«أفضّل أن أنجو وأعيش في ظلّ نظامٍ عسكري على أن أموت في هذه الديمقراطيّة» - الرئيس البرازيلي خايير بولسونارو، 1994

«حقوق الإنسان هي للصالحين فقط» - أوغوستو هيلينو، جنرال برازيلي سابق وأحد أبرز معاوني بولسونارو اليوم

يتابع المؤرّخ البريطاني بيري أندرسون بشكلٍ مستمرّ أحوال البرازيل، ويعلّق عليها ويكتب دوريّاً. جرياً على هذه العادة، نشر أندرسون مؤخّراً مقالاً طويلاً في «لوندون ريفيو أوف بوكس» عن البلد، هو الذي جاءت منه الاقتباسات أعلاه، بعد انتخاب المرشّح اليميني خايير بولسونارو رئيساً ونهايةًص صاعقة لحزب العمّال في الحكم بعد تجربةٍ دامت 13 عاماً. المذهل في الأمر هو أنّ نصّ أندرسون لا يقدّم تحليلاً عميقاً أو مداخلة نظرية معقّدة في الاقتصاد السياسي لشرح ما يجري في البرازيل، بل إنّ الكاتب احتاج إلى أكثر من خمسة عشر ألف كلمة حتّى يعطي القرّاء توصيفاً سريعاً، «لمحة خاطفة»، عن الميدان السياسي (أو المستنقع) الذي تجري فيه الأحداث، وخلفياتها المتشابكة، وكيف أوصلت أحداث السنوات الماضية إلى الحال الذي نشهده اليوم.
للحقّ، فإنّ جولةً في السياسة البرازيليّة تثير الدّوار: بلدٌ فيه أحزاب كبيرة مكرّسة، ينخرها الفساد من أعلاها إلى أسفلها، وإلى جانبها عددٌ هائل من الأحزاب الصغيرة والمحلّيّة والشخصانية، لا تقلّ عنها فساداً. حكمٌ عسكري لم يُكسر حتّى يحصل الانتقال إلى الديمقراطيّة، بل «سلّم» الضباط الحكم إلى المدنيين، بتعبير أندرسون، واحتفظوا بموقعٍ في السّلطة ولم يحاسبوا على أيٍّ من أفعالهم السابقة. هو بلدٌ فيه شريحةٌ هائلة من المدقعين في الفقر، يعيشون في أحياء عشوائية ويظلّون خارج السياسة والانتخابات وأكثر الأحداث والاحتجاجات التي يصفها أندرسون، وحين «يثيرون المشاكل» في أحيائهم، يُرسل إليهم الجيش ليبطش بهم. بلدٌ الإعلام فيه مسيّسٌ ومرتهن مثله مثل القضاء وممثلي الشعب: على سبيل المثال، تمّ خلع ديلما روسيف من الرئاسة لسببٍ لا علاقة له بالفساد الشخصي، بل لاتهامها بـ«تجميل» أرقام الميزانية. بالمقابل، تمّ ضبط خليفة روسيف، الرئيس غير المنتخب ميشيل تامر، في تسجيلٍ وهو يناقش صفقات فساد، وتمّ تصوير أحد مساعديه وهو يتلقّى حقيبةً مليئةً بالأموال، ثمّ ضُبط أكثر من 50 مليون دولار - نقداً - في منزل أحد قادة حزبه، ولم تتمّ ملاحقته أو عزله في أيّ من هذه القضايا. أمّا لولا، فقد حُكم عليه بالسّجن تسع سنوات بتهمة أنّه حاول الاستحصال على منزلٍ عن طريق الفساد، وهو لم يتملّك المنزل حتّى ولكنه أُدين على نيّته بذلك؛ وحين حاول الاستئناف لاحقاً تمّت زيادة الحكم إلى 12 سنة (ومنذ أيّام، أُدين لولا بـ12 سنة إضافية في قضية صرف أموالٍ لتجميل منزلٍ آخر، لا يملكه لولا أيضاً، ليضمن القضاء إخراج الرئيس السابق من السياسة البرازيلية). البرازيل بلدٌ يطلق فيه رئيس أركان الجيش نداءً علنياً للمحكمة العليا، قبيل الانتخابات الرئاسية، حتّى لا تسمح للولا بالترشّح - وهو كان أكثر الشخصيات السياسية شعبيةً في البرازيل بلا منازع، حتى وهو في السجن - بحجّة أن ذلك سيضرّ بالأمن القومي. من الصّعب على أجنبيّ غير متخصّص أن يستوعب «الحلبة البرازيلية»، إذ عليك أن تتخيّل شيئاً يشبه لبنان، ولكنّه أكبر بمئة مرّة.

الطبقة - الأسطورة
ولكنّ نقاشنا اليوم هو ليس حول البرازيل تحديداً، بل عن جزئية محدّدة تلامس سؤالاً حاضراً في كلّ مجتمعات الجنوب. «الطبقة الوسطى» في البلاد الفقيرة، ونحن نتكلّم هنا عن «الطبقة الوسطى الحقيقية» وليس الطبقة العاملة التي تعتبر نفسها «طبقةً وسطى» (وهذا تمييزٌ مهمّ سوف نعود إليه). بتعريف الأكاديمي البرازيلي أندري سينجر، الذي يقتبسه أندرسون في نصّه عن البرازيل، الطبقة الوسطى هنا تشمل الأطباء والمهندسين، المهنيين ذوي المراتب العالية، موظفي الدولة ذوي الرتب والضباط والقضاة، التجّار الصغار، الموظفين في الشركات والمنظمات الدوليّة، وأكثر من يحصّل دخلاً ورواتب عالية في بلدٍ فقير. هم ليسوا أثرياء أو ملّاكين، ولكن لديهم ما يكفي من رأس المال الرمزي والمهني، ومهارات، لتحقيق أمانٍ ما في موقعهم (بمعنى أنك لن تصبح مشرّداً في خطوةٍ واحدة). هم قد لا يشكّلون أكثر من 10 أو 20 في المئة من المجتمع في بلدٍ من بلاد الجنوب، ولكن لهم مواقع قيادية في «الاقتصاد الحديث» وفي الإعلام والبيروقراطية والقضاء، وصوتٌ في السياسة والثقافة يفوق حجمهم بكثير.
المسألة هي أنّ هذه الطبقة، تحديداً، يتمّ التعامل معها غالباً على أنّها «الطبقة المفضّلة» في المجتمع. هؤلاء هم الناس الذين يملكون قدراً من التعليم والتنوير، هم الأكثر اتصالاً بالعالم الخارجي وتياراته وثقافاته، وهم أيضاً من يملك قدراً من الرفاه ووقت فراغٍ وثقة بالنفس تسمح لهم أن يفكّروا في السياسة ويمارسوها ويكوّنوا آراء مستقلّة. هم التكنوقراط ذوو المهارات الذين يحتاج إليهم المجتمع. من هنا، فإن النظرة «التفاؤلية» تجاه الطبقة الوسطى تعمّ الخطاب السياسي في أكثر اتجاهاته. هذه الطبقة هي، بحسب المدرسة التي تنتمي إليها: «قاطرة التحديث»، «بذرة الديمقراطية»، «واجهة المجتمع»، «الأمل»؛ وهي «الطبقة المثال» التي يحلو الدفاع عنها والخوف من فقدانها، والتي يزعم كلّ نظامٍ ناجح بأنّ أكثرية شعبه، يوماً ما، ستنتمي إلى صفوفها. مقال بيري أندرسون قد عزّز شكوكي القديمة تجاه هذا الخطاب الاحتفائي، الذي وُلد من أيام مدرسة التحديث وتجدّد صداه مع كلّ حقبة، وصولاً إلى أيام «الدمقرطة» والبحث عن حلفاء «ليبراليين» في العالم الثالث.
نظريتي كانت دائماً أن هذه «الطبقة الوسطى»، بشكلها التاريخي الحالي، هي على العكس تماماً من ذلك المثال الزاهي الذي يقدّم لها، وأنا منها وأعرفها. بل هي، في الحقيقة، عدوّك الحقيقي إن أردت عدالةً أو تغييراً أو تحريراً في بلاد الفقراء. البرجوازي اللبناني ليس رسول الحضارة والحداثة، بل هو - في الإجمال - أكثر طائفية وعنصرية ومحافظة من الفقير في القرية أو في المخيّم الفلسطيني، يضاف إليها فوقيّة تجاه مجتمعه وخوفٌ دائم من محروميه. هي الطبقة التي دعمت الانقلاب في مصر وتواطأت معه وصمتت عليه، مثلما كانت العصب الشعبي الذي غطى الانقلاب العسكري في البرازيل قبل ذلك بعقود؛ وهي هناك من يومها - بتعبير أندرسون - «تمارس فيتو على كلّ سياسة تقدّمية» يتمّ طرحها. هي الفئة المحظية بشكلٍ حقيقي، إن قارنت مداخيلها وطموحاتها ونظرتها إلى نفسها بإنتاجها الفعلي ومساهمتها في المجتمع. هم لا مشكلة لديهم في أن يراقبوا شعبهم يغوص في الجهل والفقر والحرمان، بشكلٍ منهجي وعلى مدى سنوات طويلة، ولكنّهم يقفزون لخطّ مواضيع التعبير حين ينتحر فقيرٌ، وتصبح قصّةً فرديّة و«إنسانية» يستطيعون التماهي معها - ثمّ يضعون كلامهم في فمه ويستخلصون نتائج فارغة بالمعنى السياسي من نوع «الحق على المجتمع» أو «الحقّ على النظام والطبقة السياسية» - وهذا، بالضبط، كان شعار المظاهرات في البرازيل. هم الذين، إن تبنّوا قضيّةً، يحوّلونها إلى ملكية شخصيّة، ويمارسون نرجسيتهم تحت اسمها حتى تنفر منها، وإن كانت قضيتك (هناك شيءٌ يجب أن يُقال عن العلاقة بين القضية وهوية من يحملها ويروّج لها، وأنا عن نفسي أعلم أنني أبدأ، بشكلٍ لاواعٍ، بتجنّب استخدام مفاهيم وتعابير ومصطلحات معيّنة إن وجدتُ البعض قد «تبنّاها» وشوّهها وحوّلها إلى مسخرة). عدوّك الصعب في المجتمع (على عكس ما تقول الشعارات) ليس «الواحد في المئة» من طغمة الأثرياء ولا الشركات الكبرى فهي، على سطوتها، لا تملك ثقلاً شعبياً ولا تستطيع أن تحشد مظاهرات، ولن تمسك ببرلمانٍ منتخب، ولن تصنع ثقافة ولن تتكلّم باسم الشعب في الداخل والخارج وتدّعي تمثيله، بينما كتلة الطبقة الوسطى تقدر على كلّ هذه الأمور.

الخديعة
في البرازيل، الطبقة الوسطى هي التي مقتت لولا بشراسة ونصبت له عداءً لا يذوي. لم تكن مشكلة لولا مع المصارف والشركات الكبيرة ورأس المال في البرازيل، يقول أندرسون، فهو قد استرضاها ولم يتحدّاها بـ«إصلاحيته الضعيفة» - كما أسمى سينجر نهج لولا في الحكم (أي أن لا تغيّر شيئاً مهماً في البنية الاقتصادية ودورة الرساميل والاستثمار، ولكن تستفيد من مرحلة طفرةٍ اقتصادية لتوزيع منافع على الفقراء ورفع مستوى حياتهم وبناء جامعات تؤمّن تعليماً عالياً لمن كان محروماً منه). أمّا الطبقات الفقيرة، وتلك التي ارتقت من الفقر المدقع إلى مستوى مقبولٍ من الحياة في ظلّ سياسات لولا، فهي تؤيّده إلى اليوم. مشكلة لولا كانت مع الطبقة الوسطى، البرجوازية الصغيرة التي كانت أقلّ من استفاد من هذه السياسات، ومع أن دخلها قد ازداد في عهد طفرة الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار السلع الزراعية والنفط، فإنه لم يرتفع بالقدر ذاته الذي شهده دخل الفقراء أو الشركات الكبرى، يكتب أندرسون. كان من المستحيل لهذه الفئة أن تسقط الحزب العمّالي في الانتخابات، ولكنها تمكّنت من إسقاطه عبر القضاء والبرلمان والمظاهرات، أو ما يصفه أندرسون بـ«انقلابٍ برلمانيّ» تآمرت عليه الطبقة الوسطى، مشبّهاً إياه بانقلاب 1964 العسكري ولكن الانقلاب هذه المرّة «قد جرى ضمن بنية الدستور بدلاً من تعليقه» (والقضاء، مثل الإعلام، عناصره تنتمي إلى هذه الطبقة وتتبنى أولوياتها وتفضيلاتها).
في دراسة سينجر المذكورة أعلاه، يقوم الاقتصادي البرازيلي بتحليلٍ إحصائي للمظاهرات الشعبية المليونيّة، «ضدّ النظام»، التي جرت في صيف عام 2013 وساهمت في إسقاط رئاسة روسيف ونزع الشرعية عن الحزب العمّالي. يقول سينجر إن الفقراء لم يشكّلوا أكثر من 15 في المئة من المتظاهرين، فيما كان الثلث ينتمي إلى «الطبقة الوسطى الحقيقيّة». ما أجّج التظاهرات وحوّلها إلى انتفاضة شعبيّة، يستنتج سينجر، هو نصف المتظاهرين الذي جاءوا من الطبقة العاملة وقد أقنعهم الميسورون بأنهم يتشاركون القضية ذاتها. أحد أخطاء لولا الكبرى، يقول أندرسون، هو أنّه قد تبنّى بنفسه خطاب «الطبقة الوسطى»، وكان يتفاخر بأنّ سياساته قد انتشلت الملايين من الفقر إلى صفوف «الطبقة الوسطى». في الحقيقة، بحسب أندرسون، هؤلاء كانوا قد ارتقوا إلى ما هو أقرب إلى مفهوم «الطبقة العاملة»، بمعنى أنّ وضعهم الجديد (كانوا يسكنون في أكواخٍ من الصفيح، فأصبح لديهم وظائف «حقيقية» وشقة مقبولة، إلخ) لا يجعلهم في مرتبة «الطبقة الوسطى»؛ فمكاسبهم هشّة وحالتهم رقيقة، ومن الممكن أن ينزلقوا بسرعةٍ إلى دورة الحرمان إن تغيّرت الأوضاع قليلاً أو تباطأ الاقتصاد، وهو ما حصل. بدلاً من أن يكون لهم وعيٌ سياسيّ بموقعهم وبمخاطره، ساهم لولا في إقناعهم بأنهم أصبحوا ينتمون إلى «الناس الميسورين»، بتوقعاتهم واستهلاكهم. حين انتهى عهد الازدهار، كان «اليمين الجديد» في البرازيل - بتعبير أندرسون - وهو مكوّنُ أساساً من شباب الطبقة الميسورة المعادية لحزب العمال بشراسة، قد خلق حركةً ناشطة وفاعلة ولها منبرٌ مفتوحٌ في الإعلام وقدرة على التحشيد في المظاهرات (تخيّل حركة مثل 14 آذار اللبنانية، ولكنها أكثر ذكاءً وبراعةً واستقامة). وقد تمّ استقطاب مئات الآلاف من العمّال الفقراء في مظاهراتٍ «ضد النظام والطبقة السياسية». حين سقطت روسيف، يروي أندرسون، قام خلفها ميشيل تامر، خلال أقلّ من شهر، بتمرير حزمة من القوانين ضربت بالكامل كلّ المكاسب التي أسسها لولا للطبقة العاملة - منها تجميد التقديمات الاجتماعية لعشرين عاماً قادمة، ومسخ نظام التقاعد وتنظيف قانون العمل من أغلب حقوق العمّال.

خاتمة
يزعم أندرسون بأن بولسونارو، على تطرّفه وآرائه الصادمة، ليس بالخطورة التي يتم تصويره بها. هو قد يرى في ترامب مثاله الأعلى، ولكنّه لا يملك قاعدة شعبية مأدلجة خلفه مثل الحزب الجمهوري، يلاحظ أندرسون، وليس لديه مشروعٌ ونظرية لتطبيق ما يشبه «الفاشية». بل إنّ وصوله، كما وصول برلسكوني إلى الحكم في إيطاليا، قد جاء في لحظة فراغٍ في النظام السياسي وسلسلة من الصدف التي لعبت في صالحه (بدءاً من كونه غير منتمٍ إلى الأحزاب الكبرى التي تورطت في الفساد والحكم، وصولاً إلى «هدية السماء» التي جاءته حين طعنه مختلّ عقلياً خلال حملته الانتخابية، فنال مقداراً هائلاً من التعاطف وأصبح الهجوم عليه محرّماً). مهمّة الحكم، في بلدٍ تهزّه الأزمة الاقتصادية، لن تكون سهلةً عليه وهو قد بدأ بالفعل في إظهار التردد والتراجع عن مواقف سابقة حين واجه حقيقة السلطة وفروضها. الفاشية، يقول أندرسون، هي ردّة فعلٍ عنيفة تقودها الطبقة الوسطى حين يتهدّدها تغيير اجتماعي جذري، كخطرٍ شيوعيٍّ ماحق. أمّا قلب نظامٍ غير مرغوب (كحالة البرازيل عام 1964 أو مصر في الماضي القريب) فهي لا تحتاج لأكثر من تحالفٍ مع نظامٍ عسكري. والتخلّص من حزبٍ مثل حزب لولا، فهو لا يحتاج لأكثر من انقلابٍ «خفيف» من داخل النظام.
ميزة البرازيل ليست فقط في أنّها من البلاد القليلة التي قد أفكّر في العيش فيها يوماً (أكلّمكم عن خبرة، إن كنت تبحث عن بلدٍ لتهرب إليه، وكنت ضامناً لقوتك، فإن عوامل مثل الطقس والطعام والجو الاجتماعي - قبول الأجانب مثالاً - هي ما يميّز بلداً عن آخر وهي ما سيصنع فارقاً في مستوى حياتك على المدى البعيد)، بل إنّ في قصة البرازيل أيضاً دروساً لنا. أقلّه، حين تسمع مديحاً في الطبقة الوسطى، أو يحاول أحد ناشطيها إقناعك بأنّك وإياه في قاربٍ واحد، أو يحفّزك لكي تسير معه «ضدّ النّظام» بلا طرحٍ واضح وخطّة، ففكّر قليلاً بما جرى في البرازيل وغيرها قبل أن تصدّقه.