يوم 22 كانون الثاني/ يناير 2019، وقّعت فرنسا وألمانيا في إكس لا شابيل معاهدة تعاون جديدة تعزّز آليات التشاور الثنائي. في ما يتعلّق بالسياسة الخارجية والدفاع، إنّ هذه المعاهدة التي «تكمّل» نظيرتها الموقّعة في الإليزيه بتاريخ 22 كانون الثاني/ يناير 1963 من طرف كونراد أديناور وشارل دو غول، تبلور الأمل في جعل هذا التعاون الثنائي ركيزة للأمن والدفاع المشترك في أوروبا. لكن بالنسبة إلى الباحث في «المعهد الفرنسي للجيوسياسة» في جامعة باريس 7 و«معهد توماس مور»، جان سيلفاستر مونغرونيي، يبدو أثر هذه المعاهدة على السياسة الخارجية والدفاعية محدوداً جدّاً.

إن كان الاتفاق يُظهر إرادة للحفاظ على التعاون الفرنكو-ألماني تجاه وضدّ عدد من الصعوبات، فإنّه لا يمثّل مع ذلك خرقاً وفقاً للمحلّل الذي يرى أنّه «بصفة عامة، وفي السياق الحالي المشكّك في الاتحاد الأوروبي، تحت تأثير الشعبويات القوميّة، فإنّ الهدف هو الحفاظ والتريّث أكثر من إعادة التأسيس والتعميق». بالنسبة إلى مونغرونيي، فإنّ هذه «المعاهدة» المتواضعة ليست مدفوعة برغبة في بناء استقلالية استراتيجية أوروبية حقيقيّة (في سياق انقطاع متنامٍ بين المصالح الأوروبية والأميركية) بقدر ما هي مدفوعة برغبة في الحفاظ على الصناعة الدفاعية ودفع القدرات العسكرية في أوروبا من خلال تعاون منظّم دائم يجمع 25 دولة عضواً من بين 27 (دون المملكة المتحدة) ومن دون المسّ من حلف شمال الأطلسيّ (الناتو).
يقدّر المحلّل أنّ «المشكلة الحقيقيّة المطروحة، بين الضفتين الشماليتين للأطلسي، ترتبط بـ«تشارك الثقل». يجب على الحلفاء الأوروبيين بذل مزيد من الجهد والتمكّن من التصرّف بمفردهم، على الأقلّ على مستوى عملية عسكرية محدودة النطاق. في حين، يبقى «الناتو» ضروريّاً. تبقى عبارات «الاستقلالية الاستراتيجية» أو «السيادة الأوروبية» شديدة التفخيم بالمقارنة مع ما يمكن التوافق عليه ضمن الاتحاد الأوروبي، بل ويمكن حتى أن تحدّ من الأداء».
حول هذه النقطة، تطرح المعاهدة بناء «وحدة مشتركة تُعنى بعمليّات تحقيق الاستقرار في بلدان ثالثة» ما يفترض «تعاوناً (أوروبيّاً) مشدّداً». هدف تعزيز السياسة الخارجيّة والأمن يترك المراقبين أكثر حذراً بما أنّ الإطار الدستوري الألماني يحدّ من هامش المناورة الاستراتيجيّة لبرلين. من ناحية، ينزع ردّ الفعل السياسي الألماني إلى تطوير «قوّة صلبة» ويدافع قبل كلّ شيء عن فكرة حمالة المجال الأوروبيّ، لكن «من وجهة النظر الفرنسيّة، تعدّ التدخلات الخارجيّة ضرورية. لا يوجد توافق قويّ في ألمانيا حول رفع الإنفاق العسكريّ. في الواقع، تضطلع الولايات المتحدة (بفارق بعيد) والمملكة المتحدة وفرنسا بالجهد العسكري الغربي، وتمثّل ثالوثاً غربيّاً له امتداداته الدبلوماسية والعسكرية».
اليوم، تكمن إحدى أهمّ مصاعب الاتحاد الأوروبي في غياب محتوى واضح لهياكل السياسة الخارجيّة والأمن المشتركة. حين لا تتمكّن دول الاتحاد الأوروبي من الاتفاق على أهداف تتوافق مع مصالح أوروبا، ينتهي الأمر بمعالجة بعض المسائل الاستراتيجية الأساسية، حين لا يتم التعامل معها بالمستوى المطلوب، بشكل لا يتناسب مع المصالح الأوروبية المحض.
يعتبر الباحث الفرنسي أيضاً أن مسألة «أوروبا الدفاع» لا تمثّل حاليّاً أولويّة، إذ «لا يمكن، بصفة أساسيّة، التوصّل إلى «أوروبا دفاع» حقيقيّة دون الاتفاق حول المسؤولية السياسية، سلاسل القيادة، وقواعد الاشتباك. من الضروريّ وجود قائد مهيمن، قادر على توحيد «النوايا الحسنة» (على غرار الولايات المتحدة في حلف الناتو)، أو جعل الاتحاد الأوروبيّ فاعلاً جيوسياسياً عالمياً حقيقياً. لكن، لا يوجد «مهيمن خيّر» ضمن الاتحاد الأوروبي له القوّة والشرعيّة المطلوبتان. لا يوجد أيضاً أفق لتوحيد السياسة والجيش في شكل فيدرالي».
يرى جان سيلفاستر مونغرونيي أنّه منذ توقيع معاهدة ماستريخت (1992)، منذ إطلاق «السياسة الأوروبيّة للأمن والدفاع» (1999) وتحويلها بعد تبنّي معاهدة لشبونة إلى «سياسة الأمن والدفاع المشتركة» (2007)، تكرّر نفس عناصر الخطاب كلّ مرّة لكن لم تعرف الجهود المبذولة خلال العقدين الأخيرين ترجمة فعليّة على مستوى الدفاع الأوروبي. في النهاية، يعتبر المحلّل أنّ المشكل الأساسي مرتب بغياب موازنات، قدرات والقابليّة للعمل المشترك في أوروبا، «المهمّ هو توفير موازنات وقدرات في أوروبا، وجعل ذلك محضنة للقوّة، بدلاً من فيدراليّة مخفّضة (ودون إعلان ذلك). بعبارة أخرى، يجب إعادة التسليح ومن ثمّ الاشتباك. لاحقاً، ستتأقلم الأطر المؤسساتيّة (الموجودة أصلاً): تدخلات في إطار حلف الناتو، الاتحاد الأوروبي أو عبر تحالف للغرض (يقوم على نوايا حسنة)، والنظر وطنيّاً إن كان يجب التفاعل بشكل سريع». لكن، إن لم توجد أطر فعل، فإنّ القدرات لا تكفي والإرادة السياسيّة مفقودة. يخلص المحلّل إلى أنّ «هذا لبّ المشكل: إعادة التسليح، النظر إلى العالم كما هو، والاستعداد للاشتباك إن لزم الأمر».