هي من المرّات النادرة التي يخرج فيها الأمين العام لـ«حزب الله» على الهواء خلال برنامج حوار العام مع قناة «الميادين» (في 26 كانون الثاني الماضي) ويوجّه فيها رسالة تهديد قاسية ومباشرة إلى رئيس وزارء إسرائيلي، كما فعل مع بنيامين نتنياهو عندما خاطبه قائلاً: «عليك أن تكون حذراً في التمادي فيما تقوم به في سوريا فلا تخطئ التقدير وتجرّ المنطقة إلى مواجهة كبرى».

وتجاوز الإسرائيلي الخطوط الحمر بانتهاكاته المتكررة للسيادتين السورية واللبنانية ولجوئه إلى استخدام الأجواء اللبنانية لضرب أهداف لمحور المقاومة في سوريا، ليس وحده السبب الرئيسي وراء تحذير نصرالله لنتنياهو بعدم الخطأ، وبالتالي كبح جموحه في سوريا، وجعله يعيد النظر في خطورة الإقدام على تغيير معادلة توازن الردع القائمة في الجنوب والتي حاول الإخلال بها عدة مرات في الآونة الأخيرة، بل ثمة ما هو أخطر من ذلك، ويتعلق بحفلة الجنون التي كانت بدأتها إسرائيل في سوريا وتستمر منذ سنوات، والتي قد تصل إلى حد استهداف الطائرات المدنية سواء في سوريا أو لبنان، بذريعة نقل أسلحة إيرانية لحزب الله.

(هيثم الموسوي)

أكثر من ذلك، فإن التخبّط الأميركي على خلفية قرار دونالد ترامب الانسحاب من سوريا، ساهم، في اتساع الخلاف بين كلٍّ من الرئيس الأميركي ونتنياهو، حيث يرى الأخير أن طرد إيران من سوريا هو جوهر استراتيجيته العسكرية والدبلوماسية، في حين يرى ترامب ضرورة الضغط على إيران لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات، وعدم الزجّ بالقوات الأميركية في مواجهات مع إيران، مستبعداً إمكانية حسم الخلاف معها عبر جبهات القتال في سوريا أو العراق أو التوصل إلى تفاهمات مع طهران أو حتى التعاون العسكري معها في بعض المجالات.
كما أن نتنياهو يشعر بالحنق من عدم مشاركة ترامب مشاعره تجاه الخطر الإيراني المتنامي على أعتاب إسرائيل. إضافة إلى ذلك فإن المسؤولين الإسرائيليين قد أصابهم الذهول من موقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أكد لهم أن «موسكو قد عملت ما يكفي لإبعاد القوات الإيرانية عن الحدود الإسرائيلية والأردنية»، وادعائه أن طلب إسرائيل المزيد «سيعرّض مصالح روسيا للخطر». حتى جون بولتون المعروف بتأييده ودفاعه عن إسرائيل، لم يكن أكثر ودّية مع نتنياهو عندما قابله في 6 كانون الثاني 2019، حيث اكتفى بالتأكيد على دعم الولايات المتحدة حق إسرائيل في الدفاع عن النفس ومواصلة العمل معها في مواجهة التهديد الإيراني، دون التعرض للخطط العسكرية التي تمت مناقشتها بين الطرفين من قبل. ودفعت تلك المواقف المتراخية، حسب التوصيف الإسرائيلي، بنتنياهو لعقد اجتماع مع ضباط المهام الخاصة والمدراء الأمنيين والتأكيد لهم أنه: «بينما تدير الولايات المتحدة الحرب الاقتصادية في مواجهة إيران فقد باتت وحيدة للقيام بالحملة العسكرية». في المقابل نصرالله العارف بعقلية قادة العدو جيداً، والذي أجاد التعامل معهم خلال سنوات الصراع الطويلة، يعي حجم التخبط الذي يعانيه قادة العدو وفي مقدمتهم نتنياهو، نتيجة فشلهم الذريع في إيقاف ما تطلق عليه تل أبيب «برنامج الصواريخ الدقيقة لحزب الله»، وقد اعترف النائب السابق لهيئة الأركان الإسرائيلية يئير غـولان حين أكـد في تصريح في 22 تشرين الثاني 2017، أن «الجهود الإسرائيلية لاحتواء برنامج الصواريخ الدقيقة حتى اللحظة يعتبر محدوداً، خاصة أن نقل المعدات جواً بدلاً من الطرق البرية، يشكّل بحدّ ذاته تهديداً لإسرائيل في حالتي التغاضي أو الرد على حد سواء».
قد لا يتورّع نتنياهو عن الدخول في مغامرة ارتجالية (شخصية) غير محسوبة، وهذا ما ألمح إليه نصرالله، بذريعة القضاء على خطر مشروع الصواريخ الموجّهة


ورغم تسليم المقاومة ونصرالله بعقلانية إسرائيل في ما يتعلق باتخاذ قرار شن الحرب على حزب الله كما أثبتت التجارب، إلا أن نتنياهو المثقل بالأزمات السياسية والفضائح القضائية والباحث عن فرصة للخروج من المآزق التي تحيط به من كافة الجوانب، يطمح لأن يقدّم نفسه أمام الشعب الإسرائيلي بمثابة المنقذ، قد لا يتورّع بالتالي عن الدخول في مغامرة ارتجالية (شخصية) غير محسوبة وهذا ما ألمح إليه نصرالله، بذريعة القضاء على خطر مشروع الصواريخ الموجهة التابع للحزب والذي يشكّل تهديداً لأمنه الاستراتيجي، ويحد من قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على استهداف المنشآت العسكرية في المنطقة، حيث يسود الاعتقاد في تل أبيب بلجوء إيران إلى نقل الأسلحة الاستراتيجية إلى حلفائها في لبنان جواً، وهو ما بدأت إسرائيل بالترويج له في الآونة الأخيرة وتحذير العالم من أنها لن تقف مكتوفة اليدين أو تسمح باستمرار هذا الأمر.
وانطلاقاً من هذا الواقع يجد قادة العدو أنفسهم أمام خيارات محدودة جداً، فهم يدركون، أن خيار إسقاط طائرة إيرانية فوق الأراضي اللبنانية، يُعدّ أمراً صعباً للغاية، إذ يتطلب ذلك الحصول على معلومات استخباراتية دقيقة وقاطعة، خصوصاً أن إسقاط طائرة «بوينغ» مدنية سيعود بعواقب وخيمة، وسيتسبب بموجة غضب عالمية حتى وإن أثبتت تل أبيب أن الطائرة المسقطة تحمل أسلحة استراتيجية.
لكن الخطورة تكمن في حديث نتنياهو عن إمكانية اتخاذ تل أبيب قرارات صعبة، وتقديم «تضحيات»، وهذا يدل على أن الحكومة الإسرائيلية تضع خططاً تشمل جميع السيناريوهات بما في ذلك اتخاذ قرار شنّ حرب إقليمية قد يسبّبها تهوّر نتنياهو، وهو الخيار الأقسى الذي يمكن أن يتخذه منذ توليه رئاسة الوزراء في عام 2009، وهو ما يضعه نصر الله في الحسبان، ولا يسقط من توقعاته استسهال نتنياهو الذهاب في هذا الاتجاه، والذي حذر نصرالله الجهر به في حوار العام، متجنّباً الوقوع في فخ الحرب النفسية، بعكس رئيس وزارء العدو الذي وجد نفسه يقدم خدمات مباشرة للمقاومة بزرعه الخوف والرعب في نفوس المستوطنين والداخل الإسرائيلي من خلال تهويله لخطر الأنفاق.
وعليه يمكن القول إن نصرالله صعّد من لهجته مع نتنياهو، لجعله يفكّر ألف مرة قبل الانزلاق في مقامرة من هذا النوع نظراً إلى تداعياتها الاستراتيجية المرعبة على إسرائيل قبل غيرها لا سيما أن إسرائيل تجهل إلى حد كبير القدرات الحقيقية لحزب الله فكيف بمحور المقاومة ككل، وما عزز هذا الواقع الدراسة التي نشرها موقع «المونيتر» في 30 تشرين الثاني 2019، عن التحديات التي تواجه تل أبيب في تعاملها مع إيران وحزب الله.
تكشف الدراسة أن المجلس الوزاري المصغّر في تل أبيب اعتبر في إحدى جلساته في أواخر عام 2018، أن «مشروع الصواريخ الدقيقة لحزب الله وإيران، خط أحمر وتقع مهمة إفشاله على رأس الأولويات الأمنية الإسرائيلية، وهو ما ينذر بإمكانية توسيع القوات الإسرائيلية عملياتها الجوية لتشمل مواقع لبنانية، بعد أن اقتصرت على ضرب أهداف في الأراضي السورية خلال العامين الماضيين». وتتابع الدراسة أن «هذا الأمر قد يدفع إسرائيل إلى شنّ هجمات ضد مواقع محدّدة في مطار بيروت كما فعلت من قبل في سوريا عندما هاجمت المقاتلات الإسرائيلية مركز بحوث وقوافل إمداد وطائرات شحن حطّت في مطار دمشق الدولي».
ووفقاً للدراسة فـإن التصعيد الإيراني يضع إسرائيل أمام خيارات معقّدة، إذ لم تخُض أية حكومة إسرائيلية حرباً إقليمية بسبب تزايد قوة خصم مجاور لها، بل كانت تعتمد مفاهيم الأمن الاستباقي في منع أية قوة من التوصل إلى تقنيات متطورة يمكن أن تهدّد أمنها، بما في ذلك تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981، وتدمير المفاعل السوري عام 2007، وهو ما يُعرف باسم مبدأ «بيغن»، نسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن الـذي تبنّى سياسة منع أعداء إسرائيل من تطوير أسلحة نووية مهما كانت التكلفة.
أما التحدي الأكبر بالنسبة إلى تل أبيب، فيتمثل في طريقة التعامل مع تطوير إيران منظومات الصواريخ الموجهة في لبنان، وكيف سيكون وضعها الأمني في حال تمكّن «حزب الله» من حيازة مئات الأسلحة الصاروخية واستهداف إسرائيل بها. وهل يرقى مشروع الصواريخ الدقيقة إلى مستوى التهديد الذي يتطلب تطبيق «مبدأ بيغن» على أساسه في الأراضي اللبنانية؟
*كاتب لبناني