الذي أعلن ولادة الحكومة اللبنانيّة - قبل ولادتِها - هو سفير دولة الإمارات العربيّة في بيروت. هو علِمَ بها قبل أن يعلمَ بها شعبُ لبنان (العظيم في المناسبات الوطنيّة). لو أن السفير الإيراني أو السوري هو الذي أعلنَ ولادة الحكومة - قبل ولادتها - لكانَ تيّار السياديّة والحريّة قد نزلَ إلى الساحات، ولكانَ استنجدَ بحلف شمال الأطلسي لنصرته ضدّ التدخّل الصفيق من قِبل سفراء دول أجنبيّة في شأن كان يجب أن يكون لبنانيّاً محض - حسب أدبيّات ذلك الفريق فقط في ما يتعلّق بما لا يروقه من تدخّلات لا تكون في صفَّه. وتصريح السفير يدلّلُ مرّة أخرى إلى أن الحديث عن التدخّلات في الشأن اللبناني يغفل دوماً فريقاً إقليميّاً - عالميّاً عريضاً لأن تدخّله يكون مُباركاً من قِبل الإعلام السائد والمنظمات الدوليّة. وديفيد هيل في زيارته إلى لبنان أكّدَ بصريح العبارة أن حكومته مهتمّة بـ«نوع» الحكومة في لبنان. هذه لو قالتها دولة معادية لأميركا لكان مجلس الأمن قد انعقد في جلسة طارئة. وبعد تشكيل الحكومة، طلعت جريدة «الجمهوريّة» بعنوان (ردّدته محطة «إل.بي.سي»): «الرقابة الدوليّة على لبنان ستكون هذه المرّة جديّة». لماذا تبرع وسائل إعلام فريق السيادة والحريّة في إهانة كرامة لبنان وسيادته أكثر من غيرها؟

لم يكن تأليف الحكومات بهذه الصعوبة في التاريخ المعاصر للجمهوريّة اللبنانيّة: قبل الطائف كان الرئيس يختار مَن يشاء بالتوافق- أحياناً - مع رئيس الحكومة، وإذا خالف رئيس الحكومة مشيئة الرئيس المُستبد كان الأخير يستبدلُ بسهولة رئيسَ الحكومة بواحد أكثر مطواعيّة (كان هذا المسار حتى أزمة ١٩٧٣ عندما توافقَ نادي رؤساء الحكومات في لبنان على رفض اختيار سليمان فرنجيّة لأمين الحافظ الذي لم تطلْ رئاسته للحكومة إلا أسابيع معدودة، كما أن الياس سركيس وأمين الجميّل اكتشفا أن شفيق الوزّان هو تكرار لتجربة سامي الصلح مع كميل شمعون: أي رئيس الحكومة السنّي الذي، مقابل كرسي الحكم ومكرمات، يوافق على ما يريده رئيس الجمهوريّة ولو أتى على حساب مزاج أكثريّة أبناء وبنات طائفة رئيس الحكومة). بعد الطائف، لم يعد رئيس الجمهوريّة الحاكم بأمره. كانت عمليّة تشكيل الحكومة لا تطول لأن المخابرات السوريّة وعبد الحليم خدّام كانا يضغطان على كل الأطراف للمضي بتشكيلة يتوافق عليها حلفاء النظام السوري.
ليس هناك في لبنان اليوم مِن مُسيطِر كلّي، وهذا حسنٌ. ولو أن لبنان يخضع لسيطرة حزب الله - كما يكرّر إعلام العدوّ الإسرائيلي وكما يردّد وراءه إعلام دول الخليج واليمين اللبناني - لكانت عمليّة التشكيل تتمّ في خلال أسابيع. (وفارس سعيد يربط تأخير تشكيل الحكومة بالملف النووي الإيراني، ويربط إعلان الحكومة بالملف النووي الإيراني، ولعلّه يربط خسارته في الانتخابات - بعد زمن سيطرة النظام السوري - بالملف النووي الإيراني). لكن وتيرة تشكيل الحكومة باتت تعبّر عن حقيقة التناقضات والصراعات في لبنان، وهي ترتبط أيضاً باحتدام - أو تهدئة - التوتّرات والصراعات الإقليميّة. الشرخ السنّي - الشيعي يزيد من تفاقم الصراعات في لبنان ويؤثّر على عمليّة التشكيل. إن حصول هدنة أو مصالحة بين قيادات السنّة والشيعة على مستوى المنطقة من شأنه تسهيل التوافق اللبناني لكن على حساب الوزن السياسي - الطائفي للمسيحيّين. إن ارتباط التيّارات السياسيّة للمسيحيّين في لبنان بطرفَيْ الصراع السنّي أو الشيعي قلَّلَ من الضعف السياسي للمسيحيّين (وهو ضعف ديموغرافي في جانب منه وسياسي في جانب آخر، مرتبط برهانات خاطئة أقدمت عليها قيادات شعبيّة في الوسط المسيحي اللبناني في سنوات الحرب) في المرحلة الحالية. قد يأتي يوم تقومُ فيه القيادات السنيّة والشيعيّة بتشكيل حكومة مع التجاهل التام للدروز والمسيحيّين (هكذا مرّت عرضاً معارضة سعد الحريري القاطعة لتوزير سريان لبنانيّين أو علويّين لبنانيّين - وقال، زعيم التيّار «المدني» هذا، إنه لن يسجّل سابقة في توزير العلويّين. والعلويّون هم أضعف طائفة في لبنان. وهناك من يكتب بحنين عن الجالية اليهوديّة في لبنان ومَن لا يرى فظاعة التمييز وتحقير واضطهاد العلويّين).

حزب الله أعلنَها حرباً على الفساد لكن تباشيرها لم تصل إلينا بعد


لا يعرف الشعب اللبناني وزراءه الجدد لأن الزعماء يختارون الوزراء بناء على أسس الروابط والعلاقات. بعضهم يصبح وزيراً لأنه ابن الزعيم، وآخر يصبح لأنه صهر الزعيم، وأخرى تصبح وزيرة لأنها زوجة زعيم، والباقون يصبحون وزراء لأنهم تابعون وتابعات للزعيم. والسيَر الذاتيّة للوزراء لا تكفي للحكم عليهم من قِبل الناس. ومضمون السيَر الذاتيّة في لبنان متروك لكل وزير من دون ضبط المعايير والكفاءات، فيما يمكن أن يُترك الأمر لهيئة التفتيش المركزي كي تدقّق في مضامين السير لأن هناك من يضمِّن سيرتَه موادّ غير دقيقة أو صحيحة خصوصاً أن وزراء في الماضي ضمّنوا سيرَهم شهادات مزوَّرة (في أميركا، يراجع «مكتب التحقيقات الفدرالي» السيرَ الذاتيّة للمُعيّنين والمعيّنات في إدارات الدولة). فالوزيرة فيوليت الصفدي، مثلاً، تذكرُ في سيرتها أنها نالت «شهادة تنفيذيّة في القيادة العامّة» (وهي غير تنظيم أحمد جبريل) من جامعة هارفرد. لكن هذه ليست شهادة جامعيّة، بل هي ورقة «إفادة» يحصل عليها من يدفع مبلغاً من المال لحضور دورة في الفرع غير الأكاديمي للجامعة. والوزير ريشار قيومجيان، وهو طبيب أسنان، ذكرَ في سيرته أنه نال شهادة دراسات عليا من «مؤسّسة السياسة العالميّة». لكن المؤسّسة ليست أكاديميّة وقد قطعت جامعة بوسطن صلتَها بها بسبب ذلك، وهي تختصّ بتخريج عسكريّين أميركيّين (أسّسها موظّف يميني رجعي في إدارة رونالد ريغان). أما محمد داوود فيذكر في سيرته أنه حاز «المرتبة الأولى في جميع سنوات دراستي الثانويّة بمتوسّط ١٦\٢٠». ليس مألوفاً أن يذكر المرء علاماتِه في المدرسة الثانويّة في سيرته الذاتيّة (كانت علاماتي - الحقُّ يُقال - شنيعة في المدرسة الثانويّة).
وتعيين الوزراء في لبنان لم يتغيّرْ عبر السنوات. الاختصاص غير مطلوب، والولاء للزعيم أو الحزب أو الجهة الخارجيّة هو الشرط الوحيد للتوزير. وتروي الصحف أن نبيه برّي يحفظ في جيبه أسماء وزرائه حتى اللحظة الأخيرة، ولا يكونون على دراية بتوزيرهم. أي أن توزيرهم لا يكون مرتبطاً بخطّة سياسة عامّة معيّنة. وهذه ترجمة للفهم السياسي للوزارة، أي أنها مجال لتقديم الخدمات للناخبين، لا أكثر. وحزب الله كان صريحاً في أنه يريد بقاعيّاً لوزارة الصحّة. أي أن الحزب يدخل السياسة من بابها التقليدي النفعي، وليس من باب إصلاحي يكافح فيه الفساد.
وحزب الله أعلنَها حرباً على الفساد، لكن تباشيرها لم تصل إلينا بعد. والحزب، مثل غيره، تدخّلَ لحماية مصنع «ميموزا». والتحالفات بين الأحزاب والتيّارات في لبنان تقضي على أي نيّة جديّة بمحاربة الفساد. كيف يمكن للحزب أن يحارب الفساد فيما هو متحالف مع حركة «أمل»، المتعشّشة في الدولة والمُشاركة مع الحريريّة وجنبلاط في اغتنام الدولة والرأسماليّة في لبنان منذ الطائف؟ هل يمكن للحزب أن يولّي محاربة الفساد على تحالفه الانتخابي والسياسي؟ وهذه تسري على تحالف التيّار الوطني الحر مع سعد الحريري: أليس هذا التحالف هو الذي جعل من الإبراء المستحيل ممكناً؟ وحافظ الحزب على توزير محمد فنيش، لكن ما هي إنجازات فنيش في سنوات وزارته الطويلة (غير الإنجازات السياسيّة في التصدّي للسنيورة في حكومته خصوصاً في حمأة عدوان تمّوز)؟ هل هناك إنجاز واحد له في أي وزارة؟ وقد اقترنَ اسمه في وزارة الطاقة بمشروع للخصخصة حاز إعجاب الحريريّة في لبنان. ووزير الصحّة الجديد هو طبيب، والوزارة لا تحتاج إلى طبيب مداوٍ بقدر ما هي تحتاج إلى خبير صحّة عامّة أو إدارة عامّة (وهناك بعض الأطبّاء من الخبراء في الصحّة العامّة). ولو أن الحزب أراد بالفعل محاربة الفساد لكان أصرَّ على تعيين إسماعيل سكريّة الذي (في كتابه «الصحّة: حق وكرامة») له برنامج عمل واضح لإصلاح الوزارة والتصدّي لفساد شركات الأدوية (وزير الصحّة الجديد متعاقد بصفة مُحاضِر مع شركات الأدوية كما ورد في سيرته). إسماعيل سكريّة كان يمكن له تقديم تخفيضات كبيرة في أسعار الأدوية لكن شركات الأدوية مرتبطة بالمصالح السياسيّة - الاقتصاديّة الحاكمة.
وأصبح للنساء أربع وزيرات، وأصبح لهنّ وزارة لـ«تأهيل النساء والشباب». لكن الاسم تغيَّرَ إلى «تمكين المرأة والشباب»، كأن العنصريّة الذكوريّة تكمنُ فقط في عبارة «تأهيل» وليس في ربط شأن النساء بالشباب والأطفال، على عادة أبشع التقاليد الذكوريّة التي تتعامل مع المرأة على أنها مخلوقٌ غير مكتمل التكوين ويحتاج إلى إشراف ورعاية الرجل. والاحتفال بالتعيينات النسائيّة فقط كون صاحباتها نساء يمثّل فهماً مغلوطة للنسويّة. لكن هل نتوقّع من ساسة لبنان، ومن إعلامه المختصّ بتسليع المرأة وتشييئها، فهماً للنسويّة؟ حتى بعض النسويّات في لبنان - ومعهم سفراء الدول الغربيّة - ابتهجوا لتعيين أربع نساء من قبل زعماء رجال. وليست بين النساء واحدة تحمل فكراً أو عقيدة نسويّة. على العكس، هنّ ينتمين إلى أحزاب وتيّارات بعيدة كل البعد عن النسويّة. وهناك من ابتهج أكثر لأن وزارة الداخليّة باتت في أيدي امرأة. وهل نبتهج أيضاً لو أن جهاز مخابراتٍ عربياً بات في يد امرأة؟ هل قيادة المرأة لأجهزة القمع والتعذيب يمثّل نصراً نسويّاً أو إنسانيّاً؟ وفكرة أن النساء يضفين لمسة حنان وإنسانيّة على مناصبهن هي فكرة عنصريّة ذكوريّة تنتمي إلى فكر الفصل العقلي بين «الطبيعة» الذكوريّة وبين «الطبيعة» النسائيّة. على العكس، إن تعيينات النساء في المجتمعات البطريركيّة تدفع بالنساء اللواتي يصلن إلى مناصب رفيعة إلى انتهاج سياسة صقوريّة حربيّة عدوانيّة في السياسة الخارجيّة (كما فعلت هيلاري كلينتون) لإثبات ذكوريّة المرأة السياسيّة. وليس صدفة أن النساء اللواتي وصلن إلى أعلى المناصب في بلادهن عُرفنَ بالعدوانيّة في السياسة الخارجيّة، مثل غولدا مئير أو مارغريت ثاتشر أو بنازير بوتو أو أنديرا غاندي. وتستطيع المرأة القائدة أن تكون معادية للنسويّة كما كانت غولدا مئير ومارغريت ثاتشر مثلاً.
وبدخول الوزير ريشار قيومجيان يُسجَّل مرّة أخرى وصول مقاتل قوّاتي إلى الحكومة (له صورة يتقلّدُ فيها وساماً من بشير الجميّل). وقد وصل مقاتلون من قِبل عن الحزب التقدمي الاشتراكي والقوّات وحزب الله إلى الحكومة. لكن الحكومات لم تشهد وصول مقاتلين من أحزاب الحركة الوطنيّة اللبنانيّة، باستثناء الحزب السوري القومي الاجتماعي. كان النظام السوري يمنع وصول هؤلاء فيما احتضن وصول مقاتلين قوّاتيّين ممن شاركوا في المجازر وتعاملوا مع العدوّ الإسرائيلي، مثل إيلي حبيقة الذي فرضه رفيق الحريري والنظام السوري على الحكومات اللبنانيّة وعلى مجلس النوّاب. وبوصول قيومجيان تتضح سمة للحرب الأهليّة اللبنانيّة: إن مقاتلي فريق اليمين الانعزالي الذي تحالف مع العدوّ الإسرائيلي يزهون بتجربتهم القتاليّة فيما يظهر على مقاتلي الحركة الوطنيّة المتقاعدين - أو على الكثير منهم - الشعور بالندم أو الخجل من التجربة. إن سرديّة الطرف الذي انهزم شرّ هزيمة - أي فريق التعاون مع العدوّ - سادت بفعل اعتناقها من قِبل الحريريّة وحلفائها، بما فيهم محسن إبراهيم الذي قدَّم خدمة كبيرة قبل سنوات للسرديّة الانعزاليّة عن الحرب عندما قدّم اعتذاريّة عن أفضل ما ميّز تجربة الحركة الوطنيّة، أي الدفاع عن المقاومة الفلسطينيّة.

الاحتفال بالتعيينات النسائيّة فقط كون صاحباتها نساء يمثّل فهماً مغلوطاً للنسويّة


وتكرّس الحكومة الثنائيّة الجديدة بين التيّار الوطني الحرّ وتيّار الحريريّة. لكن تبوّء سعد الحريري لمنصب رئاسة الحكومة كان يجب أن يكون محظوراً. هذا رجل ارتضى أن يتلو بيان الفتنة الأهليّة من الرياض كي ينقذ نفسه من حفلة صفع وضرب من قِبل أتباع محمد بن سلمان. هذا قَبِلَ، كما كُتب من قبل عامر محسن، بدورٍ كان مرسوماً له أن يفجّر حرباً أهليّة في لبنان. ولم يعتذر الحريري عن فعلته بل هو يضحك عندما يشير ابن سلمان أو غيره إلى محنته الشخصيّة التي لم يخرج منها إلّا بتدخّل دولة من الدول الأجنبيّة التي ترعاه في الحكم، كما رعت أباه من قبل - وكل هذه الرعاية هي باسم السيادة طبعاً. إن تجربة الحريري في الرياض، واحتجازه رهيناً، كانت يجب أن تُحرِّم عليه الحكم لأننا لا نعلم طبيعة الصفقة التي جرت بينه وبين محمد بن سلمان، خصوصاً أن هناك موضوعاً ماليّاً بينهما، بالإضافة إلى اعتراض ابن سلمان على مسلك الحريري السياسي (وقد أدت غضبة ولي العهد السعودي إلى إجراء تغيير شامل في فريق سعد الحريري). لكن الارتهان صفة متلازمة للحكم في لبنان، والحريري، الذي رُبط بكرسي وتلقّى الصفع والإهانة - حسب وصف ديفيد إغناطيوس في «واشنطن بوست» - ليس حرّاً في قراره، أو أقلّ حريّة في قراره من بعد احتجازه. لكن جميع الأطراف، بما فيها حزب الله، أصرّت على رئاسة الحريري وهي تقبل به حتى لو كان يحمل - جهاراً - أجندة من اعتقله وضربه وشتمه في الرياض.
لكن التيّار الوطني الحرّ يبقى منتصراً من خلال الأحد عشر وزيراً - لا كوكباً. صحيح أن التيّار يتميّز أنه يأتي بوزراء اختصاصيّين كفوئين في مجالاتهم لكنهم - كما تقول صديقة خبيرة في شؤون التيّار - يولّون الولاء لباسيل على الاختصاص. وهو، مثل نبيه برّي كما تقول الصديقة إيّاها، يفضّلُ الوزراء غير النجوم كي لا يصعدوا سياسيّاً على حساب الزعيم الأوحد. لكن باسيل يوحي أنه يخطو نحو قيادة سياسيّة ذات معالم تختلف عن طريق ميشال عون إلى الرئاسة منذ عام ٢٠٠٥. جبران باسيل شكّل ثنائيّة مع سعد الحريري، وفصلَ قصداً مع حزب الله في الانتخابات، ثم بدأ يطلقُ تصريحات متنوّعة وشاركَ في تمجيد بشير الجميّل. باسيل يعبِّر عن رجوع (غير محمود) للانعزاليّة اللبنانيّة وللترويج لهويّات سياسيّة لم يعترف بها دستور الطائف الذي كان من المُفترض أن يحسم الصراع حول هويّة لبنان.
ثم هناك مسألة تصريحات جبران باسيل المُتكرِّرة عن الصراع مع إسرائيل، وهي تختلف عن خطب ميشال عون في مناصرة الشعب الفلسطيني وذمّ الاحتلال الإسرائيلي. ولا يمكن تجاهل تصريحات باسيل - كما يتجاهلها حزب الله، ويتجاهلها صديق باسيل، قائد حزب الله. تتراكم خطب وتصريحات باسيل وهي تتضمّن اعترافاً بحق إسرائيل في الوجود تارة وبحقّها في الأمن تارة أخرى (وفي كلمته في ذكرى ٦ شباط نسب عبارة «أمن إسرائيل» إلى مبادرة «السلام العربيّة» مع أن العبارة لم ترد فيها). وقبل أسبوع من الكلمة الأخيرة، ذكرَ باسيل حق إسرائيل في الأمن وكان ذلك في مقابلة مع «سي. إن. إن»، وقيلَ يومها على وسائل التواصل إن العبارة الإنكليزيّة خانته. وفي الحديث عن استراتيجيّة دفاعيّة للبنان في سياق البيان الوزاري، ذكرت محطة «أو. تي. في» أن تخريجة «لغويّة» ستحلُّ الموضوع. أي أن موضوع الدفاع عن لبنان وتحرير أرضه بات لعبة لغويّة. هكذا يستخفّ معظم القوى في لبنان بالخطر الإسرائيلي.
لكن الموضوع لم يعد يحتمل النقاش. لقد تسرّبَ حديث المجلس الأعلى للدفاع وفيه يقرُّ مدير مخابرات الجيش بما هو معروف لكل اللبنانيّين واللبنانيّات، وبما ثبتَ للعيان في عدوان تمّوز: أن الجيش اللبناني لن يصمدَ لأكثر من ٢٤ ساعة أمام العدوّ الإسرائيلي. تُقارن ذلك بمقاومة صمدت أمام العدوّ أكثر مما صمدت ثلاثة جيوش عربيّة نظاميّة مجتمعةً. ونفي حقيقة عدم أهليّة الجيش يحمّلُ قائد الجيش الحالي، جوزيف عون، مسؤوليّة أمام اللبنانيّين، إذ هو لا ينفكُّ يكرّرُ لازمة أن الجيش على «جهوزيّة تامّة» لمواجهة إسرائيل (مستفيداً على ما يبدو من طائرات رش المبيدات وما شاكلها من مساعدات إنكشاريّة أميركيّة). أي إن قائد الجيش لا يصارح الشعب بحقيقة عدم قدرة الجيش على صدّ عدوان ردّته مقاومة مُتطوّعة، فيما الجيش الذي يتلقّى أموال الضرائب اللبنانيّة خاضعٌ لسقف الضعف الذي تفرضه عليه أميركا (وأميركا هي التي تريد الترويج لكذبة جهوزيّة الجيش من أجل نسف حجّة المقاومة).
ترافق هذه الحكومة وعود كثيرة، وسعد الحريري وعد بخلق ٩٠٠،٠٠٠ فرصة عمل وهذا الوعد يحمل من المصداقيّة ما حمله وعد إلياس المرّ في الأيام الأخيرة من الانتخابات النيابيّة بأن يؤسّسَ فرعاً لـ«الإنتربول» في بتغرين (لماذا بتغرين، لا ندري). وحزمة وعود «سيدر» ستزيد من إمساك دول الغرب بخناق الدولة والمجتمع في لبنان، وهي ستزيد من اختراق دول الغرب للدولة والمجتمع في لبنان. ما يُسمّى بالإصلاحات التي هلّلت لها الحكومة لن تختلف عن سابقاتها من «إصلاحات» ومن «مساعدات» ووعود غربيّة برفع شأن الاقتصاد اللبناني.
ساذجٌ من يتوقّع تغييراً في لبنان. ليس النظام السياسي الطائفي الهرم هو وحده المسؤول، بل التوازنات والصراعات الطائفيّة الداخليّة هي حامية للفساد بقدر ما أن التوازنات والصراعات الإقليميّة هي أيضاً حامية وراعية للفساد. فلنتصوَّر ماذا سيكون ردّ فعل ما يُسمَّى بـ«المجتمع» الدولي لو أن حملة مكافحة الفساد قرّرت فتح دفاتر فؤاد السنيورة في الحكم. عندها، ستتشكّل حملة عالمية لإنقاذ «رجل الدولة» (لا يجد السنيورة غضاضةً في وصف نفسه بـ«رجل الدولة» في بعض المقابلات الصحافيّة). هذه الحكومة لن تختلف عن سابقاتها، ووعود الإصلاح ومكافحة الفساد ستنضم إلى حملات سباقة باءت بالفشل. لكن الجديد فيها هذه المرّة، أن رئيس الحكومة اللبنانيّة يمكن أن يتعرّض للضرب والصفع والإهانة إذا لم ينفِّذ أوامر وليّ العهد السعودي بحذافيرها. لكن الحريري رجلٌ ذو صداقات: يستطيع حينها أن يستنجد برؤساء دول أجانب، وفي هذا مفخرة - وأية مفخرة - للبنان وشعبه.
* كاتب عربي (حسابه على «تويتر» [email protected])