لأن فضائح بعض دول المنطقة تتكاثر يوماً بعد يوم، بحيث لم يعد بإمكان المرء ملاحقتها ليوفيها ما تستحق من تغطية. على سبيل المثال، رئيس نظام العسكر في مصر، الملتهين منذ عقود بجمع الأموال ومصادرة ثروة الشعب المصري، بعدما استولوا على انتفاضاته الأنيقة والمجيدة، باتوا لا يخجلون إطلاقاً من إعلان تحالفهم مع العدو الصهيوني والتعاون معه في قتل المصريين، سواء كانوا مصنّفين إرهابيين أو أبرياء. الوقاحة تلك توّجها النظام المصري أخيراً بمنع ناقلات الغاز الإيرانية المتوجّهة إلى سورية من المرور في قناة السويس. قليلٌ من الخجل أيها الطغاة سارقو انتفاضات شعب مصر وثرواته ونحن نعلم جيداً أن شعب مصر يرفض التطبيع مع العدو.

أما حكّام دول الخليج ومشيخاتهم السيبيريانية القائمة في الفضاء الافتراضي فحسب، فيتحفوننا كلّ يوم بكل ما هو معيب، ثم يدّعون الحداثة والعروبة وبقية اللغو المعهود. تاريخ مشيخة الإمارات مثلاً أقرب إلى سجلّ قضائي جنائي منه إلى أي أمر آخر. سجلّ انقلابات واغتيالات وغدر وتآمر.
مسلسل السجل الإجرامي هذا بدأ باغتيال شخبوط بن ذياب بن عيسى آل نهيان (1761-1793) مؤسس الإمارة الصحراوية القائمة على الغزو والسلب والنهب، ويدّعون أن أصولهم تعود إلى ما قبل آدم وحواء! القاتل هو ابن عمه هزاع بن زايد عام 1793. القاتل هذا لم يتمكّن من حكم الإمارة فتولى شخبوط بن ذياب (1793-1816) الحكم وانشق آل نهيان على بعضهم ودخلوا في حرب يقتل فيها الأخ أخاه. ابن شخبوط واسمه محمد بن شخبوط تعلّم من أبيه فانقلب عليه، لكن الحكم لم يستتب له إذ انقلب عليه أخوه طحنون بن شخبوط عام 1818 الذي استمر في الحكم حتى عام 1833 عندما اغتاله أخواه خليفة وسلطان اللذان حكما معاً لفترة قصيرة، إذ انقلب خليفة على سلطان واستفرد بالحكم حتى عام 1845، حتى حلّ دوره في أن تغتاله عائلته. صراع العائلة الواحدة انتهى مؤقتاً ليتمكن سعيد بن طحنون من الحكم حتى عام 1855، لكن زايد بن خليفة أبعده عن الحكم ونصّب نفسه مكانه حتى عام 1909.

الحداثة لا تكمن في استجداء الحماية الاستعمارية


وفاة زايد بن خليفة قادت إلى صراع دموي بين أبنائه، واستتبّ الأمر أولاً لطحنون بن زايد في الأعوام 1909-1912، قبل أن يطرده شقيقه حمدان، الذي حكم عشر سنوات قبل أن يغتاله شقيقه سلطان الذي تولّى الحكم حتى عام 1926 عندما اغتاله شقيقه صقر. حُكم الأخير لم يدم طويلاً إذ قتله ابن شقيقه شخبوط بن سلطان عام 1928، الذي استمر في الحكم حتى أبعده شقيقه زايد عام 1966 بأمر من الاستخبارات البريطانية كما أثبتت وثائق الخارجية البريطانية التي أفرج عنها قبل فترة. بعد وفاة زايد تولّى ابنه خليفة الحكم، لكن الأمر انتهى إلى شقيقه محمد بن زايد الحاكم الفعلي لإمارة أبو ظبي النفطية، وهو بدوره متّهم بالتورّط في قتل شقيقيه أحمد وناصر عامي 2008 و2010.
أما مشيخة قطر فتاريخها ليس بأفضل، رغم محاولات حكّامها المفترضين التخفّي خلف قناع الحداثة؛ ومفهوم الحداثة عندهم في تعدّد الزيجات وتجميع القصور ودعم جماعة الإخوان المسلمين... والحداثة عند آل ثاني هي إطاحة الابن بالأب، والأب بالجد، والأخ بأخيه. فحاكم قطر الحالي أطاح عام 2003 بشقيقه ولي العهد جاسم بن حمد وتولى منصبه.
الحداثة والحضارة ليستا في جلب مهندسين وعلماء يبنون المدن ويديرونها، وليستا في تحويل الشعوب إلى جماعات من المستهلِكين يعيشون على الريع. الحضارة لا تكمن في بناء مكتبات حديثة وإغراقها بالمؤلّفات ثم ترك إدارتها لخبراء أجانب. مكتبة كبيرة حديثة يديرها أجانب، ويستفيد منها الأجانب في مشيخات لا يشكّل أهلها أكثر من 10% من مجموع السكّان، وليس فيها كتبيّة واحدة. الحضاراة والحداثة لا تكمنان في تكديس الثروات الطائلة عبر نهب خيرات البلاد، والحداثة لا تكمن في استجداء الحماية الاستعمارية ومنافسة «الأشقاء والجيران» على العمالة للمستعمر، وإقامة العلاقات السرية والعلنية مع العدو الصهيوني والعمل على تقسيم الساحة الفلسطينية بما يزيد من المخاطر على قضية العرب الأولى.
الحداثة لا تكمن في ابتياع أقلام أكاديميين مرتزقة من الشرق والغرب ليختلقوا لكم تواريخ مزوّرة لا تحوي سوى الأكاذيب والتضليل. أنتم أنفسكم تخدعون، لكن العالم يعرفكم حق معرفة.
سنعود لتواريخ تلك المشيخات وحواضرها ليتأكد الجميع أن الاستعمار الذي أسّسها إنما فعل لهدف واحد هو خدمته وخدمة تطلعاته الكولونيالية وليستمرّ في نهب خيرات البلاد واستعباد شعوب المنطقة، وخدمة حلفائه والصهاينة.