ليست "صحوة ضمير" هي ما دفع إلى أن يتقدم الملف الاقتصادي ــــ الاجتماعي، في اهتمام السلطة، إلى الواجهة ومعه ضجيجٌ، الكثير منه مفتعل وتضليلي، تحت عنوان مكافحة الفساد. ما فرض ذلك هو شبح الخراب والانهيار والإفلاس الذي ظهر، بقوة، مهدداً، عاجلاً، بتصدع الهيكل وسقوطه فوق رأس الجميع، وخصوصاً الفئات الشعبية الأوسع والأضعف. المضيّ في النهب والتحاصص والاستهتار، من جهة، والتعويل الواهم على مؤتمر "سيدر" (باريس 4)، من جهة ثانية، ساهما في اتساع النقمة. الواقع أن هذا المؤتمر هو فصل جديد من فصول تفاقم الأزمة على غرار ما سبقه: فهو يعد بمزيد من المديونية والنهب، ويشترط، كما، كرّر دائماً رئيس الحكومة، اتخاذ جملة "تدابير مؤلمة" تحت عنوان مخادع هو "الإصلاحات" الضرورية لتفادي الأسوأ. هي، كالعادة، إجراءات ستكون على حساب الفئات الشعبية، ولحساب المتحاصصين وحلفائهم في الطغمة المالية التي باتت شريكاً كبيراً في السلطة بعدما كانت تشارك فيها، رمزياً، وتدير السياسات عبر وكلاء من كل الاتجاهات وفي كل العهود...

طفح الكيل بالنسبة إلى الناس. هذا الشعور، مقروناً بالاستجابة النسبية والفورية للمشاركة في التحرك الاحتجاجي في الشارع، هو ما فرض تحولاً في سلوك وموقف عدد من القوى السياسية. حرَّض على ذلك أيضاً أن الأزمة الاقتصادية واتساع المتضررين منها، وخصوصاً في حال الانهيار، في الوسط الشعبي العريض أساساً، كانت وما زالت مرشحة للاستغلال من قبل جهات خارجية لإحداث اختلال كبير في الوضع اللبناني. هذا الاختلال تُعوِّل عليه تلك القوى لإغراق البلد في مشاكل متعددة ومتناسلة بما يخدم أغراض حملتها على كل الذين يعترضون على الخطط الأميركية الصهيونية في المنطقة. تنشط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في هذا الاتجاه عبر مجموعة من السياسات التي تشمل العقوبات والمداخلات والزيارات المقرونة بالضغوط والتهديدات... والتي لن تكون آخرتها زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى دايفيد ساترفيلد تمهيداً لزيارة وزير الخارجية مايك بومبيو في الأسابيع القليلة القادمة إلى لبنان. ترمي تلك الزيارة، هي الأخرى، إلى رفع مستوى الضغوط والتهديدات الموجهة ضد الدولة اللبنانية تحت عنوان رفض تنامي دور "حزب الله" في السياسات الداخلية والخارجية اللبنانية...
مستوى الخراب و"الهريان" وشمولهما، أثارا حملة متواصلة، لمعالجة الفساد. انخرط في هذه الحملة، بشكل خاص وجديد، "حزب الله" الذي كان ينأى بنفسه عن الملفات الداخلية عموماً وعن الملف الاقتصادي خصوصاً. "حزب الله" قارب هذه المسألة، من زاويته السياسية، بمعطيات اقتصادية طبعاً. لا مفاجأة في ذلك. لا ينبغي أن يتوقع أحد مقاربة شاملة ومتخطية للصراع السياسي في البلد والمنطقة وحساباتهما. إنه تناول محكوم، إذاً، بأولويات الصراع المذكور, وبعدم تمكين قوى خارجية وداخلية من توجيه المسؤولية نحو غير المسؤولين عنها: على الأقل الأساسيين منهم. لا مفاجآت في الحقيقة في ردات الفعل. ليس جديداً أن يجري استنفار المؤسسات والعصبيات الطائفية والمذهبية دفاعاً عن مواقف أو سياسات أو ارتكابات... وتصوير كل مساءلة أو استهداف لفرد أو لموقف بوصفهما استهدافاً لأتباع طائفة أو مذهب بشكل شامل. لطالما حصل ذلك. إنه من "عدّة الشغل" التقليدية. نحن نقع عليه، بشكل متواصل، كلًما تطلبت المصلحة الفئوية والخاصة ذلك. لا يُستثنى أحد، من أطراف المحاصصة، من هذا الاستخدام: في المديين القديم والجديد. المؤسسات "الملّية" جاهزة (تملّلت كل المؤسسات بما فيها النقابات والجمعيات والنوادي... في القطاعين العام والخاص) لدعم مرجعيتها السياسية: مهما كان الموضوع، وحجم الارتكاب، أو الفئوية، أو نوعية الموقف. في السنوات الأخيرة تفاقم التطييف والتمذهب إلى حدود غير مسبوقة. تكرّس ذلك، خصوصاً، في الانتخابات وقانونها ومجرياتها.. الواقع أن المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، في موقفه المدافع عن رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، إنما يدافع عن مجمل النظام وعن أطرافه بأكملهم. الطائفية والمذهبية في خدمة النظام بكل بنيته وأطرافه وتقاليده المعلنة وغير المعلنة. وحيث إن الفساد هو جزء رئيس في هذه البنية، فما فعله دريان من رسم "خطوط حمر" حول السنيورة، إنما يؤكد واقعاً ولا يختلقه أو يفتعله. يصبح ذلك أسهل حين يكون الخصم ذا انتماء طائفي أو مذهبي آخر (على غرار ما هو الوضع بالنسبة إلى حملة "حزب الله"). ثم حين تكون هذه الحملة، رغم صحة وقوة ما تعلنه من اختلالات وهدر ونهب، محصورة, في ما تناولته، حتى الآن، بطرف دون سواه. هذا يعطي خصومها فرصة اتهامها بالانتقائية والتمييز، وبالتالي التسييس وعدم الشمولية.
ليس خافياً أن أطراف التحاصص، في كفاحهم المرير من أجل نيل حصصهم أو تعزيزها، إنما يفعلون ذلك تحت حجة أنهم يطالبون بحقوق مهدورة أو مكتسبة لأتباع هذه الطائفة وذاك المذهب... المزاج الشعبي يُخدع، معظمه، بهذه المزاعم التي تتكفل العصبية بإعطائها المشروعية الضرورية عبر منظومة متكاملة، وعبر شبكة المستفيدين الكبار أولاً، والصغار، ثانياً... في هذا السياق، لن نتوقع أن تؤدي حملة مكافحة الفساد إلى خواتيم سعيدة وجذرية وانعطافية. دون ذلك، دفاعات النظام نفسه الذي يدير شبكة متكاملة من الدفاعات التي تحميه وتغذيه. ثم إن الطرف المطالب بتصويب المسار ليأخذ منحى موضوعياً وشاملاً، ما زال طرفاً ضعيفاً وذا تأثير محدود. هذا ما يجعل عملية التصحيح ذات طابع محدود في إطار تناقضات أطراف المحاصصة وفي نطاق المنظومة نفسها، وبالتالي ضمن توازنات وصراعات أطرافها، لا خارج ذلك بما يطاول تلك المنظومة الجهنمية التي تمنع المحاسبة والتصحيح بصورة جدية وكافية.
يُرتِّب كل ذلك مسؤولية كبيرة على القوى والاتجاهات المتضررة من الواقع القائم. هي مطالبة بدور أكبر في تكوين كتلة ضغط شعبية سياسية تستطيع أن تشكل لاعباً فعالاً في معادلة يشكل استمرارها تهديداَ لمصالح البلاد عموماً، والفئات الشعبية خصوصاً، على المستويات كافة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية...
* كاتب وسياسي لبناني