اعتقالٌ في مطار

كان اعتقال المديرة المالية لشركة «هواوي» الصينيّة، مِنغ وانجو، فيما هي تبدّل رحلتها الجويّة في كندا صفعةً حقيقية من واشنطن لبيجينغ. من لديه شكٌّ في أنّ «الحملة» على الصّين قد بدأت (على الرغم من «هدنة» مؤقتة هزيلة عُقدت مؤخراً بين الرئيسين) ما عليه سوى أن يتابع الصحافة الغربية، حيث في كلّ عددٍ من أي مطبوعةٍ اقتصادية أو تكنولوجية موضوعٌ على الأقل عن «مخاطر» التكنولوجيا الصينيّة، وامكانية استخدام سلع شركات مثل «هواوي» للتجسّس على الغربيين لحساب الحكومة الصينية. هذه حملةٌ تتجاوز «حرب الجمارك» والدبلوماسية الى استهداف الشركات الخاصة وقطاعات رئيسية في الاقتصاد. أميركا قامت بالفعل بإصدار قرارٍ يمنع الوكالات الحكومية من استخدام معدّات تقنية تنتجها الشركات الصينية (من الهواتف المحمولة التي يستخدمها الموظفون وصولاً الى شبكات الخليوي) بداعي «الأمن». والقرار سيمتدّ قريباً الى المعدّات التي تحوي أي مكوّنات صينيّة؛ أي أنّ على كل الشركات العالمية التي تطمح بالحصول على عقودٍ حكومية أميركية أن تقصي الصين بالكامل من سلسلة انتاجها. الشركات الصينية تردّ على هذه الاتهامات، ببساطة، بأنها شركات خاصّة وأنّها لو زرعت أيّ جهاز تجسسٍ في معدّاتها لكان قد كُشف، ولكانت فضيحة كبرى؛ وأنه لا يوجد أيّ دليلٍ ماديّ على هذه المزاعم. ولكن الاميركيين يردّون بأن الشركة التي بنت شبكات البث، مثلاً، قد تكون تركت «باباً» يسمح بتنزيل برنامجٍ خاص في المستقبل يوقف عمل الاتصالات في بلدٍ معين، أو التنصت عليها، حين تريد الصين ذلك (أي أنّ الصين وشركاتها، مهما فعلت، ستظلّ تحت الاتهام وهي - على طريقة العراق وقضية سلاح «الدمار الشامل» - عليها أن تثبت «عدم حصول أمر م»، وهذا مستحيل).
استراليا، بحسب «بلومبرغ»، أصدرت قراراً يمنع تركيب شبكات المعيار المستقبلي للبث الخليوي (5G) في البلد عبر شركات صينيّة، ونيوزيلاندا تبعتها. و«بلومبرغ» تقول إنّ عدّة دولٍ اوروبية - بينها بريطانيا - تدرس منعاً مماثلاً، بهدف عزل الصين عن أكبر أسواق الاتصالات في العالم، ومنعها من أن تكون الرائدة في التكنولوجيا الجديدة. بمعنى آخر، أصبحت الصّين - وبخاصة في المجالات التقنية المتقدّمة - بلداً «موصوماً»، وسرعان ما ستلتقط الشركات في الغرب هذه الرسالة (بعد أن كانت «هواوي» تبادر الى انشاء شبكات 5G في اوروبا، ألغى عددٌ من الزبائن طلباته نظراً للأحداث الأخيرة، والمستقبل يبدو «اشكالياً» لـ«هواوي» وغيرها بعدما لم تعد المعايير تجاريةً بحت كما في الماضي). ومن لديه شكٌّ بعد في جدية ما يحصل فقد جاء الاعتقال كطلقةٍ مدوّية في حربٍ لم تزل في أوّلها.

الصدارة التكنولوجية
«رمزيّة» الاعتقال، والاهانة التي وجّهت الى بيجينغ، لها ثلاثة أبعادٍ، تختزل عملياً عناصر الخلاف بين البلدين. أوّلاً، على مستوى السيادة، تقول اميركا للصين بوضوحٍ إنّ القانون الأميركي (كالعقوبات على ايران) يسري على كامل الكوكب، بما فيه الصّين. ثانياً، الاعتقال ينبّه الصين أن ليس لها، أو لمواطنيها، «حصانةٌ» من أيّ نوع، وانها لن تعامل كـ«قوة عظمى»، بل سيتمّ اعتقال أهمّ رجال أعمالها (ومِنغ هي ابنة المؤسس التاريخي للشركة، رِن جنغفي، الذي يُنظر اليه في الصين بكثيرٍ من الاحترام والتقدير) واذلاله كأنه ينتمي الى دولةٍ مارقة. ثالثاً، مع تنفيذ كندا لأمر الاعتقال الأميركي، فإنّ واشنطن تنبّه غريمتها الى أنّها لا تواجه اميركا وحدها حين تغضبها، بل شبكةً كونية من الحلفاء والأتباع، وهم سينتظمون خلفها وينفّذون ارادتها وسياساتها وستكون الصين محاصرةً في العالم.
هذا من الأسباب التي جعلت الصّين تصبّ غضبها على كندا، قبل اميركا، حيث هدّدتها بـ«نتائج جسيمة» إن لم تحرّر مواطنتها وتفسّر فعلها (شرح ترودو، رئيس الوزراء الكندي، أنه يعرف بالخطة لاعتقال مِنغ وتسليمها لاميركا منذ أيّام، وهو لم يتدخّل و«ترك الجهات الرسمية» تقوم بعملها). «هواوي»، بالمناسبة، ليست مجرّد شركة صينية كبيرة، بل هي رمزُ للقفزة التكنولوجية التي يريدها الرئيس الصيني عبر خطة «صنع في الصين 2025»، والتي يترصّدها فريق ترامب ويريد منعها. «هواوي» لا تصنع الهواتف الذكية فحسب (هي تجاوزت «آبل»» مؤخراً لتصبح ثاني أكبر بائعٍ للهواتف الذكية بعد «سامسونغ» الكورية)، بل هي ايضاً لاعبٌ اساسيّ في بناء شبكات الاتصالات في العالم وبناها التحتية (وهناك خصومة قديمة وشهيرة بينها وبين منافستها الأميركية في هذا المجال، «سيسكو»، التي اتهمت «هواوي» بأنها سرقت واستنسخت تصاميمها)، وهي تحاول ايضاً دخول مجال تصميم الشرائح الذكية والمعالجات المتقدّمة.
«هواوي» دخلت مجال الـ«5G» بقوّة وحاولت أن تكون لها الأسبقية على المنافسين في استدخال التكنولوجيا؛ والخبراء يزعمون بأنّ «5G» حين تنتشر، وهذا لن يحصل قبل سنواتٍ عديدة، ستغيّر كل شيء (سرعتها تفوق سرعة الجيل الحالي بـ100 مرّة، ولكنها تحتاج استثماراً هائلاً في البنى التحتية؛ فهي تعتمد آلاف محطات البث الصغيرة الموزعة في كلّ مكان، وليس - كما هي الحال اليوم - أبراج ارسال تغطي موجاتها مساحات واسعة، وتخترق الأبنية بسهولة). تقول مجلة «نيكاي ازيان ريفيو» اليابانية إن عدد محطات البث لهذه التقنية الجديدة في الصين يفوق أضعافاً ما تمّ تركيبه في اميركا، وقد بدأت الشركة الصينية بتصدير شبكات الـ«5G» الى الخارج حين ابتدأت «الحملة». عرفت واشنطن أن تختار الهدف، إن كان المقصد هو إهانة الصين و«وضعها في مكانها»، فالاعتقال وحده ليس نهاية المشكلة. الجميع يعرف أنّ واشنطن، لو قرّرت أن تفرض عقوباتٍ على «هواوي» تبعاً للتحقيق مع مِنغ، وتمنع عنها التكنولوجيا الأميركية كما فعلت مع شركةٍ صينية قبل أشهر، فإنّ النتائج على «هواوي» ستكون مدمّرة وكارثيّة.

الصين في النظام العالمي
قد يبدأ تفسير ما يجري في العالم عبر العودة أربعة قرونٍ في التاريخ وأن نرى الأمر من وجهة نظر مؤرّخٍ كايمانويل والرستين وفكرته عن «النظام العالمي». إن كان الماركسيون يقولون إنّ التاريخ هو تاريخ الصراع الطبقي، فإنّ والرستين يقول إنّ «النظام العالمي»، الذي تشكّل واكتمل خلال القرن السادس عشر حول أوروبا، هو الذي صنع الطبقات والقوى الاجتماعيّة الحديثة، التي - بدورها - تصنع التاريخ. بالنسبة الى والرستين، لم يكن بالامكان أن تنهض فئات برجوازية وتجارية وصناعية كبيرة، في دول المركز الأوروبي، من دون وصل العالم (الاوروبي) في «نظام» متّصل، يحصل ضمنه «تقسيمٌ للعمل» بين الأقاليم. في ظلّ النظام الاقطاعي كانت التجارة تقريباً غير موجودة (كانت هناك دوماً تجارة عابرة للقارات في التاريخ، ولكنها - خاصة في اوروبا - كانت تقتصر على تصدير مواد الرفاهية والمعادن الثمينة والحرير وما شابه من سلعٍ لا تشتريها سوى حفنة من الملوك ومن يحيط بهم)، وانت تحتاج الى كامل مساحة الأرض لاطعام من عليها، فلا يمكن أن تكرّس أراضي واسعة لانتاج الصوف مثلاً، أو أن تفرز فئاتٍ كبيرة للعمل الصناعي والتجاري. حين نشأ «اقتصادٌ عالمي» تتخصص فيه الأطراف وأشباه الأطراف بانتاج الغذاء والمواد الأولية ضمن هذا النظام (أي اوروبا الشرقية والمستعمرات في العالم الجديد، وايطاليا واسبانيا بعد انحدارها)، أصبح من الممكن «تفريغ» دول المركز في شمال اوروبا وغربها لممارسة نشاطات متنوّعة وزراعات تجارية؛ ونشأت هناك طبقات تجارية وصناعية كبيرة وقوية ما لبثت أن سادت في بلادها. كلّ بلدٍ شارك في هذه العملية أفرز طبقاتٍ ونظم حكمٍ مختلفة، بحسب موقع البلد في هذا النظام العالمي (حتى نجاح «الاصلاح البروتستانتي» في دولٍ وفشله في أخرى يردّه والرستاين، في نقدٍ مثير لأطروحة فيبر الشهيرة عن علاقة الدين بالرأسمالية، الى كون «النظام العالمي» قد جعل بلداً معيناً تجارياً، يعجّ بالمدن والحرفيين، وهي الفئات التي احتضنت الأفكار الاصلاحية، فيما أصبح غيره طرفياً زراعياً تديره الارستقراطية الفلاحية، وتحكمه الفئات الأقرب الى الكنيسة. أي أن والرستين يقلب السببية عند فيبر: ليست البروتستانتية هي التي تشجّع الرأسمالية، بل إنّ نجاح الرأسمالية في دول «المركز» هو الذي جعل البروتستانت حكامها، فيما الدول التي أصبحت طرفية قد ضعفت فيها الفئات التجارية وانتصر «الاصلاح المضاد» الكاثوليكي. وتوزيع الديانتين بين الدول الطرفية و«البرجوازية» يتطابق مع فكرة والرستين بالفعل الى حدٍّ مذهل، فيما فرنسا وبلجيكا مثلت حالة بين - بين؛ ظل البلد كاثوليكيا ولكن مع تيار علماني برجوازي قوي).
يقول والرستين إنّ الدول التي كوّنت هذا «النظام»، منذ أيامه الأولى، لم تستفد بالطبع بالقدر نفسه منه، وبعضها قد وقع حرفياً «ضحية» له، كحالة بولندا في القرن السادس عشر، أو بعدها الصّين. حين حصل «الاختراق» الأوروبي للصين في القرن التاسع عشر، كان ما يجري - لو استلهمنا من والرستين - هو أن الامبراطورية القديمة كان يجري ضمّها، بالقوة، الى النظام العالمي وتقسيم العمل فيه. كانت الصّين في بدايات القرن التاسع عشر، بالمناسبة، تحصّل فائضاً كبيراً في التبادلات مع اوروبا (كما هي الحال اليوم)، فالدولة تتحكم بالتجارة وتقرر ما يدخل وما يخرج، وهذا كله يجري عبر منافذ محدّدة تحت رقابة موظفي الدولة. قال الغربيون للصين إنّه لا يحقّ لهم الابقاء على اقتصادٍ مغلقٍ أو أن ينعزلوا للحفاظ على نظامهم القديم كما هو؛ ولا يحق لهم حتى منع سلعٍ معينة كالأفيون، فالتجارة يجب أن تكون حرّة. في الوقت ذاته، فُرض على الصين موقعٌ محدّد في أطراف هذا النظام العالمي كمستهلك، وهذا ما تم ضمانه بعد منع الدولة من التحكم بتجارتها أو انشاء صناعات حقيقية، وتحويل المدن التجارية الصينية الى مستعمرات اوروبية. هذا، بالطبع، كان له أثرٌ عميق على «البنية الطبقية» داخل الصّين، حيث اختلت التوازنات القائمة، ودفع الفلاحون الثمن الأكبر، وانهارت أريافٌ صينيّة وشهد البلد قرناً من الثورات والحروب الأهلية والمجاعات وتفكك السلطة، وصولاً الى سقوط النظام القديم (كان النظام الامبراطوري في الصين دوماً مستبداً، وفيه صفة استغلالية واضحة - مع بيروقراطية كبيرة تعتاش من انتاج الأكثرية - ولكن الأمور لم تكن دوماً بالسوء الذي عرفته الصين الامبراطورية في قرنها الأخير، بل كانت هناك مراحل استقرارٍ وازدهارٍ طويلة).

خاتمة
ما يجري اليوم بين الصين واميركا والغرب ليس نقاشاً حول «الأمن المعلوماتي» أو «حقوق الملكية الفكرية»، كما يبدو في الظاهر، بل حول موقع الصين في «النظام العالمي» ودورها في «قسمة العمل» ضمن هذا النظام. في هذا الإطار تحديداً، بعيداً عن الموقف من ترامب وشخصه وسياساته، لا يبدو أنّ اميركا وحلفاءها الغربيين هم على خلافٍ حين يتعلّق الأمر بلجم الصين ومنعها من دخول أسواق التقنية العالية، بعد أن هيمنت على الكثير من الصناعات التقليدية و«البسيطة». من هنا ترتكز الجهود الأميركية على محاصرة الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي وتصميم الشرائح الدقيقة وتقنية الـ5G، أي تحديداً القطاعات التي يتوقّع أن تكون الرائدة في اقتصاد المستقبل، والفارق بين «المركز» و«الأطراف» سيكون الفارق بين من يمتلكها ومن يستوردها.
عودةً الى منطق والرستين، فإنّ «الخارج» و«الداخل» متّصلان، والبنية الطبقية للنظام الصيني اليوم قد صاغتها عقودٌ من الاندماج في الاقتصاد العالمي والتنمية المتسارعة والنموّ الكبير. أيّ تغييرٍ في هذه المعادلة لن يؤثّر على المواجهة بين اميركا والصين فحسب، بل على أسس الشرعية والتوزيع داخل الصين ذاتها، وهنا التحدي الأكبر - والخطر الأهم - بالنسبة الى الرئيس الصيني (الذي لم يخطط لرئاسته أن تكون فترة صدامٍ ومشاكل، بل مرحلة انجازات ونمو وقفزة تكنولوجية). «النظام العالمي الحديث» قد زار الصين في السابق بطلباتٍ مشابهة، وكانت النتيجة كارثية، فكيف سيتصرف الصينيون اليوم فيما الأميركيون يوصدون الأبواب في وجههم ويقولون لهم بوضوح: العالم لنا؟