«أميركا والصين هما الآن في حربٍ تجاريةٍ مكتملة الأركان»، هكذا عنونت مجلّة «ايكونوميست» بعد فرض الادارة الأميركية حزمةً جديدة من الرسوم العقابية على صادرات الصين، بقيمة 200 مليار دولار هذه المرّة، والتعرفة الاضافية على هذه البضائع (نحو 5 آلاف سلعة) ستكون عشرة في المئة، ترتفع الى 25% أوّل السنة المقبلة. وهذا التدريج، يقول المسؤولون الأميركيون، هدفه إفساح الوقت أمام الشركات الأميركية لتغيير مورّديها والاعتماد على خطوط انتاجٍ جديدةٍ خارج الصّين. بيجينغ ستردّ بالطبع برسومٍ مضادة، وخطاب البيت الأبيض يؤكّد أن الحرب التجاريّة أصبحت واقعاً سيتصعّد، وأنّ الأميركيين يخططون لمواجهةٍ طويلة الأمد، وهذا أهمّ ما في المسألة؛ فلا حلّ قريباً ولا عودة الى ما كان العالم عليه قبل ترامب.

في الأسبوع ذاته، أعلنت المجلّة البريطانيّة أنها ستضيف الى أبوابها الدورية عموداً مخصّصاً للصّين. أعمدة المجلّة، مثل أكثر موادها، تصدر من غير توقيعٍ واسم كاتب، وهي تحمل عنواناً وموضوعاً عامّاً ويتعاقب على كتابتها مجموعة كتّابٍ مجهولين، وقد يستمرّ العمود عقوداً قبل أن يستبدل (بعض هذه الأعمدة يحمل أسماء علماء اقتصاد مشهورين، مثل زاوية «شومبيتر» التي ألغيت مؤخّراً، والمادة الصينية الجديدة عنوانها «تشاغوان» ــــ بيت الشاي التقليدي في الصّين). هذا اعترافٌ بأنّ الصّين هي قصّة عصرنا، ولا يمكن أن لا تتابعها؛ وأن الطريقة التي ستندمج فيها الصين (أو لا تندمج) في المنظومة الرأسمالية القائمة سيكون لها أعمق الأثر على مستقبل البشرية وعلى مصيرنا حتّى كعرب، وإن ظللنا ــــ بخيارنا ــــ خارج هذه المعادلات. قد يكون الوقت فات على أن نتعلّم الصينية في هذا العمر، ولكن ما يجري حولنا يجبرنا ــــ كشرطٍ لفهم العالم ــــ على التعلّم عن تاريخ الصين وحاضرها المتغيّر (أنا محظوظٌ هنا لأنّ عندي أكثر من صديقٍ وزميل يوجّهونني للأدبيات المفيدة؛ فالباحث محمد السديري يزودني بالمراجع الكلاسيكية كفرانتز شورمان وغيره من كبار دارسي الصين، فيما علي القادري يرسل لي أموراً راديكالية).

مباراة النهائي
لا توجد في الإعلام الأميركي والدولي بعد روايةٌ مقنعة عن أسباب هذه الحرب التجارية وأبعادها. فكرة أنّ ترامب لديه عقدة من العجز التجاري، وهو يتعامل بعقلية ميركانتيلية ساذجة تهتمّ بتخفيض العجز من دون النظر الى نتائج الأفعال ليست مقنعة. كما يظهر كتاب وودوارد الأخير عن ادارة ترامب، فإن الرئيس الأميركي، بغض النظر عن مظهره وخطابه، توجد أمامه «كوابح» تمنعه من الاستغراق في أفعالٍ تؤذي المصلحة الوطنية. غاري كوهن، الرئيس السابق للمجلس الاقتصادي وأحد ألدّ أعداء سياسة الحمائية والعقوبات، يظهر الأمر وكأنّ ترامب مأخوذٌ بنظريات اقتصادية واهية (يزرعها في رأسه مستشاره الاقتصادي بيتر نافارو، أحد الاقتصاديين القلة الذين يؤيدون الحمائية اليوم)؛ وأنّه لا يفهم أن العجز لا يؤذي الاقتصاد الأميركي وليس سيئاً بالضرورة، وأن حرية التجارية اساسيةٌ من أجل الاستهلاك والنمو في اميركا، وأن الوظائف الصناعية التي «خسرتها» اميركا للصين غير مأسوفٍ عليها، لأنّها قد استبدلت بوظائف أفضل في قطاع الخدمات، وهذه تحتاج الى استهلاكٍ واستيراد.
هذه، باختصار، هي «المرافعة» التي يقدّمها أغلب الاقتصاديين في اميركا اليوم، وهم يهاجمون فلسفة ترامب في حربه التجاريّة، محذّرين من أنّ رسومه الجمركية لن تجلب وظائف الى اميركا كما يتخيّل، بل هي ستزيد الأسعار على المستهلكين وتقلّص قدرتهم الشرائية، فينكمش النموّ والتوظيف. هناك، بالطبع، قطعة ناقصة في هذه السردية، وهي أنّ نظرية «العجز الحميد»، وأنّه ليس على الرئيس الأميركي أن يكترث للعجز ولاندثار القاعدة الصناعية، ليست «اورثوذوكسية اقتصادية» كما يزعمون، بل هي لا تصحّ الّا في مكانٍ واحدٍ في العالم، هو الولايات المتّحدة تحديداً. هذا سببه، كما شرحنا سابقاً، أنّ الدولار هو العملة «العالمية» اليوم، فحين تشتري اميركا من الخارج فهذا (بمعنى السياسة النقدية) لا يختلف عن الشراء من السوق الداخلي طالما أنك تستخدم نقدك المحلّي لاستيراد السّلع. لولا «امتياز الدولار» هذا، ولو كان هذا النمط الاقتصادي يجري في أيّ بلدٍ آخر، لانهارت العملة منذ زمنٍ تحت وطأة العجز الضّخم وخروج العملة الصّعبة (فلنعتبر الذهب مثالاً) من البلد مقابل السّلع التي تدخل. اميركا تطبع الدولار وكلّ العالم يطلبه، ولهذا السبب فقط طوّرت اميركا عجزاً تجارياً متزايداً، منذ السبعينيات ونهاية المعيار الذهبي في النقد، من دون أن تدفع الثمن.
نظريّتي عن دوافع ترامب في حربه مع الصّين هي، باختصار، كالآتي: صحيحٌ أن العجز الأميركي ليس مكلفاً ــــ آنياً ــــ ولكنّ ذلك يعود الى أهمية الدولار والهيمنة السياسية والاقتصادية الغربية التي تكرّسه. لو استمرّت اميركا كـ«سوق استهلاك» فيما الصّين هي «مصنع العالم»، فإنّ تراكم القدرة الصينية ومكانها في السوق الدولي سيوصل في نهاية الأمر الى اضعاف الدولار. كلّما ازدادت حصة الصين في التجارة العالمية، وكلما أصبح اليوان عملة تبادلٍ كونية يحتاجها الجميع، يخسر الدولار قسطاً من نفوذه ودوره كعملة احتياطٍ وتبادل (كما يروي الخبراء الاقتصاديون، فإنّ خطة الصين لـ«عولمة اليوان» تدريجية؛ أوّلاً، يصبح اليوان عملة «اقليمية» في محيط الصين وشرق آسيا، حيث الارتباط مع الاقتصاد الصيني على أشدّه، ثم يصبح النقد الصيني، بعد ذلك، عملةً دولية يمكن أن تستخدمها لشراء النفط أو لعقد أي صفقة في أي مكان، كالدولار اليوم أو اليورو). إن حصل ذلك، وانحسر نفوذ الدولار وقلّ الطلب عليه، ستكون تلك هي النهاية الفعلية لـ«الامبراطورية الأميركية»: بلدٌ مستوردٌ ينوء تحت العجز والديون. هذا القدر، في رأيي، هو ما يحاول فريق ترامب تجنّبه، وقد أصبح حوله معسكرٌ واسع يعتبر أن مواجهة الصين ضرورة، من بانون الى نافارو الى «قيصر التجارة» روبرت لايتهايزر، العقل المدبّر خلف قوائم العقوبات واستراتيجية الحرب التجارية (في تحقيقٍ عن لايتهايزر، قابلت «بلومبرغ» شقيق روبرت الذي صرّح بأنّ أخيه يعتبر «الصين هي لعبة النهائي»، وأنّ المواجهة معها ستدور «على المدى البعيد جدا جداً»).

الدافع الحقيقي
إن كان هناك من شكٍّ في أنّ التصادم مع الصين هو هدفٌ للإدارة، وأنّ العجز التجاري ليس سوى غطاء لأسباب جيوسياسية أكبر، فإنّ ستيف بانون قد بدّده في مقابلةٍ مع «ساوث تشاينا مورننغ بوست» قال فيها إنّ ترامب «لن يتراجع» في حربه مهما كانت الضغوطات، وإنّه سيجعل المواجهة «مؤلمةً بشكلٍ لا يحتمل» على بيجينغ، وأنّه سينتصر في النهاية. المعسكر الشعبوي ذكي ايضاً في تصوير المسألة للجمهور الأميركي، فأناسٌ مثل بانون لا يدخلون في نقاش المبادىء الاقتصادية بل يكرّرون بأن من يعارض «حرب الجمارك» هي مصالح مصارف وشركات ونخب مالية، تستفيد من الوضع الحالي وتصنّع ثرواتٍ كبيرة في النظام المالي الدولاري المعولم من دون عمل ومخاطرة؛ وهي لذلك لا تمانع أن يستمر الصعود الصيني حتى تسحب بيجينغ البساط من تحت الزعامة الأميركية وينهار كلّ شيء. بل أكثر من ذلك، يعطي بانون طابعاً «أخلاقوياً» لفكرة مواجهة الاقتصاد المصرفي وإعادة وظائف التصنيع «الحقيقية»: «الرّسوم الجمركية هي مسألة تتعلق بالكرامة الانسانية … لا يريد الجميع أن يعمل في شركة تأمين».
ولكنّ، عند الكلام عن شروط المواجهة، قلّما يذكر الصقور الأميركيون مسألة العجز، ويستخدمون تعبيراً\ مفتاحاً هو «سلسلة الانتاج» (supply chain). الخطة العملية لعزل الصين وايقاف صعودها تمرّ عبر إخراجها من «سلسلة الانتاج» المعولمة (على طريقة «آبل»، حيث يُصمم الهاتف في كاليفورنيا، وتُصنع قطعه في أماكن مختلفة، ويحصل تجميعها النهائي في الصّين. هدف الإدارة الأميركية هو إخراج الصين من هذه الدورة وإجبار الشركات الكبرى على إخراج مصانعها من البلد). لهذا السّبب، فإنّ أكثر حزمة الجمارك الأخيرة لترامب قد وقعت على سلع «وسيطة» تستخدم في تصنيع منتجاتٍ أميركيّة، لدفع هذه الشركات الى الاعتماد على موردين مختلفين، ومن الواضح أن البيت الأبيض قد ترك «الطلقة الأخيرة»، مكوّنات الهواتف الذكية التي تصنعها «آبل» في الصين وسلع استراتيجية أخرى، الى الجولة الأخيرة من الرسوم العقابية التي قد تفرض قريباً على ما تبقى من صادرات الصّين.
هذه «الحرب» ممكنة اليوم، يقول صقور الادارة الأميركية، لأن الصين لا تزال تعتمد على التكنولوجيا الغربية وعلى مراكز غربية في «سلسلة الانتاج» (برامج التشغيل للهواتف، مثالاً). الرئيس الصيني يحاول، عبر خطة «صنع في الصين 2025» التحرّر من هذه السطوة والاعتمادية، وحين تمتلك الصين «السيادة التكنولوجية» ــــ يقول بانون وفريقه ــــ فلن نتمكن بعد ذلك من ايقافها.

«سدّ الثغرات»
بالفعل، فإنّ خطّة شي جينبينغ تهدف الى تحقيق تفوّقٍ صينيّ في «المجالات المفصلية» في اقتصاد المستقبل: الذكاء الاصطناعي، الحواسيب الكمية، الطاقة المتجددة، صناعات دقيقة معيّنة كمحركات الطائرات، الخ. ومن يبني نفسه في هذه القطاعات لا يهدف الى الاكتفاء بتصدير السلع الاستهلاكية والصناعات وشاشات الهواتف. سأستخدم مثالاً على هذه التقنيات «المستقبلية» يوضح التهديد الذي يراه ترامب وفريقه في السنوات المقبلة قادماً من الشرق، هو مثال السيارات الكهربائية.
لديّ نظريّةٌ بأنّ الصين، قبل اوروبا أو اميركا الشمالية، هي التي ستسارع الى اعتماد السيارات الكهربائية على نطاقٍ واسع. السّبب ليس بيئياً أو من أجل الغاء الضجة والتلوث في المدن (والحجة «البيئية» لاعتماد السيارات الكهربائية ليست سليمة غالباً، ولكن هذا موضوع مختلف)، ولكن لأسباب استراتيجيّة. النّفط هو نقطة الضعف الأساس للاقتصاد الصيني. هو أكبر سلعة قيمةً تستوردها الصين (وبفارقٍ كبيرٍ)، وهو المادّة الوحيدة التي يمكن، بانقطاعها، أن تشلّ الصين بأكملها خلال أيّام. استهلاك النفط أساساً هو في النقل والسيارات، وكلما اشترى صينيون سيارات خاصة، ازداد حجم الطلب الصيني وحاجة الاستيراد. لو اكملت الصين على طريقها الحالي، فهي ستضطرّ قريباً الى استيراد عشرة ملايين، أو عشرين مليون، برميلٍ يومياً ينتج أكثرها في محميات أميركية وتمرّ عبر طرقٍ بحرية يتحكم بها الأسطول الأميركي. من هنا، فإنّ كهربة السيارات هي حلٌّ مثالي لخفض فاتورة الاستيراد، وحجم الاعتمادية، واستبدال الغازولين المستورد بطاقة كهربائية محلية تنتجها الصين من الفحم أو السدود أو المفاعلات النووية.
لهذا السبب، فيما السيارات الكهربائية لا تزال «موضةً» في اميركا، يستخدمها أساساً الأثرياء ومحبو التقانة على طريقة سيارات «تِسلا»، فهي في الصّين أصبحت رائجة للاستخدام العام الحقيقي: باصات وسيارات تاكسي وسيارات خاصة صغيرة ورخيصة. بل قرأت بأنّك، في عدة مدنٍ صينية مزدحمة، ستنتظر ِأشهراً قبل الحصول على رخصةٍ لشراء سيارة «عادية» (مدينة شينزِن الجنوبية، التي تضم مقرّ شركة «بي واي دي» للسيارات الكهربائية، تخطّط لأن تصبح شوارعها «صامتة» بالكامل، ومنع محرك البترول فيها - السيارة الكهربائية لا تصدر في مسيرها سوى أزيزٍ خفيف). عدد السيارات الكهربائية التي تباع في الصين سنوياً يوازي ما يباع في باقي العالم بأكمله، والنسبة تزداد. هناك ــــ اضافة الى «بي واي دي» وأمثالها من العمالق ــــ عشرات الشركات الصغيرة التي تحاول منافسة «تِسلا» في انتاج السيارات الكهربائية، وهي تحظى باستثمارٍ سخيّ، ولا ريب في أنّ أكثر الماركات التي ستهيمن في المستقبل ستكون من بينها (وإن فشل أكثرها). هذا البناء المنهجي لقدرةٍ مستقلّة، والتي ــــ بحسب ترامب ــــ تموّلها دولارات التصدير والتكنولوجيا الغربية، هو ما تسعى «الحرب التجارية» الى قطعه وايقافه.

خاتمة
نبّهت المطبوعات الغربية الى مفارقة تاريخية، هي أنّ إعلان ترامب لرسومه الأخيرة قد جاء ــــ بالصدفة أو عن قصد ــــ في يوم الاحتفال الصيني بذكرى «حرب الأفيون» ومرحلة الاختراق الغربي و«الاذلال الوطني» والغزو الياباني (وقد جعل الحزب الشيوعي من هذه الأحداث، في السنوات الأخيرة، مناسبات وطنية كبرى يتم الاحتفال بها في كلّ عام). ولأنّ طلبات اميركا تتعدى المسائل التجارية والعجز الى سياسات صينيّة داخلية، كأن يُمنع البلد فعلياً من إكمال سياسة «صنع في الصين» لأن واشنطن تعتبرها دعماً غير عادل للشركات الخاصة، فإنّ الرئيس الصيني من المستحيل أن يقبل بالشروط الأميركية التي فصّلها ترامب في أيار الماضي، والتي سمّتها «بلومبرغ»: الاستسلام أو الموت.
ولكنّ شروط اليوم لا تشابه شروط القرن التاسع عشر، والتفوق العسكري الغربي لم يعد مطلقاً، وعدم احتكار السلاح الذريّ يعني أنّ المواجهة مع الصّين، وإعادة رسم بنية الرأسمالية العالمية، من الصّعب أن تتم عسكرته، وإن حصل ذلك، فسيكون بعواقب وخيمة. الأساس هو أنّ ما نشهده اليوم، على أهميته، قد لا يكون الّا بدايةً لعمليةٍ أكبر بكثير، تتجاوز التجارة والعجز وستدور صراعاتها على مختلف المستويات. هذه هي المواجهة التي ستحكم أحداثها السنوات القادمة من عمرنا؛ وإن صدقت فكرة الماركسيين عن أنّ التغيرات المادية في ظروف الرأسمالية والانتاج تؤدي الى تعديلٍ في أفكار الناس وثقافتهم، فإنّ العالم لن يخرج من هذه المبارزة مثلما دخلها بالتأكيد.