"شرّفت يا نيكسون بابا يا بتاع الووترغيت". بسبب هذه القصيدة، سُجن كل من الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم. في مستهلّ زيارته لجمهورية مصر العربية في ربيع ١٩٧٤، أعطى أنور السادات ريتشارد نيكسون موكباً عظيماً يليق بفخامة "قائد العالم الحر"، في أعقاب فترة "تسخينٍ" للحرب الباردة كان يُسَتَقطب لها السادات بعد تغيير مصر لولائها وخروجها من معسكر الاتحاد السوفياتي. وفي ذلك الركب المهيب والموكب الفخم، خرجت الجماهير "المُجنّدة" مهلّلةً لنيكسون الفاسد الذي افتضح أمره لاحقاً في ما عُرف بفضيحة مبنى الووترغيت، حين أمر بالتنصت على معارضيه في الحزب الديموقراطي. لكن صوتاً خافتاً ومؤثّراً غرّد خارج السرب، وكسر النغمة التي أرادها السادات، كاشفاً للجماهير فساد الرئيسين كليهما، وليفشل المسرحية الهزلية التي كان ينصبها السادات لنيكسون. فمن يتصوّر أن زيارة ريتشارد نيكسون، "رئيس العالم الحر"، ستتسبب بسجن مواطنَين بسيطين مثل الشيخ إمام وصديقه الشاعر أحمد فؤاد نجم؟

واليوم، تتكرّر المسرحية نفسها بحذافيرها ونغماتها. ههنا العودة إلى الأجندة للمركز الأميركي، يخطو في القاهرة رافعاً راية الحضارة والليبرالية، وما تجرّه معها من قمعٍ وإسكات. هذه كانت زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك پومبيو للقاهرة (في كانون الثاني الماضي)، حيث ألقى خطاباً في الجامعة الأميركية، بدلاً من جامعة القاهرة، حيث وقف باراك أوباما قبل سنوات، وأوباما يمثّل النقيض السياسي للإدارة الأميركية الحالية، التي تحاول ما في وسعها لكي تمحوه من الذاكرة.
في العاشر من كانون الثاني/ يناير ٢٠١٩، تحوّلت الجامعة الأميركية الى حصنٍ مغلق تمركزت حوله قوات الأمن، أُغلقت أبوابها ومُنع الطلاب من الحضور ودخول الحرم الجامعي إلا لمن تمّت دعوتهم عبر إعلان سريع أُرسل عشية الخطاب. كأنّ مصر لا تزال في حقبة الحرب الباردة، وهي تخاف من أن يظهر رأي الشارع في الإدارة الأميركية، وتخشى أيضاً من ظهور أي معارضة لزيارة بومبيو، كخشية السادات من أن يواجه نيكسون جماهير تندّد به بدلاً من الاحتفاء والترحيب ــــ وهو ما دفعه إلى القبض على الثنائي الساخر: أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام. كلمات الأغنية الشهيرة لا تزال معبّرة اليوم، حين تقول مثلاً "جواسيسك يوم تشريفك عملولك دقّة وزار"، كأنها تصف حصن الجامعة الأميركية عشية زيارة وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية.
لم يعلّق الإعلام المصري على أيّ من أحداث تلك الزيارة وتأثيرها على الساحة المصرية. خطاب بومبيو، حتى في الشكل، كشف عن فجرٍ جديدٍ مما كان مستوراً، مخيفاً، للغطرسة الأميركية. ففي السطر الأول من الخطاب، شكر وزير الخارجية الأميركي رئيس الجامعة الأميركية قائلاً: "شكراً يا فرانك"، كأنهما صديقان يلعبان معاً في الحوش وليسا شخصيتين رسميتين في مناسبة. بدلاً من أن يقول بومبيو "الشكر لفرانسيس ريتشاردوني"، ناداه بكنيته المختصرة: "فرانك" وهي بالمناسبة الكنية ذاتها للرئيس الأميركي الشرير في مسلسلHouse of Cards (بيت من الكوتشينة).
في الحقيقة، لا داعي لبذل جهدٍ كبير من أجل فهم مقاصد الإدارة الأمريكية الحالية، لما تتمتع به من صراحة مفزعة في توصيف خططها. لم يكتف بومبيو بشكر ريتشاردوني على استقباله، لكنه شكره تحديداً "على خدمته للولايات المتحدة إلى جانب مهامه التي يقوم بها هنا"، أي في الجامعة الأميركية.

تصبح الجامعة الأميركية مكاناً متناقضاً يفسح مجالاً لهامشٍ من الحرية، لكنّه يعاقب أساتذتها وطلابها إذا ما خرجوا ضد الأجندة الأميركية


ليس غريباً على مايك بومبيو أن يزور مصر، فهو زائر مستمر للمنطقة كما قال في خطابه، وهو أوضح للجمهور، أو "شبه ــــ الجمهور" الحاضر أنه أجرى عدة زيارات للمنطقة بصفته المدير السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية (السي أي إي). كما أن الهدف من زيارته، أي طرح تحالف إقليمي جديد يضمّ إسرائيل ودولاً عربية ضدّ إيران، لا يفسّره التاريخ الشخصي والمهني للوزير فحسب، بل تاريخ ريتشاردوني أيضاً: ففي الأعوام السابقة، تحولت الجامعة الأميركية تدريجياً الى ما يشبه المعسكر الأمني، تمهيداً لتحويلها الى منصّة تخدم أي صفقة إقليمية قادمة.
في المرحلة الماضية، رحل العديد من الأساتذة المعارضين ــــ الذين تركوا مراكزهم في جامعات خارجية كي يُدرِّسوا في مصر بعد الثورة في ٢٠١١ وحلّ محلّهم أساتذة لا يحملون حتى درجة دكتوراه، تحت حجة "خدمتهم العملية الاستثنائية". هذا نجده، على سبيل المثال لا الحصر، في كلية السياسة العامة والسياسة الدولية. فبدلاً من اختيار أساتذة لهم اهتمامات ومساهمات أكاديمية، تمّ التخلّي عن هؤلاء ليحلّ مكانهم دبلوماسيون مصريون سابقون كي يديروا المحاضرات ــــ أو فلنسمّها "مباحثات تحت عنوان محاضرات" ــــ مع مسؤولين غربيين حول القضية الفلسطينية واحتمالية إبرام معاهدة جديدة تضمّ عدة دول عربية، أو "صفقةً" ما. على سبيل المثال، نجد في تلك "المحاضرات" مستشارين سابقين للأمن القومي الأميركي مثل ويليام كواندت جنباً إلى جنب مع أكاديميين مرموقين أتوا خصيصاً من أميركا إلى مصر في أيلول/ سبتمبر عام ٢٠١٨ لحضور مؤتمر تحت عنوان "كامب ديفيد بعد أربعين عاماً"، حيث سطع نجم ريتشاردوني مجدداً، حين قال في المؤتمر: "نحن لا ننظر إلى الخلف لدراسة تلك المعاهدة، بل إلى الأمام". هذه الأمور كلها، مضافٌ إليها سوء الإدارة من قبل ريتشاردوني (مثل عدم استشارة هيئة التدريس أو مجلس شيوخ الجامعة في دعوة بومبيو الى الجامعة) دفع مجلس شيوخ الجامعة الأميركية، وهو المجلس المنوط بتمثيل الطلبة والأساتذة وموظفي الجامعة، إلى سحب الثقة من ريتشاردوني، بانتظار أن يبتّ مجلس أمناء الجامعة، بأعضائه الأميركيين والمصريين والسعوديين والإماراتيين، مصيره.
نحن نعلم علم اليقين أن معادلة تفضيل أهل الثقة على أهل العلم هي من سمات الأنظمة الشمولية، وإن كانت هذه النظريات تُسقط علينا في العالم الشرقي ولا يعي أحد أنها تنطبق على الغرب أيضاً. فريتشاردوني لا يحمل درجة الدكتوراه على عكس سلفه، الباحثة ليزا أندرسون، بل كان نائب رئيس «مركز رفيق الحريري لأبحاث الشرق الأوسط» التابع «للآتلانتك كاونسيل» Atlantic Council، وهذا المركز البحثي هو كـ"ثكنة إسكان" أو "حضانة" لمن خرجوا من الحكومة بعدما كانوا يمسكون مراكز شبه رسمية أو حقائب حكومية. يمكننا إذاً القول إن ريتشاردوني ليس فقط من أهل الثقة، كي يستحق الشكر الذي قدّمه له بومبيو، بل يمكننا القول إنه أصبح، بالنسبة الى الولايات المتحدة، من "أهل الكتاب" أيضاً لأنه يسير في المسيرة التاريخية للجامعة الأميركية التي تستمد بعض شرعيتها بتأسيسٍ كولونيالي يمتد منذ عام ١٩١٩. من هنا، تصبح الجامعة الأميركية مكاناً متناقضاً، يفسح مجالاً لهامشٍ من الحرية، لكنه، في الوقت نفسه، يعاقب أساتذتها وطلابها إذا ما خرجوا ضد الأجندة الأميركية.
تأسست الجامعة الأميركية في القاهرة عام ١٩١٩ على يد الإرساليين الأميركيين البروتستانت، وكانت تقدم الدعم الفني للمندوب السامي الإنكليزي حين ظهرت مشكلة التظاهرات التي كانت تخرج من جامعة فؤاد الأول. كانت تعيينات الجامعة في فترة ما بعد ١٩٣٦ تتم بناءً على وعد شفوي أُبرم بين مصطفى النحاس والمندوب السامي الإنكليزي، على أن يتم تعيين رئيس الجامعة وعمداء الكليات بالاتفاق مع المندوب السامي. المثير في الأمر هو أن رأي المندوب السامي كان أن مصر لا تريد التجربة الفرنسية في استقطاب المعلّمين الفرنسيين الجادّين، والإصرار على معايير أكاديمية مرتفعة، بل إنّ ما هو مطلوب من الجامعة هو خلق الانضباط والطواعية بين الطلاب، واستقطاب أغلبية كبيرة من الأساتذة موالية للإمبراطورية البريطانية. كان المندوب السامي يتسلّم في فترة الثلاثينيات رسائل من أساتذة زائرين يريدون أن يُدَرِسّوا في جامعة فؤاد الأول، مرفق بها خططٌ للسيطرة على جماهير الطلاب المشاغبين ــــ الذين يخرجون للتظاهرات تحت لواء الشيوعية والبولشفية. كما كانوا يرفقون سيرة ذاتية قصيرة تروي خدماتهم للإمبراطورية الإنكليزية منذ الحرب العالمية الأولى، وإنجازاتهم الأمنية في تأسيس مجلات ودوريات ضد البروباغاندا الألمانية والحركة البولشفية أيضاً.
ليس هناك ما يدعو إلى الاندهاش من أسلوب حكمٍ ــــ إن كان في رئاسة جامعة أو بلد ــــ يفضّل أهل الثقة على أهل العلم، وينحّي مصالح الطلاب أو المواطنين مقابل مصالح سياسية. أما ما هو مدهش، ومبكٍ في الوقت نفسه، فهو أن نرى ريتشاردوني يمضي على قدم وساق في محو إرث وتاريخ جامعة احتضنت في وقت ما حركة طلابية نشطة، كانت تستغل مساحتها وهامش حريتها، على محدوديته، لانتزاع المزيد من الحريات في مناخٍ ضيق. هل يتكرر الأمر اليوم وتنتفض الجامعة إذا ما قرر مجلس الأمناء تلبية توجيهات رئيس محطة «سي أي إي» في سفارة أميركا في مصر؟ هل نرى عودة للأعوام السابقة في هذه المواجهة؟ أم سيمضي كل منّا إلى بيته وينتصر النسر الأميركي ويقمع المصريين مثلما حدث في زيارة نيكسون لمصر في عام ١٩٧٤؟
* كاتب مصري