عاثت وتعيث فساداً وأدت إلى قتل مئات الآلاف من العرب من جميع الطوائف، وجهّزت البيئة المجتمعية لظهور داعش والرعب الذي جلبه داعش معه. وفي هذه الأثناء قام أعداء حماس الفلسطينيون المتحالفون مع المملكة السعودية بتظاهرات وصفوا فيها منظمة حماس السنية بأنها «شيعية».
وفي عام ٢٠١٩، تم إعلان إسرائيل على أنها الحليف الرئيس لكل العرب ضد إيران، كما أكّد مؤتمر وارسو الذي عُقد في شباط/فبراير الماضي على ذلك بكل وضوح. وقد أعلن بنيامين نتنياهو في حينها بأن الدول العربية المشاركة «تجلس معاً مع إسرائيل في سبيل دفع المصالح المشتركة بشنّ حرب على إيران». أما العقبة الوحيدة التي وقفت في طريق دمج إسرائيل الكلّي في هذا التحالف الجديد فلم يكن سوى الشعب الفلسطيني.
وإضافة إلى الرعب والقتل الطائفي الذي أطلقت عائلات النفط له العنان في لبنان وسوريا والعراق واليمن، فإن على الشعب الفلسطيني أيضاً، كما أسلفنا، أن يدفع الثمن المطلوب لهزيمة التهديد الإيراني المزعوم لعروشها. وقد أصبحت عائلات النفط نتيجة هذه المعادلة الرعاة المحليين لـ«صفقة القرن» التي أطلقها دونالد ترمب، والتي تصرّ على تصفية كلّ الحقوق الفلسطينية بشكل نهائي، وعلى أنه ينبغي على مبدأ الاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين وسوريا وأراضي الجنوب اللبناني أن يكون مقبولاً، ومعترفاً به، بل أن يكون موضع احتفاء كل العرب.
ولكن لماذا يقبل الفلسطينيون وباقي العرب دفع ثمن الحفاظ على عروش حكّام الخليج على حساب حقوقهم وحياتهم؟ فعلى الرغم من عدم قدرة إيران، في أسوأ الأحوال، على ما هو أكثر من تهديد عروش أنظمة النفط المكروهة في العالم العربي، فإن إسرائيل ما فتئت تواصل تهديد كل الشعب الفلسطيني، بل الشعوب العربية قاطبة. فإن كانت الطريقة الوحيدة لإقناع العرب بتهديد إيراني متخيَّل ممكنة عبر الحملة الكارهة للشيعة التي شُنّت منذ عام ٢٠٠٤، فإن التهديدات الإسرائيلية الحقيقية للغاية والموضوعية لكل العرب لم تتوقف للحظة منذ ولادة المستعمرة في عام ١٩٤٨. أما الرهان على جعل العرب يرون تهديدات إيرانية غير موجودة ومحاولة إعمائهم عن التهديدات الإسرائيلية الحقيقية فهو رهان محفوف بالمخاطر ومجازفة غير محسوبة في أحسن الأحوال، بغضّ النظر عمّا يحظى به من حملات ترويجية في وسائل الإعلام العربية المملوكة من عائلات النفط. ولن تستطيع فطنة ترامب التجارية – أو عدم فطنته – التقليل من هذه المخاطر.

* أستاذ السياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في نيويورك. صدر له حديثاً كتاب «الإسلام في الليبرالية» عن جداول للنشر في بيروت (٢٠١٨)، وكتاب «آثار استعمارية: تشكّل الهوية الوطنية في الأردن» عن دار مدارات، القاهرة (٢٠١٩)