وسط اضطراب عبَّرت عنه، على نحو خاص، تصريحات للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بشأن الانسحاب الوشيك للقوات الأميركية من سوريا، ثابرت أجهزة نافذة (ما يُعرف بالدولة العميقة) على تأكيد استمرار الحضور العسكري في سوريا وتعزيزه (أُجّل الانسحاب ستة أشهر مراعاةً للرئيس). الذريعة هي مواصلة الحرب على الإرهابيين، فيما كانت تشير كل المعطيات الميدانية إلى أن واشنطن تدير شراكة حقيقية مع العديد من المنظمات الإرهابية وصلت إلى حدود تقديم الدعم والحماية خصوصاً في المراحل الأخيرة حين مُني هؤلاء بهزائم متلاحقة على يد القوات السورية والإيرانية والروسية والداعمة في العديد من المناطق.

هزائم المنظمات المقاتلة ضد الحكومة السورية (يهيمن عليها الإرهابيَون) أفقدت الإدارة الأميركية القسم الأعظم من الأوراق التي كانت تستند إليها أو تراهن عليها. القوى السورية السياسية المعارضة لم تكن يوماً، بوصفها كذلك، موضع دعم أو رهان من واشنطن. وحدهم المقاتلون الأكراد حظوا بدعم حقيقي، سياسي وعسكري، من الأميركيين. لكن، حتى الورقة الكردية التي بدت واعدة بسبب صمود المقاتلين الأكراد في وجه اجتياح «داعش» وهزيمتها في كوباني (عين العرب) بدأت تتآكل نتيجة الاعتراض التركي الحاد الذي وضع واشنطن أمام مأزق لم تجد له حلاً. فكان أن عجزت الإدارة الأميركية عن الوفاء بكامل وعودها لأكراد سوريا (والعراق) من جهة، وتوترت علاقاتُها مع تركيا بسبب دعمها الكرد بعد أن اضطرت واشنطن أن تقدم إلى أنقرة عدداً من التنازلات المهمة على حساب الكرد، من جهة ثانية.
في موازاة ذلك، كانت واشنطن تتعرض لضغوط متزايدة من حلفائها الخليجيين من أجل أن تنخرط كلياً في الصراع الدائر في المنطقة. السعودية، خصوصاً، أقرنت ذلك بصفقات أسطورية كان يحتاجها دونالد ترامب لتثبيت دعائم حكمه، الذي كان يتعرض ولا يزال، لخضات وارتباك وتغييرات ومآخذ وعثرات... لا يُعرف بماذا ستنتهي: سواءً لجهة نفوذه وشعبيته، أو، حتى، لجهة بقائه في «البيت الأبيض»!
في المشهد السوري، المتراكمة معطياته والمتحولة توازناته، باطراد، لغير مصلحة واشنطن وحلفائها، تعزّز موقع السلطة السورية. كذلك الأمر للدور الإيراني. القيادة الروسية، من جهتها، ثابرت، بتصميم لافت، سياسي وعسكري ودبلوماسي، على الاحتفاظ بزمام المبادرة. أما واشنطن، فكان يتراجع دورها ونفوذها بتواصل وبات كل ما كان معروضاً عليها مجرد تغطية المخطط الروسي! بين «انكفاء» إدارة الرئيس السابق باراك أوباما (لمصلحة أولويات أُخرى في الشرق الأقصى وأُوروبا والعالم)، وارتباك إدارة ترامب، أعلنت موسكو أخيراً، أن المفاوضات هي شأن ستيفان دي مستورا وحده! هي أوقفت مسارات «أستانا» وسواها نتيجة الانتصارات الكاسحة التي تحققت في الميدان لمصلحة روسيا وحلفائها. على مشارف نهاية السنة الثالثة على انخراطها في سوريا، بدت القيادة الروسية عازمة على رسم خطوط ومسارات الحل في سوريا، بالكامل تقريباً دون «شريك» أميركي (كانت تطالبه، بإلحاح، في مراحل سابقة من الأزمة السورية).
تحاول واشنطن أن تستدرك تراجع دورها في التأثير في المشهد السوري أو خصوصاً على ما يمكن أن يضع نهاية للأزمة السورية. هي مضطرة الآن أن تعمل مباشرة، وباللحم الحي، بعد أن اعتمدت في السنوات السبع الماضية على وكلاء انهارَ معظمهم وتغير وتقهقر دور البعض الآخر. حتى الأردن يحاول اليوم تطبيع علاقاته مع دمشق والنأي بنفسه عن الأزمة السورية بعد أن كان شريكاً ومتورطاً فيها.
تسعى أجهزة «الدولة العميقة» في واشنطن، بالدرجة الأولى، إلى منع موسكو وحلفائها من أن يسجلوا انتصارهم النهائي بصورة منفردة وكاملة. استطلعت واشنطن فرصة الاتصال المباشر بالقيادة السورية في أواخر حزيران الماضي (راجع «الأخبار» يوم الثلاثاء الماضي). هي حاولت نقل مطالب إسرائيلية، فضلاً عن مطالبها، وكذلك مطالب حلفائها الخليجيين. لم ينفع الأمر، انتقلت، وفق المعلومات الروسية، إلى محاولة فبركة تهمة لدمشق باستخدام الأسلحة الكيماوية لتبرير عدوان ضدها ولإحراج روسيا في الوقت نفسه.
لا شكَّ أن الوضع خطير إلى درجة كبيرة. ترامب، الذي ذهب بعيداً في دعم المشروع الصهيوني العدواني التوسعي الاغتصابي، يبدو عاجزاً عن أخذ المبادرة في شأن الأزمة السورية. إنه مطالب من إسرائيل وحلفائه الخليجيين بالوفاء بتعهداته التي قبض ثمنها مئات المليارات. لكن يمكن القول إن ترامب الذي عقد قمة مع الرئيس الروسي في هلسنكي أواسط تموز الماضي، قد عبَّر مرة جديدة عن عدم رغبته في إثارة نزاع جوهري مع فلاديمير بوتين تحديداً. هو أثار، بسبب انتقاده السياسة الأميركية السابقة حيال روسيا، موجة عارمة من الانتقادات، ما يؤكِّد مرةً جديدة أن لديه «نقطة ضعف، حقيقية حيال موسكو!».
لا نجازف كثيراً في القول إن «الدولة العميقة» في واشنطن هي التي أقرت منذ مدة (وليس ترامب) «استراتيجية الأمن القومي» التي صدرت عن البيت الأبيض، إذ اعتبرت روسيا عدواً أول للولايات المتحدة (فضلاً عن الصين). هذه الازدواجية التي تجعل السلطة موزعة ما بين الرئيس ترامب والأجهزة (الدولة العميقة + وزارة الدفاع حالياً)، لن توفر للموقف الأميركي الإجماع المطلوب، ومن ثم، الفعالية والتأثير الحاسمين! لكن ضعف ترامب المتزايد قد يضع القرار في أيدي الأجهزة بالكامل.
ينبغي القول إنه، مهما كان حجم تدخل واشنطن وفعاليته وقدرته على التعطيل، أو العكس، ينبغي أن يتسم الحل في سوريا بنظرة بعيدة المدى والعمق والمسؤولية بشأن الملامح العامة لسوريا الجديدة. هي ملامح يجب أن تجمع ما بين الحرص على وحدة الدولة والمجتمع، وعلى إعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس سليمة من المساواة والعدالة واحترام مساحة مقنعة لحرية المواطن وحقوق الإنسان. هذا، طبعاً، من ضمن الحرص على أن تستأنف سوريا دورها الإقليمي في مواجهة المشاريع الأميركية الصهيونية الناشطة، اليوم أكثر من أي وقت مضى، للقضاء على قضية وحقوق شعب فلسطين ولتفتيت العالم العربي: في محاولة متجددة لإحكام السيطرة على مصائره وثرواته وحقوق شعوبه ووحدة وسيادة دوله...
* كاتب وسياسي لبناني