«في البداية كان التنويريون إنكليزياً...» هكذا قالها فولتير عندما كان زعيماً لحركة التنوير والتحديث الفرنسية.

في عام 1734 صرّح فولتير بوضوح بأن الحقيقة الممنوعة الإقامة في فرنسا تحتلّ مكانها على الرحب والسعة في الجارة الإنكليزية.
وقد أكّد مجاهراً في خاتمة شهيرة من خواتيم إحدى رسائله الفلسفية أن مصلحة «أمّتنا الفرنسية العظيمة» تكمن في اتباع الإنكليز في مجالات الحداثة والتنوير كافّة، بدءاً من التسامح الديني، مروراً بالبحث العلمي، انتهاءً بميدان الإبداع الأدبي. بكل جرأة، وبشجاعة فكرية نادرة، يكتب هذا الوطني الذي لطالما كان معروفاً بانتمائه القومي لأمّته الفرنسية انتماءً يكاد يتاخم الشوفينية، بكل شجاعة يكتب فولتير في خاتمته نفسها: «ينبغي ألّا ننسى أن الأصوليين الفرنسيين كتبوا لمدة عشرات السنوات ضد تجارب نيوتن. وكل شيء يثبت أن الإنكليز هم فلاسفة أكثر منّا، وجريئون أكثر منّا. لا بدّ أن يمرّ وقت طويل قبل أن يعبر العقل والشجاعة بحر المانش». رغم وطنية فولتير المتعصبة، ورغم المنافسة التاريخية والعداء العتيد بين الأمّتين الفرنسية والإنكليزية الذي كان على أشده في تلك المرحلة، أدرك ريادية الفتوحات الفكرية والتنويرية الإنكليزية في ذلك الوقت على أيدي أعلامها الكبار، أمثال فرانسيس بيكون (1561-1626) فيلسوف العقلانية الإنكليزية، وإسحاق نيوتن (1643-1727) أبي العلم الحديث وواضع النظريات الكونية الحديثة، وجون لوك (1632-1704) المنظّر الأكبر حتى ذلك الحين للتحرر السياسي والديني في أوروبا والعالم. ترأس فولتير الموسوعة الفرنسية (Encyclopedia) مع طليعة مثقفة رائدة لا تخجل من استلهام الحضارة والفكر من بلد، على الرغم من كونه معادياً، فقد كانوا يعدّونه منبع العلم والحرية والتحضّر. لقد أعلنوها صراحة: لا عيب في أن نستفيد نحن المتأخرون من أعدائنا المتقدّمين علينا بأشواط. ومن المعروف أن ديدرو (1713-1784) أراد بداية في مشروع الموسوعة الفرنسية ترجمة الموسوعة الإنكليزية لا أكثر ولا أقل، واستلهامه لبيكون لم يكن مثار أي شك. كتب مونتسكيو (1689-1755)، وكان من رواد الموسوعة الفرنسية أيضاً: «إن إنكلترا في الوقت الراهن البلد الأكثر حرية في العالم، ولا أستثني أي بلد». حتى إن الثوار الفرنسيين كتبوا عام 1792على الحدود الفرنسية – الإنكليزية العبارة الآتية: هنا تبتدئ بلاد الحرية... سائرون بذلك على خطى الموسوعيين، لريادية التجربة الإنكليزية على كافة الصعد التاريخية الحاسمة الفكرية والحضارية والاجتماعية واقتدائهم الضمني بها.

لورينزو كونتي

لقد أدركها التنويرون الفرنسيون الكبار، لقد حلّوا لغز التناقض الحضاري والتاريخي بين الحداثة والتنوير من جهة والهوية والانتماء من جهة ثانية. فالاقتداء الحضاري والفكري والعلمي بأمّة متقدّمة أو حضارة متقدّمة لا يلغي أبداً العداء السياسي لها والالتزام الوطني والقومي ضدها، وهذا هو بالضبط الموقف الذي اتخذه التنويريون الفرنسيون إزاء التفوق الحضاري الإنكليزي.
إنه ذلك الحل الجدلي الاستثنائي لعلاقة الحداثة والهوية، الجمع الجدلي الذي على إثره «كان النور...» فترتبت واحدة من أعظم الثورات في التاريخ الأوروبي الحديث الثورة الفرنسية. إن كل الأمم التي تمكّنت من عبور منصة الحضارة والدخول في ركب العصر الحديث لا بد لها أولاً من أن تكون قد حلت هذه الجدلية مقدَّماً. والفكر العربي المعاصر لا يزال واقفاً حائراً أمامها إلى اليوم. فعلى المستوى الفكري العربي العام نصطدم اليوم بالتيارين الكبيرين المقتسمين للساحة الفكرية والسياسية. التيار الأول هو التيار المتبنّي لقيم الحداثة الغربية من الليبراليين والعلمانيين الذين يجدون في انتمائهم إلى الغرب انتماءً كاملاً تامّاً لا يقتصر على الفكر وحسب، بل يمتد إلى التأييد السياسي الذي سيترجم في أغلب حالاته إلى الخيانة الوطنية، والولاء للمشاريع الاستعمارية والخضوع والرضوخ للمطامع الإمبريالية في عالمنا العربي والعمالة لها. إنهم أصحاب نظرية «الصفر الاستعماري» ورواد المنظمات والجمعيات والمراكز الأميركية والأوروبية والليبراليون والحقوقيون... إلخ الذين يجدون أن كل ما يأتي من الغرب حضاري وتقدمي. خطط البنك الدولي والقواعد الأجنبية والتدخلات والإملاءات وخروقات السيادات الوطنية، بل حتى الغزو المسلّح، تقع عندهم ضمن إطار الدور الحضاري والتمديني المبارك للغرب. وتماشياً مع المنطق الضحل هذا، يكون الموقف الاستهزائي واللامبالي لانتمائنا الحضاري التاريخي العربي والإسلامي الذي عندهم يجب تنسيقه كله بوصفه إرثاً رثّاً لا يستحق أكثر من نظرة ازدراء! فتكون الخلاصة في وصفة تغريبية لا تمتّ إلى الحداثة بصلة، فاشلة وتتضمن ضياعاً مؤكداً شاملاً على المستوى الوطني والاجتماعي والثقافي قد كنا وما زلنا نختبره على أكثر من صعيد في واقعنا العربي المعاصر.
لقد أدركها التنويريون الفرنسيون الكبار، لقد حلّوا لغز التناقض الحضاري والتاريخي بين الحداثة والتنوير من جهة والهوية والانتماء من جهة ثانية


التيار الثاني الكبير الذي يحتل الجزء الآخر من ساحة الفكر العربي الحديث لا يختلف عن التيار السابق في حقيقة «رميه للطفل مع الأقماط الوسخة»... فبحجّة معاداة الاستعمار ونزعته التوسعية والاحتلالية وميوله الإمبريالية والإمبراطورية، يعادى كل ما هو قادم من الغرب (وصولاً في بعض الحالات المتطرفة إلى رفض حتى منتجاته التقنية) جملة وتفصيلاً. ليس معاداة سياسية فقط، بل حضارية وفكرية عبر التفافة متطرّفة ومتقوقعة نحو الذات والهوية ثم الانغلاق والتمترس فيها لتغدو فخاً وسداً يعوق أي نوع من أنواع التقدم والتحرر. إنها تيارات الأصولية السياسية وأحزاب الإسلام السياسي بمختلف تلويناتها وأحزابها وتشعباتها. أي فكر نقدي وأي تحرّر يغدو خيانة، وكلّ ما يجب أن يكون قد كان وانتهى، وما علينا نحن أبناء هذا العصر اليوم إلا الاستمرار في المضي على نهج السلف الصالح ومكافحة البدع وهجاء الغرب مع متابعة حملات ردح مدح الذات والإعجاب بها. وليغدُ التراث والماضي والإرث مصدر الحكمة والصلاح والعلم الوحيد ولا حاجة إلى مزيد. إنه توجه نعي الأمة بأنها قد بلغت كفافها وانتهينا. ومع ذخيرة وعتاد فكري على هذه الدرجة من الضعف والضحالة لا تكون وسائل هذا التيار في مواجهة الغرب في نزعاته الاستعمارية إلا ضعيفة عاجزة ومشوّهة تعجز، كما هو واضح، في مواجهة أي من المشاريع العسكرية والغربية في أي ساحة من الساحات عربية، لنكون قد خسرنا الحداثة والهوية في آن واحد.
تقف مسألة الحداثة والهوية اليوم في العالم العربي على مفترق طرق، والحلّ يعني أولاً التمييز بين الموقف السياسي والموقف الفكري، حيث يكون الأول ملتزماً، أما الثاني، فيكون منفتحاً نحو آفاق تتجاوز الحدود والهويات.
*كاتب سوري