في الوقت الذي بدأ فيه المهزومون من أعراب الخليج الفارسي يحجّون إلى دمشق واستجداء رضاها وسكوتها عما ارتكب بحقها من جرائم غير مسبوقة في التاريخ الحديث، تتعالى بعض الأصوات هنا وهناك التي تطالب سوريا «باتخاذ خطوات من أجل العودة...»، كما صرح بذلك المستر وزير خارجية مصر.

المستر شكري هذا، يمثل نظاماً لم يخجل رئيسه من التصريح بأن تنسيق جيش(ـه) ومخابرات(ـه) مع رديفها في كيان العدو الصهيوني يتم على أعلى المستويات، ولم يكن في هذا المستوى من قبل. الجنرال السيسي لم يخجل أبداً من مطالبة العرب بالتطبيع والسلام الدافئ مع العدو. بل ذهب أبعد من هذا إلى التصريح لقناة أميركية بأن بلاد(ه) سمحت لسلاح جو العدو بقصف مواقع (الإرهابيين) في سيناء. للعلم، قناة «فوكس» حذفت ذلك التصريح الخطير من المقابلة، لكن القائمين على موقعها الرقمي لم يحذفوه إلّا متأخراً بعدما التقطه الناشطون.
كذا إذاً، رئيس مصر، المفترض أنه رئيس كل المصريين، يطلب من العدو المشاركة في قتل المصريين، مهما كان العذر، ثم يملأ غوغائيوه العالم صراخاً وعويلاً إذا ما انتقد شخص بعض الظواهر المخجلة في تلك البلاد مثل استفحال حالات التحرش الجنسي أو حتى انتقاد مدى تلوث نهر النيل الناتج من إهمال حكام مصر، منذ تسلّم العسكر إداراتها قبل ألف ألف عام.
ألم يكن الأحرى بالمستر شكري الانتباه إلى أمور بلاده، وهي أقدم كيان سياسي عرفته البشرية مستمر من دون انقطاع، التي حوّلها نظام العسكر إلى محمية من محميات مشيخات الخيام والإبل... والبعير التي يقل عمرها كيانياً عن مصنع «بسكويت» في اليمن. نعم، عمر مصنع بسكويت في اليمن أكبر من عمر تلك المحميات التي يدعي وكلاء حكامها الحقيقيين في لندن وواشنطن بأن تاريخهم يعود إلى عشرات القرون فقط وفق (لا) منطق طويل العمر بحر العلوم الذي ادعى بأن فرنسا منحت الجزائريين الاستقلال، ولم ينالوه بفضل تضحياتهم الجسام وحكمة قادتهم وإخلاصهم لقضايا بلادهم. أي على عكس الزعامات الفلسطينية المعاصرة التي لم تترك أي درب يقود إلى الاستسلام ويلحق العار ثم العار ثم العار بشعبنا في فلسطين، إلا سارت فيه.
إن كان المستر شكري يمثل حقاً روح مصر، مصر الدولة المستقلة التي يدعيها إعلام بلاده الغوغائي، ألم يكن أحرى به الرد على تحذير أوروبا لجامعة دولهم من «إعادة» سوريا إليها! ومن قال إن سوريا حريصة على الالتحاق بجامعة كهذه، سكرتيرها العام المستر أبو الغيط يتوعد الفلسطينيين بـ«تكسير أرجلهم» إن عبروا إلى سيناء من القطاع الذي تتشارك بلاده مع العدو الصهيوني في حصاره. هل سوريا فعلاً حريصة على العودة إلى جامعة سكرتيرها العام لم يتجرأ على الرد على بيان دول أوروبية قالت فيه إن الوقت لم يحن بعد لاستعادة سوريا مقعدها في مجلس تلك الجامعة التقسيمية.
للعلم يا مستر أبو الغيط، الفلسطينيون الذين يعانون الحصار، من جانب مصر العسكر والعدو الصهيوني وجماعة رام الله، عبروا السياج الذي يحاصرهم، ولم يجرؤ المستر أبو الغيط حتى على الاقتراب منهم. عبروا وابتاعوا ما يحتاجون إليه من سلع غذائية وعادوا إلى وطنهم المحاصَر. لقد بقوا في جزء بلادهم الذي فرّطت به مختلف أنظمة مصر منذ عام 1948 وتركته لقمة سائغة بين أنياب العدو، في انتظار العودة إلى مدنهم وقراهم التي طردها منها التحالف الأعرابي ــــ الصهيوني.
ثم تراهم يتحدثون عن الاستقلالية والكرامة والشرف، ويصابون بالخرس تجاه التدخّلات الوحشية والهمجية لمختلف الأنظمة في أمور بلادنا المنكوبة، وتجاه الاعتداءات الصهيونية المستمرة على بلادنا وعلى شعبنا في فلسطين المحتلة. صدق القائل «القحبة، ما أبلغها عندما تحاضر في العفة». أي جامعة هذه التي وظفتها أنظمة سايكس ــــ بيكو لمحاولة تمزيق سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان والقائمة تطول، بدلاً من التدخّل الإيجابي لتهدئة النفوس وتحريض سكانها على وضع صيانة الأوطان والحفاظ عليها وتحكيم العقل هدفاً لا يعلو عليه أي هدف آخر لأن الهدم يتم في غمضة عين، أما البناء وإعادة البناء، وهو الجهاد الحقيقي، فيحتاج إلى أجيال وأجيال وأجيال.
إني أسمع شعوب أمتنا العربية وهي تقول: إلى جهنم أنتم وجامعتكم الشريرة!