عدم استمرار المشاركة السياسية في سوريا - بالمعنى الليبرالي - لسنوات طويلة كانت له أسباب تتعدّى حصول الانقلابات العسكرية بين كلّ مرحلة تعدُّدية وأخرى. احتياجات المجتمع في ذلك الوقت لم تكن مرتبطة بطبيعة التمثيل السياسي بل بقدرة القوى التي أنجزت الاستقلال على الشروع بعملية تنمية واسعة، تُخرج البلاد من تبعات الاحتلال المديدة، وتضع المجتمع على سكة التطوّر والتحديث. هذا الأمر لم يكن يتطلَّب تمثيلاً سياسياً بالمعنى المتعارف عليه بقدر ما كان يحتاج إلى وجود رؤية لدور البلاد في مرحلة الانتهاء من الانتداب، وما إذا كانت ستسير على سكّة التنمية المستقلة بعيداً عن التبعية الاقتصادية، أم ستستمرّ في نمط «التحديث» الذي كان قائماً سابقاً، والذي يعتمد بالكامل على التصوُّر الاستعماري لمكانة ودور سوريا سواءً اقتصادياً أو سياسياً.


أثَرُ التحديث الكولونيالي
والحال أنّ المجتمع السوري غداة الاستقلال لم يكن قد أنجز بعد مرحلة التحديث، سواءً على مستوى البنى التحتية المهترئة بمعظمها، أو على مستوى مكننة الزراعة، وهي العملية التي تعتبر مدخلاً رئيسياً لتحديث المجتمعات الزراعية، وتسهيل عملية الإنتاج فيها بغرض تجاوزها إلى أنماط إنتاج أخرى لا تكون الزراعة هي مجالها الوحيد. الانتداب كان يعرف أنّ خروجه سيسرِّع من وتيرة هذا التحوّل الاقتصادي، ولذلك اقتصرت إنشاءاته داخل البلاد على مراكز المدن، حيث جرى ربطها ببعضها البعض عبر شبكة طرق حديثة، بالإضافة إلى إدخال تعديلات أساسية على التخطيط المديني لكلٍّ منها، بحيث تخدم التصوُّر الاستعماري لدور هذه المراكز ووظيفتها، وتسهِّل أكثر عملية السيطرة على المجاميع السكّانية داخلها. «التحديث» بهذا المعنى راعى الفصل بين المدن والأرياف على اعتبار أنّ إنشاء بنى تحتية في القرى (طرق، شبكات ريّ وصرف صحي، قنوات لتصريف مياه الأنهار... إلخ) سيساعد لاحقاً بعد خروج الاحتلال على تسريع وتيرة الإنتاج حين يوضع تصوُّر كامل لها في إطار عملية تنمية شاملة بقيادة الدولة. ثمّة إنشاءات حصلت في بعض القرى نظراً لحجمها الكبير، ولكونها تمثّل عقدة مواصلات أساسية بين المدن، أو بينها وبين الدول المجاورة، ولكنها لم تتجاوز حدود التخديم على القوات الموجودة فيها، فأنشئت لهذه الغاية مجموعة مرافق (مخفر شرطة، محطة قطار... إلخ) تسهِّل عمل القوات هناك، ولا تتيح في الوقت ذاته حصول تنمية بالمعنى الفعلي للكلمة. هذا الاستثناء الواضح والمقصود للأرياف من «التحديث» انعكس تفاوتاً في نمط الحياة بينها وبين المدن، فازداد انفصال الريف والمناطق الزراعية عن المنظومة الكولونيالية، وبدأت القوى الاجتماعية فيه تشعر بنقمة متزايدة ليس فقط تجاه الاحتلال بل أيضاً نحو الشرائح التي استفادت من «إصلاحاته». والحال أن هذه «الإصلاحات» التي اقتصرت على المراكز المدينية الكبرى لم تُنتِج فقط أنماط حياة جديدة، بل أيضاً قوىً اجتماعية ارتبط صعودها الطبقي بوجود الاحتلال، وبتسهيله لحياتها عبر إنشاء دورة اقتصادية تستوعبها وتبعدها عن أيّ نزعة تمرّد قد تنشأ لديها. لكن هذه الطبقة التي سيكون لها دور كبير في قيادة البلاد بعد خروج الاحتلال منه لم تكن تسهم فعلياً في عملية الإنتاج بخلاف القوى الاجتماعية في الأرياف، وبالتالي هي لم تكن تمثِّل الكثير على المستوى السياسي، أو لنقل كان تمثيلها محصوراً بالبيئات المدينية التي أسهم الاحتلال في إعادة إنتاجها عبر إدخالها في المنظومة الكولونيالية. وهو ما سيقود لاحقاً انطلاقاً من هذا التفريق المقصود بين القوى الاجتماعية المختلفة إلى التشكيك بطبيعة النظام السياسي الذي أعقب الاستقلال، وبالتالي حصول خلل كبير في عملية التمثيل يكون مقدمة لكلّ ما شهدته سوريا من تقلُّبات اعتباراً من ذلك التاريخ.

استمرار التهميش عبر الانقلابات
مجموعة الانقلابات التي حدثت ابتداءً من عام 1949 لم تمثِّل مدخلاً لتصحيح هذا الخلل، على اعتبار أنها كانت تمثل مصالح طبقية غير بعيدة عن الفئة التي تطوَّرت اجتماعياً بمعية الانتداب. لكن حدوثها بحدّ ذاته كان دليلاً على وجود خلل ليس فقط في طبيعة النظام السياسي، بل أيضاً في خريطة القوى الاجتماعية التي يمثِّلها. فقد بدا التفاوت حينها كبيراً بين القوى التي تشكّل استمراراً غير معلَن لمرحلة الانتداب وتحظى بسبب ذلك بتمثيل سياسي كبير وبحصة كبيرة من الثروة، وبين قوى الإنتاج الفعلية التي همّشتها عملية التحديث الكولونيالي، وجعلت تمثيلها السياسي ليس فقط محدوداً أو رمزياً، بل أيضاً غير متناسب مع مساهمتها الأساسية في إنتاج الثروة والدخل. معظم هذه القوى التي تركَّزت بحكم طبيعة تقسيم العمل داخل المجتمع السوري في الأرياف تحمّست في البداية للانقلابات، وأيّدت توجُّهها المعلن للانتهاء من الفساد الذي يسود أوساط النخبة والطبقة السياسية. لكن هذا التأييد سرعان ما تراجع بعد اتضاح الوجهة التي يقودها الجيش والتي لم تكن تدعو إلى قطيعة مع الحكم السابق، بل كانت بمثابة استمرارية له، ولكن بواجهة عسكرية، وبوجوه أقلّ فساداً من تلك التي اعتاد عليها السوريون. المصالح الطبقية للحكم بهذا المعنى لم تتغيَّر؛ كلُّ ما حصل أنّ حصة الجيش منها قد ازدادت، وهو ما سينعكس لاحقاً على العلاقة بينه وبين الطبقات التي كانت تتأمّل حصول تغيير بمشاركته، وعدم اقتصارها على تقاسم الثروة مع السياسيين. وهو ما يفسّر عدم حصول إصلاح بالمعنى الفعلي في هذه الحقبة، حيث لم يترافق وصول الجيش إلى السلطة مع تحسُّن واضح في أوضاع السوريين عموماً، وبدا أنّ دعاوى الفساد لم تكن سوى ذريعة للوصول إلى السلطة، والعودة بعدها إلى نفس النمط القديم، لجهة حصر التمثيل بعد إخراج القوى السياسية القديمة بمصالح لا تمتّ إلى القوى المنتجة الأساسية بصلة. النظام نفسه لم يتغيّر، وبقيت عملية التهميش الكبرى قائمة، ولكن ليس عبر آلية الوصول المحدود والهامشي إلى البرلمان، بل عبر المؤسسة العسكرية التي تحوَّلت في ظل غياب التمثيل السياسي إلى الأداة الجديدة لتحديد أحجام القوى الاجتماعية، ومدى قربها أو بعدها من مؤسّسة الحكم. عدم حصول إصلاح لمصلحة الطبقات المهمَّشة ترافَقَ مع نقمة شديدة لدى الفئات الاجتماعية المحظية سابقاً بسبب استثنائها من الحصول على المغانم، وتُرجِم ذلك عبر مجموعة من المواجهات في العهد الأخير للانقلابات، حيث شكّلت الأحداث التي شهدتها البلاد حينها ذريعة لنزع الشرعية عن حكم الجيش بحجة مسّه بالاستقرار وعدم إدارته لملف الانفجار الاجتماعي في حلب والجنوب السوري جيداً. ومع عودة الحكم البرلماني إثر انتهاء الانقلاب الأخير في أواسط الخمسينيات من القرن الماضي استعادت الحياة السياسية طبيعتها، وعاودت الأحزاب التقليدية الإمساك بالتمثيل السياسي، ولكن من دون حصول تغيير يذكر في نمط التمثيل لجهة إنصاف الشرائح التي تنتج الدخل والثروة للبلاد.

شرعية التوجّه الاشتراكي
من بين الأحزاب التي عاودت نشاطها في هذه الفترة حزب البعث الذي كان قد توسّع قبل ذلك ليشمل جناحي ميشيل عفلق وأكرم الحوراني معاً (البعث العربي والاشتراكي العربي). الرؤية القومية لعفلق كانت طوباوية إلى حدٍّ كبير، ولم يكن تعبيرها عن فكرة الوحدة مطابقاً للتوجُّهات الاقتصادية - الاجتماعية القائمة في سوريا حينها، ولذلك ظلّ نشاط الحزب تحت قيادته مقتصراً على العاصمة وبعض المدن التي تنشط فيها خلاياه. لكن مع بروز المسألة الاجتماعية بشكل واضح إثر الاستقلال بدا أنّ ثمّة حاجة إلى توسيع نطاق تأثيره ليشمل الشرائح التي بقيت مهمَّشة، حتى بعد خروج الاحتلال من البلاد. التوجُّه الاشتراكي الذي عبّر عنه أكرم الحوراني المتحدِّر من مدينة حماة وسط البلاد قدّم للبعث خدمة كبيرة، إذ لم يكن الحزب قبل انضمام الحوراني إليه يملك تصوُّراً واضحاً عن المسألة الطبقية في سوريا، وكان انخراطه في العمل السياسي قائماً على أساس تمثيل البيئات نفسها التي تمثِّلها الأحزاب الممسكة بزمام الأمور. الحضور الواسع للبيئات المنتجة لاحقاً أتى كنتيجة لتبنّي البعث رؤية الحوراني الخاصّة بإشراك جماهير الفلاحين بشكل أساسي - والعمال بدرجة أقلّ بسبب طبيعة المجتمع السوري الزراعية وتركُّز الإنتاج في هذا القطاع - في العملين الحزبي والسياسي، عبر تنظيمهم في اتحادات ونقابات، ليتم الاعتراف بهم كفئات منتجة للثروة، وبالتالي يُسمَح لهم إن لم يكن بحضور متساوٍ مع باقي الفئات، فعلى الأقلّ بتمثيل يتناسب وحجم الإنتاج الذي يقومون به.
لم يفضِ ذلك إلى حصول تصحيح فوري للخلل القائم في التمثيل بسبب عدم حضور البعث بالقدر الكافي في السلطة، وبقائه بسبب مواقفه سواءً تجاه الانقلابات أو تجاه حجم المشاركة الشعبية في صفوف المعارضة.

النموذج الاقتصادي الاجتماعي الذي قدّمته «الوحدة» تطابق إلى حدّ بعيد مع أوضاع أكثرية السوريين


يمكن القول أيضاً إن هذه الفترة لم تشهد حدوث تحوُّل كبير في موقف السلطة القائمة من الحزب، فظلّ بحكم موقعه الطبقي إثر تبنّيه الاشتراكية كتوجُّه عام ينشط في أطر المعارضة، إلى أن حصل التطوّر الكبير في موقف الجيش أواخر الخمسينيات، وبدأت قطاعات أساسية منه في تبنّي التوجهات الاشتراكية التي عبّر عنها عبد الناصر في مصر. البعث كان مؤيداً لهذا التوجُّه عموماً، واختلافه مع عبد الناصر حول مسائل تتعلّق بآلية تطبيق الاشتراكية لم تمنعه من تأييد الوحدة حين بدا أنّ ثمة تأييداً عارماً لها لدى القطاعات الشعبية التي تشكل قاعدة البعث وحامله الاجتماعي الفعلي.

جذور ثورة عام 1963
أهمية حصول الوحدة بين سوريا ومصر لم تكن في الدور الجيوسياسي الذي لعبته (على أهميته في حماية سوريا وتحصين موقعها الإقليمي)، بل في تشكيلها إطاراً لتحالف طبقي عريض كان يستحيل قيامه من دون قوة دفع إقليمية تتبنّى توجّهات اقتصادية تتقاطع مع أوضاع الأكثرية المفقرة من السوريين. الأحزاب السورية التي تتبنّى التوجهات ذاتها لم يكن بمقدورها القيام بهذا الدور بسبب طبيعة النظام السياسي الذي حدَّد مسبقاً الهوامش المتاحة لعمل الأحزاب والقوى التي لا تنتمي إليه وظيفياً. وكان الأمر يتطلّب ليس فقط مساهمة عربية أساسية بحجم حضور ثورة يوليو، بل أيضاً حصول هذه المساهمة في سياق أدوار جديدة لقوى المجتمع في مصر، بحيث تكون الوحدة الآتية من هناك مقدّمة لتغيير ليس فقط طبيعة النظام السياسي، بل أيضاً توازنات القوى داخل المجتمع. صحيح أنّ الوحدة انتهت بعد أقلّ من ثلاث سنوات على قيامها، لكن النموذج الاقتصادي الاجتماعي الذي قدّمته كان يتطابق إلى حدّ بعيد مع أوضاع أكثرية السوريين عشية حصول التحوُّل الطبقي الأكبر في تاريخهم. قوّة النموذج هنا تمثّلت في رفض هذه الأكثرية بعد انتهاء حكم الوحدة عودة الأحزاب التقليدية «لتمثيلها»، وقيامها بدلاً من ذلك بحركة اعتراضية كبيرة سواءً داخل الجيش عبر «ممثّليها» هناك، أو ضمن الأحزاب القومية الاشتراكية التي كانت تتهيّأ لاستعادة تجربة عبد الناصر ولكن في سياق يناسب طبيعة المجتمع السوري.
نشاط البعث في هذه المرحلة كان قد توسَّع كثيراً، وانتقل بفضل الفاعلية التي وفَّرتها له الوحدة قبل انتهائها إلى قطاعات رئيسية في الجيش نظراً لحجم التأييد الذي أبداه هذا الأخير للتوجّهات التي عبرت عنها التجربة مع مصر. حصول التحوُّل بهذا الشكل أفضى إلى تطابق كامل في المواقف والتوجّهات السياسية والأيديولوجية بين قيادات البعث والكوادر الصاعدة في الجيش، إلى درجة اعتبار البعض هذا التحالف بمثابة مرجعية للحقبة الجديدة. وهو ما تمّ التعبير عنه لاحقاً لجهة الموقف الموحَّد تقريباً من حكم الانفصال، حيث بدا الطرفان مستاءين من حدوثه بهذا الشكل، بعد كلّ ما قدمته الوحدة لسوريا من إنجازات. التحالف بهذا المعنى كان هو الإطار الأيديولوجي الممثّل لخريطة القوى الجديدة التي أفرزتها الوحدة، والتي استثنت بحكم طبيعة الفرز الذي حصل ليس فقط الأحزاب المعارضة للوحدة، بل أيضاً الطبقات والشرائح الاجتماعية التي استفادت من غياب الأكثرية الشعبية عن الحكم طيلة فترة الحكم البرلماني. وهو ما سيتضح أكثر حين ستقوم ثورة عام 1963 بقياد البعث سياسياً، وبغطاء كامل من الجيش، بتحويل البلاد من حكم الأعيان والقوى ذات التمثيل الشعبي المحدود إلى الاشتراكية التي تضمن ليس فقط توزيع الثروة على نحو عادل، بل أيضاً تصحيح التمثيل السياسي للأكثرية، عبر إيجاد المعادل الطبقي لمشاركتها.

* كاتب سوري