«تنتهي الحرب عندما يُهزم العقل» ــــ باسل الأعرج


تمرّ الذكرى الثانية لاستشهاد باسل الأعرج، ابن قرية الولجة، فلسطين بعد اشتباكه مع القوات الخاصّة الصهيونية من المسافة صفر. لم يكن باسل أول الشهداء، وهو بالتأكيد ليس آخرهم، لكنّ عوامل عديدةً جعلت من باسل يتحوّل أيقونةً بين فئة من الشباب الفلسطيني والعربي، بمن فيهم من عرفه ومن لم يعرفه. يراه البعض أسطورة شبابيّة، لكنّ التاريخ الفلسطيني مليء بالشخصيّات التي زُرِعَت في الوعي الشعبي تحت خانة "الأساطير"، سواء عن استحقاق أو دونه. وهو ما يدفعنا اليوم الى التساؤل: عن أيّ باسل نتحدّث؟
إنّ ردّة فعل الطرف المُستعمَر على الحرب القائمة عليه غالبًا ما تصبّ في خانة البحث عن البطولة، والسبب الرئيسي لذلك هو «الهزيمة» الأوليّة وتأثير هذه الهزيمة على إرادة ووعي المستعمَر لقدراته الذاتية. وتتعدّد أشكال «البطولة» بحسب الظروف السائدة، فهي غالباً ما تكون بطولة فرديّة تتجلّى بشخصيّات أسطورية كشخصيّة صلاح الدين الأيوبي في الوعي (وربّما اللاوعي) العربي وارتباطها بـ«تحرير القدس»، أو بطولة جماعيّة تظهر في الإيمان العميق ــــ والذي يجنح نحو الرومانسيّة ــــ بـ«قوة الشعوب»، فترانا نغرق مع كلّ انتكاسة سياسيّة في السؤال الأبدي: «وين الملايين؟ الشعب العربي وين؟» وفي كلتا الحالتين، فإنّ البطولة تعبّر عن فعل مثالي خارق يتمثّل به الأفراد والمجتمعات لتحقيق أهدافهم. بناءً على ذلك، يستطيع الفرد منّا تفهّم الحاجة العامّة والفرديّة للبطولة كنهج يساهم في تعديل موازين القوى بين طرفَي الحرب. لكنّ صناعة الأساطير تظلّ سيفًا ذا حدّين، فبقدر حاجة المجتمع الى "مشاعل" تنير درب تحرّره، تبقى الخشية من تعويم «أساطير» وهميّة تتحوّل في ما بعد الى أوثان فارغة المضمون يُعمل من خلالها على السيطرة الثقافية والنفسيّة على المجتمع المُستعمَر.
فأين باسل الأعرج من كلّ ذلك؟
لا شكّ أنّ شخصيّة باسل الأعرج كانت العامل الرئيسي الذي ساهم في انتشار اسمه في الأوساط، وهنا لا بدّ من أن نذكّر بأن باسل أجاد استخدام وسائل التواصل في سبيل الوصول والتشبيك. لكنّ العدد الأكبر من متابعي باسل عرفوه بعد استشهاده، وهو ما يطرح سؤالًا حول شكل العلاقة بين هؤلاء ــــ ومن بينهم كاتب هذه الكلمات ــــ مع شخصيّة باسل المجرّدة.
الُبعد الأول لهذه العلاقة هو البُعد العاطفي الذي ينشأ بين المتلقّي وبين الشهيد صاحب الفعل الأكثر فداءً وتضحيةً وحبّاً في الوطن، وهو البُعد الذي يظهر جليّاً مع كلّ شهيدٍ يرتقي على درب فلسطين. أمّا البُعد الثاني للعلاقة، فهو الارتباط الفكري بالشهيد وهو ما يفتح الباب أمام إشكاليّة الأيقنة والأسطرة عند الشهداء. لعلّ أبرز ما فعله الشهيد باسل الأعرج هو أنّه ترك خلفه مواد مكتوبة ومسموعة تعبّر عن القيم والمبادئ التي حملها في حياته، ما يقلّل من فرص التأويل والتشويه والتأليف الموجّه. وفي قراءة لما تركه لنا باسل، نجد أنّ البناء الفكري لباسل يتمحور حول مركزيّة «العقل» كأداة نضال جذري في الصراع ضدّ الاستعمار، وهو قد اختصر ذلك بقوله: «تنتهي الحرب عندما يُهزَم العقل». و«العقل» الذي يذكره باسل هو مزيج القدرات الذهنيّة والعمليّة المجبولة بعامل الإرادة والوعي الوطني. ففي مقاله "حرِّر عقلَك واهدم صنمًا"، يشرح باسل الفرق ما بين العقل الحرّ و«العقل المضطهد» أو «العقل الكولونيالي» الذي يسلّم إرادته للسلطة ويمنحها السيطرة عليه ويترك للجسد مهمة إيجاد المبررات لتقديم التنازلات. وفي هذا القول، يردّد باسل ثنائيّة غرامشي الخالدة، "تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة"، والتي تشكّل مدخلًا إلى الفكر الثوري المناهض للاستعمار. وأهميّة العقل تكمن في كونه الوسيلة التي من خلالها يتمّ:
1- تحديد طبيعة وخصائص الحرب الاستعمارية القائمة ضدّ فلسطين.
2- دراسة ظروف طرفَي الحرب بأسلوب علمي، بعيدًا عن الانتفاخ الفاشي والإنكسار العدمي.
3- وضع الإمكانات الذهنيّة والماديّة في خدمة الإرادة الساعية إلى كسر خطوط "الممكن" و"المستحيل" التي يفرضها الاستعمار على الشعوب المُضطهدة.
إذًا، شدّد باسل على دور العقل في بناء وترسيخ الوعي المناهض للاستعمار الذي هو بطبيعته اشتباك جذري ودائم مع العدو، من تجلّياته الاشتباك المسلّح. ولعلّ أهمّ ما قدّمه لنا باسل هو تحطيم صورة العجز التي دأب العدو وأعوانه المتخاذلون من قيادات فلسطينية على زرعها في الإنسان الفلسطيني لضمان رضوخ العقل الفلسطيني للشروط الكولونيالية. فباسل لم يأتِ بقوى خارقة تجعل منه أسطورة باهرة، لكنّه كان شابًا فلسطينيًّا «عاديّاً» (بقياس البطولة التي زرعها فينا إعلام الاستعمار والأساطير الشعبية) بنى تجربةً ديناميكية جمعت ما بين التجربة والعلم والتطوّر. وهو ما نلمسه في مقالاته ومواقفه. فبإمكان أيّ منّا أن يقرأ مقالًا لباسل، فيكسب منه معلومة ويتعرّف الى تحليلٍ جديد (أو قديم تمّ تغييبه)، وأن يختلف أو يتّفق مع الشهيد في استنتاجٍ أو تقدير موقف. وهنا بالتحديد، يختلط البُعد العاطفي بالبعد العقلاني للعلاقة مع الشهيد، وهو ما يخلق حالات تأليه أو شيطنة للرموز الفرديّة بعيدًا عن المحتوى الفكري والفعل الثوري الذي قدّمه الشهيد. ما فعله باسل هو أنّه أعاد إحياء فكرة المقاومة كفعل واعٍ وعقلاني لا بديل منه للبقاء والاستمرار، وبالتالي أعاد الى وعينا حقيقة أنّ المعركة التي نخوضها هي معركة قرار وليست خياراً، لأنّ المعركة الاستعمارية هي معركة وجود لا تحتمل الخيارات.
لهذا وأكثر، وقبل أيقنة باسل، لا بدّ من أن نبحث عن الأسباب التي ساهمت في تكوين شخصيّة باسل، وتلك التي رفعت اسم باسل عاليًا، وهي الأجوبة ذاتها التي أوصانا الشهيد أن نبحث عنها.
اقرأوا باسل. ناقشوه في مجالسكم وبيوتكم وجامعاتكم، ولا تهزِموا العقل!
* طالب جامعي