بين العناوين التي تقدّمت في السنوات الماضية عموماً، وفي الأشهر الأخيرة خصوصاً، عنوان الأزمة الاقتصادية والتوتر الاجتماعي الناجم عنها، وبدء تحولهما، على الأقل في الأذهان والهواجس والمعاناة (وفي الشارع مؤخراً)، إلى مرتبة لم يبلغاها منذ حقبة طويلة. في بداية التسعينات عانى اللبنانيون، معظمهم بالتأكيد، من تدهور سعر صرف الليرة. المتضررون كانوا أكثرية المواطنين. لكن، حصول ذلك بعد حرب أهلية دامت حوالى 15 سنة، ثمّ إقحام المضاربة المالية (ذات الاستهداف السياسي) من أجل إسقاط رئيس الحكومة وحكومته والمجيء بسواهما، قد برّرا، نسبياً، تلك القفزة، في سعر صرف الليرة، التي تراجعت سريعاً بعد تحقيق الهدف من ورائها! ثم إن طبيعة المرحلة آنذاك (أي الارتياح لوقف الاحتراب الأهلي والاتفاق على تسوية «الطائف» وتكريسها)، قد طغيا على كل ما عداهما، سواءً كان بحجم اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب رينيه معوض، أو بحجم تدهور سعر صرف الليرة إلى درجة مأساوية. خفَّف من ذلك أيضاً، ما راهن عليه المزاج الشعبي، بأكثريته، من أن مجيء رجل الأعمال اللبناني السعودي رفيق الحريري رئيساً للحكومة سيؤدّي إلى إحداث تحوُّل انعطافي إيجابي لمصلحة معالجة سريعة لبعض كوارث الحرب إن لم يكن لمعظمها! نتذكّر أن ضجيجاً كبيراً كان قد مهَّد لذلك عبر مبادرات الحريري: رفع الأنقاض من شوارع العاصمة، المنح الدراسية لآلاف الطلاب اللبنانيين، وعود الإعمار وإنارة البلاد بالبواخر الأسطورية... كذلك فقد ساهمت المحادثات المنفردة بين ممثلي الكيان الصهيوني وممثلي بعض «دول الطوق» والفلسطينيين في تعزيز أوهام تبلور تسوية شاملة استكمالاً لـ اتفاقية «وادي عربة» مع الأردن، واتفاقية «أوسلو» مع السلطة الفلسطينية...

الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، آنذاك، تبعثرت وضاعت إذن وسط ضجيج أكبر حول شعارات مواجهة «الاحتلال السوري» بالنسبة لفريق لبناني، وبلورة «المشروع الإعماري» بالنسبة لفريق كبير آخر، واستبدال هيمنة بأخرى بالنسبة لفريق ثالث كان يعمل تحت الإشراف السوري المباشر ويثابر على ممارسة نفوذ حاسم في مجالات السلطة والإدارة وتقاسم المكاسب في ميزان قوى جديد كان عنوانه «ترويكا الحكم» وصناديق الإنفاق والنهب الموزعة طائفياً، والسيطرة على القطاعات الناشئة، الخاضعة أيضاً لمنطق الاحتكار والتقاسم، كالإعلام ومرافق ومؤسسات الدولة ما بعد الحرب... هذا طبعاً بالإضافة إلى استمرار المقاومة ضد العدو الإسرائيلي وحصول محطات عدوانية واتفاقيات مهمة في مجرى ذلك تُوّجت بالانسحاب الذليل عام 2000، ولاحقاً، بنتائج عدوان تموز لعام 2006 حين هُزم العدو، مرة جديدة في لبنان، رغم كل جبروت أسلحته وضخامة الدعم وآمال الأميركيين التي كانت معقودة على ذلك العدوان: بنشوء «شرق أوسط جديد»، وبتدارك الإخفاقات الأميركية في العراق، وبالقضاء على ما تبقى من مقاومة في لبنان وسوريا والمنطقة عموماً لمصلحة واشنطن وتل أبيب وحلفائهما المعلنين والمضمرين...
تقدّم العامل الاجتماعي والاقتصادي بدأ يبرز تباعاً منذ بدأت تتراكم سلبيات «النموذج الاقتصادي» الذي بشّر به واعتمده وقاده الرئيس الشهيد رفيق الحريري. تفاقمت هذه السلبيات مع تطورات الوضع في المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً ابتداءً من ربيع عام 2011. وحيث أن النموذج المذكور قد تأسس على الريع دون الإنتاج وعلى إقامة «جنة ضريبية» لمصلحة كبار المتمولين والمضاربين وعلى الفوائد العالية للتوظيف في سندات الخزينة لتمويل العجز والدين العام... فضلاً عن النهب والصفقات وتدهور البنية الخدماتية في جوانبها كافةً... فقد أدى الفلتان و«الشطارة» وعدم المحاسبة إلى بروز نوع من الجشع المتوحش تمثّل في الاستهتار بمصالح الناس وبشروط الحفاظ على البيئة... كثّف وجسّد كل ذلك ملف أزمة النفايات التي اندلعت في أواسط عام 2015. كانت تلك الأزمة بداية انكشاف النموذج السياسي والاقتصادي على خلل عظيم لجهة الاستهتار بصحة المواطنين وسلامة البيئة وإخضاعهما لآليات الصفقات والسمسرة التي ترتدي، كالعادة لبوساً طائفياً ومذهبياً. لكن هذه الأزمة التي جرى امتصاص النقمة الشعبية بشأنها بالمناورات والتدابير الجزئية والقمع والبلطجة وكذلك بضعف وتشتت قيادة التحركات الشعبية، كانت رأس جبل الجليد في خلل أوسع وأشمل، عاد إلى البروز مع تدهور المؤشرات الاقتصادية جميعها ووصول لبنان إلى حافة هاوية وإفلاس يتهددان، خصوصاً، ملايين اللبنانيين من ذوي الدخل المحدود في الفئتين الشعبية والمتوسطة. هؤلاء، مع احتمال انهيار سعر صرف الليرة وفرض ضرائب ورسوم جديدة(عليهم بالأساس) وإفلاس الخزينة والعجز عن سداد الديون وارتفاع الفوائد، فيما يستمر النهب والهدر والصفقات، هؤلاء، استشعروا مخاطر غير مسبوقة ضاعفت لديهم القلق، وحفّزت جزئياً حتى الآن، الاستعداد للمشاركة في الاحتجاج كما برز في المظاهرات والتحركات التي حصلت في الأسابيع الماضية.
لقد ساهمت مرحلة الانتخابات وقانونها وما رافقها من تسعير طائفي اضطلع به التيار العوني خصوصاً، في صرف الأنظار، ولو مؤقتاً، عن الأزمة الاجتماعية والاقتصادية. لكن التعثر في تشكيل الحكومة كشف الكثير من زيف الوعود وخطأ التوجهات التي تؤكد المضي في النهج ذاته، كما في مؤتمر «سيدر»، وتوصيات «ماكينزي» المجمّلة ببعض الوعود والتي لن يعتمد منها إلّا الأسوأ مشفوعاً بالمضي في الفئوية والتحاصص والاستهتار بمصالح ومصير البلد والناس. تجلى ذلك سريعاً في البيان الوزاري وفي التصريحات المتلاحقة لرئيس الوزراء المكلّف وفي الإجماع المريب والسريع على البيان الوزاري. ثمة اتجاه حاسم لدى أطراف السلطة نحو تدفيع المواطنين ثمن خطأ نهجهم وهدرهم وفئويتهم ونهبهم لموارد البلاد دون حسيب أو رقيب. يجري الحديث عن «تدابير مؤلمة» (لمن!) منها زيادة رسم خمسة آلاف ليرة على صفيحة البنزين، ورفع الضريبة على القيمة المضافة (TVA) إلى حدود الـ15 بالمئة، وتخفيض رواتب العاملين والمتقاعدين في القطاع العام ... بدوره، ناقوس الخطر الذي دقته جهات دولية متضررة أو متابعة، أعاد إلى الواجهة المخاطر وعزَّز لدى فئات واسعة من المواطنين شعور الخوف، وبالتالي التحرك للمساهمة في درء مخاطر سعي أطراف السلطة لتدفيع الفئات الضعيفة والمتوسطة ثمن الأزمة من لحمها الحي.
الأزمة الاقتصادية الاجتماعية تفرض نفسها بقوة في عداد الأولويات. لم يعد من الممكن حجبها أو التخفيف من وقعها أو من إمكانية استخدامها من قبل جهات مشبوهة، لدفع الأمور في البلاد نحو الفوضى الشاملة... المعارضة والجهات والفئات المتضررة مطالبة بالتحلّي بالوعي والمسؤولية لمتابعة هذه المتغيرات ولتنظيم مواجهة تأخد بعين الاعتبار جانبي المعركة: الوطني والاجتماعي في الوقت عينه.
* كاتب وسياسي لبناني