تناولنا في الجزء الأول من هذه المقالة («الأخبار» في 4 شباط 2019) مجموعة من الطروحات الفكرية-السياسية المتعلقة باستراتيجية الحزب وهويته التي أطلقها مسؤول التثقيف المركزي في الحزب الشيوعي اللبناني، محاولين التنبيه بالبرهان من خطورة هذه الطروحات لكونها تتضمن نظرة إصلاحية يمينية.

1- ننتقل الآن إلى عرض بعض النتائج السياسية المباشرة لـ«المادية» التي يُشير إليها غسان ديبة في مقالته «الاقتصاد السياسي للمجتمع المدني في لبنان» («الأخبار» في 20-08-2018).
يرى الكاتب «أن المجتمع المدني وُلد مع الرأسمالية وهو مكان الفرد والاقتصاد وتراكم رأس المال...»، كذلك فإنه يرى أن «الطبقة الرأسمالية وتنظيماتها»، و«الطبقات الوسطى» و«الطبقة العاملة» من بين القوى الأساسية المكوّنة للمجتمع المدني في لبنان. في الوقت عينه، ينهي الكاتب مقالته بخلاصة، مفادها أن المجتمع المدني، حيث الطبقة الرأسمالية اللبنانية، أحد مكوناته الأساسية، وهي المسيطرة طبعاً في هذا المجتمع حيث يجري تراكم رأس المال، هو (أي المجتمع المدني) «المكان الذي سوف يُطلق الثورة السياسية التي ستقضي على النظام الطائفي». بهذا تكون الثورة على النظام الطائفي السياسي في لبنان، ثورة سياسية فقط وتكريساً لمجتمع «تراكم رأس المال». إنها ثورة برجوازية سياسية على نظام «شبه إقطاعي» (دائماً حسب الكاتب). إنه طرح يميني إصلاحي طوباوي بامتياز. فالكاتب لا يرى، أو لا يريد أن يرى العلاقة العضوية بين الطبقة الرأسمالية التبعية والنظام الطائفي – السياسي. فهذا الأخير هو نظام حكم البرجوازية اللبنانية.

تصميم: ناظم عيراني / مجموعة: زينة معاصري

والقول بالتحالف بين هذه الطبقة البرجوازية وبين (الطبقات الوسطى والعاملة) من أجل الثورة على النظام السياسي للطبقة البرجوازية، مغالطة كبيرة.
لعلّ العيب المنهجي الرئيس في طرح الكاتب، أنه ينطلق من قراءة غير تاريخية لأعمال ماركس، ويطبّقها مباشرةً على واقعنا من دون إعطاء أي أهمية للظروف التاريخية المختلفة لنشأة الرأسمالية وتطورها في بلداننا.
فهو لا يرى تميّز الرأسمالية في بلداننا كرأسمالية تبعية. إن تبعية رأسمالية بلداننا هي القاعدة المادية الموضوعية التي يقوم عليها الترابط العضوي بين سيرورة التحرر الوطني وسيرورة التحرر الاجتماعي. بهذا يكون الكاتب في تعارض تام مع المبادئ الفكرية والسياسية التي جسّدها الحزب ممارسةً منذ المؤتمر الثاني، والتي شهدت فترة صعود دور الحزب وتطوّره على الصعيدين اللبناني والعربي.
كذلك لا يخفي الكاتب اعتقاده بخطأ مقولة الإمبريالية والتبعية. ففي مقالته «غوغل والرأسمالية والاشتراكية» (الجزء الرابع) («الأخبار» في 15-10-2018) والمنشورة أيضاً على صفحة الحزب، ينتقد ما يسمّيه استسهال عملية توسيع نطاق عمل النظرية الماركسية، فيقول: «والأمثلة على الأخطاء في هذا المجال كثيرة: من محاولة توسيع النظرية الماركسية في تفسير الإمبريالية الى ما سُميَ التبعية، إلى عمل المرأة المنزلي». إذا كان تفسير الماركسية للإمبريالية وللتبعية خطأً، فماذا بقي من التحرر الوطني كتحرر من علاقات التبعية وتحرر من الإمبريالية، وماذا بقي من علاقة التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي؟
تجريد انطلاقة المقاومة من مضمونها السياسي، هو تجريدها من هويتها الطبقية، من تاريخها ومن موقعها النضالي


2- كيف تنظر هذه البنية الفكرية التي يعمل الرفيق على نشرها إلى جبهة المقاومة اللبنانية ونشأتها؟ في مقالته «في ذكرى كمال البقاعي: المقاومة وحرية الغد» («النداء», 13-09-2018)، وفي معرض حديثه عن المقاومة، يبدأ الكاتب بمقدمة عاطفية ليركّز بعدها على إطلاق الصفات الجميلة على المقاوميين، «وطنيتهم الفائقة» و«التزامهم بالحرية» و«الإنسانية»، ولكن في سياق عام يجعل منها صفات عامة ومجردة ورومنسية الطابع بسبب سلخها عن خلفيتها التاريخية والنضالية. ليتوضح بعدها عملها الوظيفي التمهيدي، وذلك في إبراز مفهوم الفرد على حساب مفهوم الجماعة. مثال على ذلك: «أكّدوا على وطنيتهم الفائقة وعن التزامهم بالحرية ليست فقط كمفهوم مشترك لجماعة ما، بل كحالة فردية أكد فيه كل واحد منهم على إنسانيته أمام آلة القتل الإسرائيلية». ومن ثم يتابع الكاتب بإصرار وبأسلوب هادئ وتدريجي بتجريد انطلاقة المقاومة من أي مضمون سياسي حين يقول: «عندما انطلقت المقاومة فهي وإن كانت فِعلاً بداً سياسياً من خلال بيان الانطلاق، إلا أنها شكلت في الأساس فِعلاً مُقاوماً بحتاً». والاستنتاج يأتي هنا «فعلاً مقاوماً بحتاً». من خلال كلمة «بحتاً» يرسّخ في ذهنية القارئ على المدى الطويل تحرّر الفعل المقاوم من أي التزام سياسي منهجي، ويمهّد إلى ما بعد «بحتاً» في إرساء مصطلح جديد في سياقه السردي، هو «التمرد»، متعمّداً ما يتضمن هذا الفعل من حالة انفعالية لا عقلانية ذات طابع فوضوي في أغلب الاحيان. إن تجريد انطلاقة المقاومة من مضمونها السياسي، هو تجريدها من هويتها الطبقية، من تاريخها ومن موقعها النضالي على الساحتين اللبنانية والعربية. كيف يفسر حينها الكاتب «جمول» (جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية) وانطلاقتها؟ بدل أن ينظر إلى الواقع التاريخي الملموس يعود الكاتب إلى ألبير كامو ويأخذ منه مفهوم التمرّد ليصف به «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية». إذاً، «جمول» حركة تمرد ومجموعة متمردين. الأمر نفسه ينسحب على نظرة الكاتب إلى الحرب الأهلية، حين يقول: «الحرب الأهلية تمرّد لم يتحول بعد إلى ثورة»، متجاهلاً مفهومنا كحزب للثورة الوطنية الديمقراطية.
هل ظلمنا صاحب الطرح في ما طرحناه آنفاً؟ لنرى إلى ألبير كامو ماذا يقول عن التمرد والثورة: «أما الثورة فتبدأ اعتباراً من الفكرة، إنها، بالضبط، إدخال الفكرة في التجربة التاريخية. في حين أن التمرد هو فقط الحركة التي تقود من التجربة الفردية إلى الفكرة. إن تاريخ حركة التمرد، حتى لو كان تاريخاً جماعياً، هو تاريخ ولوج في الوقائع بلا مخرج، واحتجاج مبهم لا يستخدم مذاهب ولا أسباباً. لهذا السبب يقتل التمرد أناساً، أما الثورة فتهلك أناساً وتهدم مبادئ في نفس الوقت». (ص136، كتاب «الإنسان المتمرد»، منشورات عويدات، الطبعة 3، ترجمة نهاد رضى، 1983).
هذا يعني أولاً: أن مفهوم التمرد عند ألبير كامو الذي يستخدمه الكاتب لتفسير «جمول» هو فقط «الحركة التي تقود من التجربة الفردية إلى الفكرة». ثانياً: إن هذا التمرد هو الولوج في الوقائع بلا مخرج واحتجاج مبهم لا يستخدم مذاهب ولا أسباباً، أي لا خلفية سياسية له ولا أيديولوجية. كان بودّنا لو انتبه الكاتب إلى ما أتى في كتاب كامو لعفا نفسه من تطبيق مفهوم التمرد عند تفسير إطلاقة جبهة المقاومة. هذا ما يستنتجه كامو في كتابه «... وبتعبير آخر يبدو أن مشكلة التمرد لا تكتسب معنىً دقيقاً إلا داخل التفكير الغربي»، وبصورة أوضح يتابع كامو: «... ليست روح التمرد ممكنة في المجتمع إلا ضمن الأرهاط التي تغطي فيها مساواة نظرية وفوارق واقعية كبرى. لذلك لا تكتسب مشكلة التمرد معنى إلا داخل المجتمع الغربي».

التمرّد هو الولوج في الوقائع بلا مخرج واحتجاج مبهم لا يستخدم مذاهب ولا أسباباً

(ص 26-27، «الإنسان المتمرد»، منشورات عويدات، الطبعة 3، ترجمة نهاد رضى، 1983). كان يجدر بالكاتب أن يحترم ما يعتبر صاحب مفهوم التمرّد حقلاً لتطبيق هذا المفهوم وألّا يعمل على إسقاط هذا المفهوم وتطبيقه لتفسير حالة «جمول»، وبالتالي «لا يستسهل توسيع نطاق عمله»، علماً أننا ننتقد هذا المفهوم حتى في تفسيره لبعض ظواهر المجتمع الغربي.
وفي النهاية، لم يلحظ ديبة أنه أوقع نفسه في نوع من التناقض حين اعتبر أن توسيع نطاق عمل الماركسية اللينينية لفهم الإمبريالية أو التبعية هو خطأ. في حين أنه هو نفسه توسع في نطاق عمل مفهوم التمرد، مخالفاً رأي صاحبه، ليفسر به «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» نشأتها وتطورها. هل يعتقد الكاتب فعلياً أن مفاهيم الكاتب الفرنسي البرجوازي الصغير ألبير كامو الذي تحمّس في البداية للثورة التحررية الجزائرية وانتهى باختياره فرنسا الاستعمارية، تملك تلك المفاهيم نطاق عمل أوسع من نطاق عمل المفاهيم الماركسية اللينينية ومفاهيم مهدي عامل، بل أوسع من النطاق الذي حدَّده لها كامو نفسه؟! كان من الأفضل أن يدرس الواقع التاريخي الملموس لإنتاج مفاهيم جديدة أو لتطوير مفاهيم قديمة.
أما إذا أراد الرفيق الدكتور غسان ديبة الاطلاع على تاريخ «جمول» الفعلي وهويتها، يمكنه العودة إلى فقرة من خطاب الأمين العام لتلخص له حكاية المقاومة ولتوفر عليه عناء البحث في تفسير (قبضة كمال البقاعي) ومكنوناتها. «أيها الرفاق والرفيقات: إن خيار المقاومة في الحزب هو استجابة لحاجات شعبنا وشعوبنا العربية عموماً بالتحرر الوطني والاجتماعي، وهو خيار كرّسه المؤتمر الثاني بتأسيس قوات الأنصار ليستمر مع الحرس الشعبي وبعدها مع جمول، وصولاً إلى المؤتمر الحادي عشر الذي رفع مهمة النضال من أجل قيام مقاومة عربية شاملة... إلخ».

* الحلقة السابقة