لعلّ من أهم المقاربات التي يمكن تقديمها لما بات يعرف بالثورة التكنولوجية أو الصناعية الرابعة، أو اختصاراً «الثورة الرابعة»، تبلور ما يمكن تعريفه بالقطاع المركّب، وبالأحرى المعقّد أو المتشعّب، لثلاثية البيانات والمعلومات والمعرفة. ويقع هذا التطور في إطار الدول الرأسمالية المتقدمة اقتصادياً أو «الدول الصناعية» في المقام الأول (الدول الصناعية السبعة المعروفة: الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان)؛ وفي المقام الثاني: الدول شبه الصناعية، وبتعبير اقتصادي أوْفى:«الدول المصنّعة حديثاً»، المسمّاة في بعض الكتابات «الاقتصادات الناهضةEmerging Economies»، تمييزاً لها عن مصطلح سابق عُرف بالأسواق الناشئة، وتضم ما يطلق عليه أحياناً «الدول النامية الديناميكية الكبيرة» المكوّنة عموماً من بعض دول الشرق الآسيوي، وخاصة كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى أعضاء تجمع «بريكس» (البرازيل وروسيا والهند والصين و جنوب إفريقيا).

يمكن استخلاص عدد من الحقائق بشأن إعادة هيكلة الوظائف في العالم الصناعي الرأسمالي و «شبه الرأسمالي»، على إثر «الثورة الصناعية الرابعة» على النحو الآتى:
1- الاستقطاب المتزايد في سوق العمل
أدّت الثورة الرقمية إلى حدوث حالة من الاستقطاب المتصلّب تدريجاً، في سوق العمل، حيث يوجد سوقان في كل بلد، أو عدة أسواق: سوق العمل الماهر الذى يحقق التوافق بين عرض المهارات النادرة والكفاءات العالية وبين الطلب عليها، وسوق آخر منخفض المهارة في المهن التقليدية، وسوق ثالث للعمالة المتوسطة المهارة. ومع تفاوت المهارة والكفاءة والموهبة، يكون هناك تفاوت مطابق في مستويات الأجور والمنافع أو المكاسب الكلية لعنصر العمل. وهذا التفاوت يمثل سبباً رئيسياً للظاهرة التى طالما تعرّض لها الباحثون في مجال الاقتصاد السياسي خلال السنوات الأخيرة، ظاهرة تنامي عدم العدالة في التوزيع داخل البلد الواحد، وبين البُلْدان.
2- السوق الدولي للعمل وانتقال المهارات والكفاءات
يتزايد اندماج أسواق العمل الوطنية في ظل الثورة الرقمية، حتى يكاد يكون هناك «شبه سوق دولية واحدة» رأسمالية الطابع، للعمل الماهر والكفاءات العالية بالذات. ويذكر في هذا الإطار أن هجرة المهارات والكفاءات عبْر الحدود يمكن أن تسدّ فجوات في الطلب على العمل، على المستوى الدولي، وإن كانت تؤدي إلى توترات عدّة، و يلاحظ من جهة أولى أنه يوجد نحو 244 مليون شخص – عام 2015 – عاشوا في بلاد غير بلادهم، وأن أكثر من 90% منهم هاجروا طوعاً، وأنه في الفترة من 2000 إلى 2014 قدمت الهجرة نحو 40% من الزيادة في قوة العمل في كندا وإسبانيا وبريطانيا والولايات المتحدة. ولكن، من جهة أخرى، نجد أن العمّال المهاجرين يحصلون على أجور أقلّ من مواطني البلاد التي يهاجرون إليها بنسبة 20-30% تقريباً. ومع ذلك فإنهم يسببون حدوث قلق لدى العمّال (المواطنين) الذين يواجهون خطر الانقطاع عن العمل أو نقص الوظائف ذات الأجور الجيدة، ويؤدي ذلك إلى تغذية مشاعر (شعبية) معادية للهجرة والمهاجرين. وتشير الدراسات الاستقصائية التي أجراها (معهد ماكينزي العالمي MGI) إلى أن النسبة الكبرى من ذوي المداخيل المتوسطة والمنخفضة في الاقتصادات المتقدمة – وهي تعاني من ثبات مستوى الدخل الحقيقي أو انخفاضه – متشائمة في ما يخص مستقبلها، وتحمل نظرة سلبية تجاه المهاجرين. ولعلّ هذه الحقيقة تكمن في خلفية ما جرى بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبشأن صعود الإدارة الحالية على سدّة الرئاسة في الولايات المتحدة الأميركية تحت شعار عنصري الطابع (أميركا البيضاء).

نظرة مستقبلية لإعادة هيكلة قوة العمل في الدول العربية
نشير في هذا المقام بصفة خاصة إلى عدد من النقاط المتعلقة بإسقاطات التطور العالمي في المجال محل البحث على المستوى العربي العام، من حيث ما يجب أن يكون، كنوْع من توجهات السياسات المقترحة:
أولاً : ضرورة تبنّى استراتيجية محددة للتعامل مع الثورة الرقمية، بأوسع وأشمل من مجرد أعمال البنية التحتية التكنولوجية، أو صناعة الهواتف النقالة، وحتى الشرائح الدقيقة السيليكونية. إن أنشطة ما بعد السيليكون Beyond Silicon تمثل القفزة الحقيقية في عالم الثورة الرقمية، وخاصة من خلال الاهتمام بالعنصر الناعم لنماذج البرمجة القائمة على «الذكاء الاصطناعي» وتطبيقاتها في الآلات والروبوت والتحكّم الأوتوماتيكي. ويرتبط بذلك ضرورة بناء إطار للتوسع في استخدام الإنترنت في مجال العمل بالأرياف وبالأحياء الفقيرة في المدن.

يتزايد اندماج الأسواق في ظل الثورة الرقمية حتى يكاد يكون هناك «شبه سوق دولية واحدة» رأسمالية الطابع


ثانياً: بناء مرافق البحث والتطوير لدى كل من الحكومة ومراكز البحوث الوطنية من جهة أولى (في مجال البحث الأساسي Basic Research) ولدى قطاع الأعمال العام والخاص (في مجال البحث والتطبيق والتطوير التجريبي) بهدف تطويع التكنولوجيات الرقمية لرفع الإنتاجية في القطاعات المختلفة ودفعها، وخلق الوظائف وفرص العمل الجديدة. ويدخل ذلك في صميم بناء الاستراتيجيات الوطنية «للرقمنة»، على غرار الصين.
ثالثاً: السير على ساقين:
لا يلائم معظم الاقتصادات العربية حالياً السعي إلى مجرد صبْغ الاقتصاد بالصفة الرقمية الكاملة، فلا تزيد الأوتوماتية الكاملة على الصعيد الدولي على 5%، و إن الثورة الرقمية لا تزال في بداياتها على كل حال، لكن الأنسب أن يجري توسيع تدريجى للأعمال القائمة على المهارة والموهبة والذكاء والشبكات والإنترنت، في مجال الأنشطة الخاصة بالتنمية الريفية المتكاملة، وتطوير بيئة العمران الإنساني في المدن الكبرى والمتوسطة، وفي القرى.
إن التسرّع في صبغ الاقتصاد بالرقمية لن يؤدي إلا إلى نوع جديد مما يسمّى «المرض الهولندي»، أي خلق ازدواجية مصطنعة في الاقتصاد، بين قطاع بالغ التقدّم وقطاعات واسعة أقل تقدماً بدرجة عالية. لذلك، ينبغي السير على ساقين: ساق ممدودة في العالم المعاصر، وفق آفاق «الثورة الرابعة»، وساق أخرى مغروسة في تربة الاقتصاد المحلية لخلق فرص العمل وكسب الدخول من أجل تحسين مستوى المعيشة للفئات الاجتماعية التي تنتشر في غالبيتها المجتمعية ظواهر الأمّية والبطالة والفقر.
* أستاذ «العلاقات الاقتصادية الدولية» في معهد التخطيط القومي بالقاهرة