في لبنان، كما في غيره من دول الإقليم التي تعيش رسمياً حالة «سلمٍ»، ولكنّها محاصرة فعلياً بالأزمات التي لا حلّ لها، الواقع منها والمؤجّل، فإنّ المشكلة لها طابعٌ مزدوج. أنت، من ناحية، تراقب دنوّ الكارثة: وكالات التصنيف الائتماني تضعك في القاع، والخبراء العالميون يتكلّمون بوضوح عن اقتراب إفلاسك؛ فيما الفوائد المرتقبة على الدّين اللبناني تصل إلى مستوى يفوق بوضوحٍ قدرتنا على التمويل. وهناك، فوق ذلك كلّه، موجة أزماتٍ ماليّة وأزمة دينٍ سياديّ في الأفق قد تضرب دولاً - مثل إيطاليا - أكبر بكثير وأحصن من لبنان أو مصر أو الأردن.

من ناحيةٍ أخرى، تجري كلّ هذه الأمور في إطارٍ من «القبول بالعجز»، أي أنّ هناك إجماعاً على أنّ المجتمع السياسي في بلادنا لا يقدر على حلّ هذه المشاكل وأنّ مصيرنا الفعلي ليس في يدينا، فلا جدوى من نقاشها أو شرحها أو حتى الاعتراف بها. لسنا الدّولة الوحيدة التي تسود فيها قناعةٌ بأنّ استقرارها واستمرارها مرتبطٌ بتوافقٍ دوليّ و«نوايا طيّبة»، ولكنّنا قد أخذنا هذا النّموذج إلى مكانٍ متطرّف، حتّى أصبح هناك تساؤل حول جدوى السياسة الداخلية ومعناها (في حين يقترب لبنان من المجهول، مثلاً، يكون تشكيل حكومةٍ جديدةً حدثاً منعزلاً بالكامل عن هذا الإطار والمخاطر القادمة، والإعلام والوزراء «يحتفلون» بطريقةٍ تعكس الدّور الفلكلوري للحكومة، وأنّ التغيير الحقيقي الذي تجلبه هو لحياة الوزير، الذي أصبح في وسعه أن يفتخر وأن يبدو مهمّاً أمام عائلته ومجتمعه).
في هذه الحالة يصبح من النّفاق، بل من الخطير، أن تعطي النّاس آمالاً أو حتّى أن تتكلّم في السياسة «كالمعتاد»، وأن تساهم - وهذا دورٌ للإعلام - في عمليّة «التطبيع» مع الأزمة وتبرير الحلول التي ستخرج من أصحاب الإرادة ويدفع ثمنها الشّعب. حتّى نشرح بتبسيطٍ ما هو على المحكّ اليوم، وكيف يجب أن ننظر إلى الكلام المستقبلي حول «الإصلاح» و«الإنقاذ المالي»، قد ينفع أن نستخدم هذا التشبيه: في شرحه لأزمة الدّين الكبيرة التي ضربت اليابان في التسعينيات، وكيفية التعامل معها، كان الاقتصادي جون زايسمان يستخدم تعبيراً يلخّص جوهر التفاوض السياسي في مثل هذه الحالات. التعبير هو بمعنى أنّ «هناك من يجب أن يدفع الثمن» أو «هناك من سيحمل الوطأة» (بالإنكليزية something›s gotta give). حين تكون هناك قروضٌ «سيئة» فإنّ كلفتها، في نهاية الأمر، يجب أن تقف على عتبةٍ ما: إمّا البنوك، أو الدّولة، أو القطاع الخاص (في اليابان، كانت المشكلة أنّ لا أحد فعل ذلك، لا البنوك شطبت الديون، ولا الدولة استوعبتها، ولا تُرك القطاع الخاص لتحمّل تبعات الإفلاس؛ بل ظلّت الديون في حالة «تمديد»، تُثقل الاقتصاد إلى ما لا نهاية، وتحملها بنوكُ خُصّصت لهذه المهمّة صار اسمها «البنوك الزومبي»). طبعاً، ليس الهدف هنا هو أن نعقد مقارنة (على أي مستوى) بين الاقتصاد اللبناني والياباني، بل للتذكير بأنّه - خلف الخطاب السياسي والكلام المعسول - فإنّ المعيار الحقيقي لأيّ خطّةٍ أو طرحٍ سنسمعه في الفترة المقبلة هو في من «سيدفع الثمن»، والمؤشرات تدلّ إلى أنّ ما يتمّ تحضيره للشعب اللبناني، وتحديداً الفئات الفقيرة فيه، سيكون عقاباً على مستوى أسطوري.

في تعريف الخلل
في لبنان، أيّ حلٍّ يمكن أن يُطرح على الساحة السياسية للأزمة الاقتصادية واحتمال الانهيار يأخذ بالضرورة النسق التالي: أن يتمّ جمع «الفعاليات» السياسية والاقتصادية والتوفيق بينها، ثم «الحوار» والتوافق على قرار. ولكن هنا تقبع معضلة منطقيّة وهي أنّه، بمجرّد «توحّد» القوى النافذة في البلد، وصنع توافقٍ يمثّل مصالحها المختلفة، فأنت تضمن استحالة صياغة حلّ حقيقي للمشاكل الجذريّة التي يواجها الوطن.
كما يكرّر الصديق محمود المعتصم (وهم اليوم، في السودان، يواجهون استحقاقهم الخاص)، فإنّ عدوّك الحقيقي، في الغالب، هو ليس «النظام» بل معارضته. بمعنى أنّ «النّظام» خصمٌ واضح، تعرف دوره وتعرف مواقعه، ولكن المعارضة التي تطرح نفسها كبديل وهي ليست كذلك، أو تقبل بدورها الأزليّ كمعارضة «دائرية»، مقابل نظامٍ تسلّم بأزليّته لا تملك خطّة لاستبداله، هنا الخصم الحقيقي لمن يريد مستقبلاً مختلفاً. ومن القواعد الأساسية عندي في السياسة أن تتجنّب بالكامل نظرية «أن تفعل شيئاً هو خيرٌ من أن لا تفعل». حين يواجهك سؤالٌ صعبٌ ومصيري (تحرير فلسطين كمثال)، الفعل الحقيقي الوحيد هو في أن تجد حلّاً له وأن تواجهه مباشرة. وإن كنت لا تملك المواجهة أو الإمكانية لتحرير فلسطين، مثلاً، فالجواب هو في أن تفكّر وتفكّر وتحاول من دون كلل حتّى تمتلك هذه الإمكانيّة، وليس أيّ شيءٍ آخر.
أمّا فكرة أننّا عاجزون عن المواجهة، «فلنفعل شيئاً ما»، مظاهرة مثلاً (والمظاهرة، على ما يبدو، هي الجواب الدائم لهذه الفئة عن أي قضيّة لا تمتلك خطّةً بشأنها)، فهذا في رأيي أسوأ من «أن لا تفعل شيئاً»؛ لأنّه لا يقرّبك إلى هدفك، ولأنّه «خارج الموضوع»، ولأنّه قد يخدّر ويعطيك شعوراً زائفاً بالإنجاز. كما في الساحة الداخلية، فإنّ وضع النضال الفلسطيني في أيدي محبّي التظاهر والاحتجاج (أي أولئك الذين يعشقون «دورة» التظاهر والاحتجاج لذاتها، ويجدون أنفسهم فيها) يشجّع على صيغة «الاحتلال الأزلي» مقابل أزليّة الاحتجاج وأبطاله وموظّفيه. من هنا، لا يمكن لوم الشعب وسواد النّاس لأنّهم لا يتبعون كلّ من يدعوهم إلى «فعل شيء ما» ولا ينزلون إلى كلّ تظاهرة، وإن كانت أوضاعهم بائسة وإن كانوا غاضبين ومقهورين، فهذا الإنسان بالذات من حقّه أن لا يتبع من لا يعطيه بديلاً وحلماً وطريقاً واضحاً، وأن ينتظر، بدلاً من ذلك، ظهور التغيير الحقيقي.

الدولة الوطنية والدولة الخراجية
البحث عن الإجابات يبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة، بدلاً من قبول المعادلة التي يقدّمها لك النظام واستبناط الحلول من خلالها. السؤال «البنيوي» الذي أنوي طرحه اليوم يتعلّق بالميدان ذاته الذي تجري عليه لعبة السياسة اليوم، «الدولة الوطنية». علينا أن نتذكّر هنا أنّه، بالنسبة إلى أغلب دول العالم الثالث، فإنّ الدّولة الوطنية (و«النظام» الذي ينتج عنها) هي كائنٌ تاريخيّ ولد في فترةٍ قريبة، وقد تعرّض لتحوّلات عدّة في طبيعته ودوره. خلال العقود الثلاثة الماضية، تعرّضت «الدولة الوطنية» في أكثر دول الجنوب إلى تغييرين أساسيّين في بنيتها ودورها: أوّلاً، بعد انقضاء الحرب الباردة، خسرت الدّول الصغيرة ما تبقّى من سيادتها السياسية في وجه عالم الأحادية القطبية (من المسائل الاستراتيجية إلى المنظمات الاقتصادية والتجارية، لم يعد هناك من «خيارٍ ثانٍ» أو مجالٍ للمناورة بعد 1990). ثانياً، وبشكلٍ مترافق، جرّدت الموجة النيوليبرالية «الدولة الوطنية» من دورها الاجتماعي والاقتصادي، أي إمكانية أن تكون الدولة (حتى ولو سيطرت عليها كمعارضة، بالانتخابات مثلاً أو بـ«الثورة الديمقراطية») عاملاً لتغيير بنية المجتمع أو تعديل مراكز القوى فيه. هنا، يجب أن نتذكّر أيضاً أن تقديسنا للدولة الوطنية واعتبارها مكسباً وشعاراً شعبياً وهوية جماعية لنا، خلال القرن العشرين، لم يأتِ لأننا تصوّرنا «دولة الاستقلال» على شاكلة ما نراه اليوم: مجرّد قناةٍ للتواصل مع السوق العالمي ودمج البلد فيه عبر القوانين والضرائب والدّيون. الدولة الوطنية كانت شعاراً شعبياً لأنّها كانت ترمز إلى «دولة الاستقلال»، إلى انفكاك البلد عن أي سلطةٍ خارجية وأخذ زمام قدره بنفسه، وقبل كلّ شيء، لأن الدولة الوطنية كانت تعني مشروعاً للتغيير الاجتماعي في الدّاخل. حين تنتفي هذه الشروط ويظلّ من الدولة العلم والنشيد، والدّيون والضرائب، فهي لا تعود مكسباً بل سجناً، وتقسيمةً جديدةً للعالم تستبدل النظام الاستعماري القديم بإداراتٍ محليّة. من هنا أيضاً، حين تستقيل الدّولة من مهام التنمية والعدالة الاجتماعية، ويصبح المستفيد الوحيد من وجودها هو الفئة التي تمسك بها وتتحكّم بالسلطة والبيروقراطية والتعيينات، فأنت هنا ترجع إلى نمطٍ أقدم من الدولة الحديثة إلى ما يشبه المثال التاريخي لـ«الدولة الخراجية» - حيث علاقة المواطنين بالدّولة تقتصر في استخراج الريع منهم، وبخاصة من الأكثرية الفقيرة، ونقلها إلى الحاكمين الوكلاء والأصلاء. من الرائج اليوم أن يلام «اليسار»، وبخاصة في الغرب، على تبنّيه لسياسات الهوية والحقوق الفردية وابتعاده عن «النضال الطبقي» والمجال الاقتصادي. ولكن، أليس من المحتمل أن تكون المعادلة في الاتجاه الآخر؟ أي أن اليسار - كغيره - قد تلوّن بسياسات الهويّة لأنها أصبحت الشكل الوحيد المتبقي للسياسة بعد تجويف الدولة في السياق النيوليبرالي وإخراج الاقتصاد، فعلياً، من النقاش العام وإرادة الشعب؟ بدلاً من الشكوى الدائمة من «الطائفية» أو من التبعية والتمويل الأجنبي، أليس من الطبيعي - حين تتجوّف الدولة ولا يعود لها دورٌ، ولا تعود هي من يعلّمك ومن يوظّفك ومن يصنع الثقافة ومن ينهض بمجتمعك - أن تسود في المجتمع علاقاتٌ «تحت» الدّولة أو «خارجها» وتصبح الساحة الوطنية «ثانوية»؟

خاتمة
الخديعة الكبرى في القرن الماضي كانت في أن يعطوك دولةً «مستقلّة»، ويتوقّعوا منك التماهي معها، ثم يجرّدوها من معناها (و«دولة وطنية» من دون سيادة ليست كالحليب من غير دسم، بل هي كالحليب من غير حليب). حتّى على مستوى الهويّة، لا يسعك إلّا أن تلاحظ «خواء» الهويات التي تخرج عن الدولة الوطنية بنسختها الحالية (ودول المشرق العربي تشهد، حيث تجهد لتجدَ محتوى سياسياً أو اجتماعياً للهويات القطرية التي يتم إبرازها في محيطنا، باستثناء العداء للجار والتمايز عن الآخر وتمثيل مصالح نخبٍ تستفيد من وجود الدولة-الواجهة). في الوقت ذاته، كما كتب بيري أندرسون عن الهند، فإن المشروع الوطني في تلك البلاد و«حلم غاندي»، حين تجرّد من معناه الاشتراكي، لم يعد أكثر من هوية هندوسية عدوانية وتقوم على تاريخٍ خرافي ورموزٍ دينية، وكان من الطبيعي أن يرثها مودي وحزبه من القوميين المتعصّبين الذين يتماهون مع الغرب وإسرائيل. في الوقت ذاته، كما يقول علي القادري، فأنت ستجد الشكل «الأكثر نجاحاً» للهوية القطريّة لدى الدّول التي حجزت لنفسها مكاناً مفضّلاً في النظام العالمي وامتيازات مادّية حقيقية لمواطنيها، كالدول النفطية الصغيرة وكوريا واليابان. هنا، أنت لديك سببٌ حقيقي لأن «تحبّ» بلدك، فحدودك تميّزك عن غيرك من الفقراء؛ والهويّة الوطنيّة في دولٍ صغيرة (مثل قطر والإمارات، وهذا ما نشهده مؤخراً من خلال منافسات الكرة) هي راسخة و«شعبية» وحقيقية أكثر بكثير من دولٍ كبرى لها تاريخٌ سحيق. «الدولة الوطنية» كما نعرفها اليوم قد تكون هي المشكلة، وليس الحلّ. هنا، التفكير في دخول النظام أو تغييره أو إسماعه صوتك قد يكون هدفاً مضلّلاً. ما أقوله هنا هو ليس هجوماً على فكرة «الدولة الحديثة»، على طريقة بعض النقد الرائج منذ ظهور الدولة، على العكس تماماً، ما أقوله هو أنّ دولتنا الوطنيّة لم تعد تملك شروط الدولة الحديثة، وهنا أصل الخلل. الحلّ ليس جاهزاً، ولا طريق واضحاً اليوم لاسترداد السيادة بمعناها الحقيقي، بل هو زمن التفكير في احتمالاتٍ وسبل جديدة. ولكن، إن كانت «الدولة الوطنية» عاجزة وزائفة، فهذا لا يعني أن نتائج أفعالها لن تكون حقيقية ومؤلمة - كالمأزق الذي وقع فيه شعب لبنان منذ عقود. لهذه الأسباب لا يسعك في لبنان اليوم إلّا أن تنتظر الأسوأ، وأن تبحث عن الأمل، وأن تضمن - إن أمكن - أن يكون راتبك بالدولار الأميركي وليس بالعملة الوطنية.