بعد عام ونصف على انتخابه بأقلّ من 31 في المئة من أصوات الفرنسيّين في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسيّة، ظهر أثر ممارسة السلطة جليّاً. فوهم تحقيق «ثورة» (ماكرون، 2017) بُنيت على كلمات زائفة، لم يعد يعوّل عليه سوى أرستقراطيّة ترتبط بإيمانويل ماكرون والعالم الذي يجسّده. في شاشات التلفزة، وتحت غطاء التعليق على المستجدّات السياسيّة، يواصل مثقّفون ومحرّرون نيوليبراليّين دفاعهم اليوميّ عن مُهرهم، التجسيد الأخير للرؤساء المهرّجين للجمهورية الفرنسيّة النيوليبراليّة. عقب ذلك، يتظاهر هؤلاء بالدهشة عندما يتعرّض صحافيّون للاعتداء عليهم خلال التظاهرات بقيادة «السترات الصفر»، التي صارت تميّز كلّ نهاية أسبوع منذ 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2018.

الدعائم الماديّة، الرأسماليّة والفردانيّة التي بُني عليها العالم الغربيّ بصدد الترنّح. إذ إنّ «النظام-العالم النيوليبراليّ» (جينيه، 2018)، وهو مفهوم يسمح بوصف التنظيم الأيديولوجيّ والمجاليّ والمجتمعيّ، يقوم على هذه الأساسيّات. ماذا تفعل النخب النيوليبراليّة في مواجهة استحالة تحقّق النظرة التي تنتجها عن العالم؟ هي تجاهد وتثابر، عبر الإعلام والكذب، لتعويض ما تنكره الحقيقة باستمرار. إنّها استراتيجيّة رجل المطافئ المهووس بإشعال النار. يكفي إصلاح هذا النظام-العالم... بعد تدميره! إصلاح العالم؟ مع ذلك، يتلخّص مستقبله في بديل وحيد: الانهيار، أو أن يزداد توتاليتارية أكثر فأكثر يوماً بعد آخر. في الأثناء، تتواصل أعماله التدميريّة.
انتُخب إيمانويل ماكرون دون أن يتساءل الفرنسيّون عن ارتباط رؤيته للبلد والعالم بالنموذج النيوليبراليّ. كان كافيّاً أن يقول إنّه سيتولى أخيراً تطبيق إصلاحات. وقد طُبّقت.
حين تتغيّر الأوضاع، فإنّ الناخب، الذي وضع ثقته العمياء والساذجة في الديمقراطيّة التمثيليّة، يبدو راضياً... حتى يفهم خطأه بحسرة ويتثبّت من آثار الإدارة الهمجيّة.
تترجم حركة «السترات الصفر» هذا الوعي، بعد عام ونصف من العهدة الرئاسيّة... الناس «التافهون» (ماكرون، 2017)، الذين ندّعي صداقتهم أمام وجبة «بيض مخلوط» (الرئيس جيسكار ديستان، 1974)، على الرغم من «الضجيج والرائحة» (الرئيس جاك شيراك، خطاب أورليون، 19 حزيران/جوان 1991)، بدأوا يشكّكون ويفهمون المأزق الذي وقعوا فيه.

الدعائم المادية، الرأسمالية والفردانية التي بُني عليها العالم الغربي بصدد الترنّح


يبدو أنّ الشعوب الخاضعة للإملاءات النيوليبراليّة بدأت الوعي شيئاً فشيئاً بالنظام السياسيّ القائم على المصادرة الذي يعيشون في ظلّه. في مواجهة استحالة «فكّ تطرّف» أولئك «الأصوليّين» النيوليبراليّين، هل ستتقاطع النضالات؟ في نهاية الأمر، ليست حركة «السترات الصفر» إلّا جمعاً من الحركات المنتشرة في فرنسا وحتى في العالم: الثورات الملوّنة، «الربيع العربي»، «احتلّوا وول ستريت» Occupy Wall Street، «بوديموس» Podemos، «سيريزا» Syriza، «زاد» ZAD... وهي حركات تحيل جميعها على النضال ضدّ الاستيلاء على العالم من طرف أقليّات متخفّية خلف قيم تجميليّة ومُسكِّنة.
من سيحلّ مكان البنكيّ السابق لدى آل روتشيلد على رأس فرنسا عام 2022؟ السيدة لوبان؟ تحالف على النمط الإيطاليّ بين قطبين الطيف السياسيّ؟ رجل الكارلتون، المنقذ المبعوث للنخب المعولمة، الذي تروّج له الصحافة والأنتلجنسيا «غير المؤامرتيّة»، أي النيوليبراليّة بعبارة أخرى، الذي سيُدفع إلى رأس الدولة كما دُفع جاك شيراك بين جولتي الانتخابات الرئاسيّة عام 1995؟
أمام خطر الانقلاب هذا، نشهد اليوم مناورة مراوغة من طرف أصحاب السلطة، في شكل «نقاش وطنيّ كبير» (ماكرون، 2019)، ينتظم بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس 2019، في حين أنّ رغبة الشعب العميقة ليست المشاركة أو التباحث، بل اتخاذ قرارات. ما الفائدة من انتخاب رئيس دولة يحيل للشعب السلطة التقريريّة التي انتُخب لتولّيها؟ في حقيقة الأمر، تحمل هذه الآلية التشاركيّة مفارقة فاسدة: طرح منصّة نقاش في حين لن يتغيّر المسار المفروض من السّلطة في نهاية المطاف أو قد يتغيّر لكن بشكل هامشيّ جداً، وإن كانت هذه التغييرات الطفيفة تُضخَّم من قبل «كبريات» وسائل الإعلام الغربيّة. في الوقت ذاته، يتولّى «أفضل» الباحثين في العلوم الاجتماعيّين، حرّاس المعبد النيوليبراليّ، حلّ معضلة «التقبّل المجتمعيّ» للسياسات العموميّة التي تطرحها سلطة تدّعي أنّها «شرعيّة» (ليفي، 1994): جعل بعض السياسات المرفوضة كما بعض الرؤية تجاه العالم، مقبولة لدى الناس وحتى مرغوبة! أي، بعبارة أخرى، إثبات أنّ الأرض مسطّحة...
من جهتنا، حلّلنا وأثبتنا أنّ «النقاشات العامة» التي نُظّمت عام 2006 و2013 لمواجهة رفض المواطنين العارم لمشروع –ذي بعد عالميّ- طمر نفايات مشعّة شديدة الخطورة في قرية صغيرة في منطقة موز Meuse، سمحت للدولة باتباع هذه المنهجيّة اللاعلميّة واللاديمقراطيّة (جينيه، 2017). النقاش الكبير الذي روّج له إيمانويل ماكرون في كانون الثاني 2019 لا يعدو أن يكون تطبيقاً لهذا المنطق على مستوى وطني.
قبل كلّ شيء، يتمثّل هدف النقاش الوطنيّ الكبير في كسب الوقت ومحاولة تخفيف الاحتجاج تهيّؤاً للانتخابات الأوروبيّة في شهر أيار/مايو المقبل. لقد دخلت الديمقراطيّة التمثيليّة في طور الرعاية التلطيفيّة...
* أستاذ جامعي فرنسي