تميل كثرة من المتعلمين إلى التصديق بوجود نظام دولي عالمي قائم على منظومة سيادة متبادلة من قبل عدد من الدّول التي يمتلك كل منها شرعيّة معترفاً لإدارة إقليم جغرافي محدد بما فيه من سكان وموارد، ويقبل منه إصدار جوازات سفر وتبادل سفارات وإصدار طوابع البريد والاحتفاظ بعضوية منظمات دوليّة وعلم رسمي وموسيقى نشيد وطني. لكن الخبراء في علم السياسة لا تغرّهم هذه المظاهر الشكليّة، ويبحثون لفهم القضايا الاستراتيجية في ما وراء هذي الرموز الفارغة من المضمون.

فالنظام العالمي الحالي منظومة رأسماليّة معولمة تتمركز في الولايات المتحدة، لكنها تتوسّع كدوائر نفوذ متعددة المستويات تنخرط جميعها في نظام إنتاج اقتصادي وتبادل واستهلاك عالمي ــ غايته استمرار تعظيم العوائد لقلة مرفهة على حساب الغالبيّة العظمى من سكان العالم ــ وأداته الأساسيّة الدولار الأميركي الذي يسيطر على أكثر من 80% من التبادلات التجاريّة حول العالم.
هذا النظام ــ الذي يطلق عليه اصطلاحاً ــ الإمبراطوريّة الأميركيّة، يقوم أساساً على خضوع مختلف دول العالم لهيمنتها وعلى استمرارها بمنح عملة الإمبراطوريّة ــ التي هي مجرد إصدار ورقي ليس له غطاء ذهبي أو غيره ــ الثقة من خلال التداول بالدولار والاقتراض به وتمويل صادرات العالم من الموارد الطبيعيّة الأساسيّة به.
منطق الإمبراطوريّة لا يتقبّل مطلقاً فكرة أن تمتلك أي دولة نوعاً من سيادة حقيقيّة على مقدراتها الاستراتيجيّة، لأن ذلك بكل بساطة يعني انتقاصاً مباشراً من الهيمنة الأميركيّة المعولمة، وهو الأمر الذي إن انتشر يهدد أسس الإمبراطوريّة من جذورها ويهدم تفوقها ورفاهيّة نخبتها. لذا، إن الولايات المتحدة ــ ولا سيّما بعد انتهاء الحرب العالميّة الثانية ــ لم تعد تتهاون مع أي نزوع للسيادة الحقيقيّة حول العالم من أوروبا، حيث نظمت أكبر عمليات الخداع في التاريخ لضمان سيطرة اليمين الموالي لواشنطن على مقاليد الحكم في الأمم الأوروبيّة دون استثناء، إلى الكتلة الشرقيّة حيث شُنت حرب باردة لا ترحم على دول المنظومة الستالينية، إلى أن تفككت كما تتفكك السبحة، بينما نُفذت تدخّلات مباشرة أو انقلابات عسكريّة بيضاء أو دموية في غير بلد في العالم تجرأ على مجرد الحلم بامتلاك سيادة حقيقيّة، ولو جزئيّة. من مصدق إيران إلى لومومبا الكونغو، ومن ناصر مصر إلى قذافي ليبيا... انتهت كل تلك الأحلام الورديّة بإقصاء قادتها بمنتهى القسوة وتسليم مقاليدها لعناصر شديدة الولاء للسيّد الأميركي.
فنزويلا التي تمتلك أكبر رصيد مؤكد في العالم من النفط بقيت طوال عقود نظاماً صديقاً للولايات المتحدة تتمتع فيه أقليّة فاسدة برفاهيّة مبالغ بها ــ على النمط الخليجي ــ من خلال احتكار ريع صادرات النفط على حساب الأغلبيّة الساحقة من الفنزويليين ــ ولا سيّما سكان البلاد الأصليين ــ التي عاشت في دائرة متطاولة من جهل وحرمان وفقر دائم. وحتى عندما قررت السلطات الحاكمة تبني سياسات النيوليبراليّة الجديدة، برفع الدّعم عن أسعار المحروقات التي كانت تباع بقيمة رمزيّة للمواطنين وخرج الناس للشوارع محتجين، فإن الولايات المتحدة أو أحداً في الغرب لم يدن الرد العنيف الذي شنته السلطات على المتظاهرين وأدى إلى مقتل ما لا يقلّ عن 3000 منهم دفنوا سريعاً في مقابر جماعيّة وفي حدائق المنازل الخلفيّة. ولم يتفضّل علينا أحد من الخبراء والمعلقين والصحافيين بتحليلات عن فشل الرأسماليّة المتكرر عبر العالم وفي الحالة الفنزويليّة تحديداً، لأن الأكاديميا والإعلام العالمي هي في النهاية أدوات أخرى تمتلكها الإمبراطوريّة وتكرّس من خلالها هيمنتها الكوكبيّة الطابع.
تغيّر ذلك كله في يوم وليلة قبل عشرين عاماً تقريباً عندما تولى هوغو تشافيز، الضابط الوطني الخارج من قلب معاناة الشعب، السلطة رئيساً في 1999. تشافيز كان يريد كسر دائرة الفقر التي كانت تخنق حياة العمال والفلاحين، لذا شرع في تنفيذ سياسات اقتصاديّة وسياسيّة تدريجيّة لخلق نوع من التوازن الداخلي للبلاد المصابة بعيوب بنيوية عميقة من بنية الفساد المتشابك وفساد الإدارات المحلية واصطفاف نخبتها البرجوازيّة بصلف مع الإمبراطوريّة الأميركيّة. لم يتمكن تشافيز خلال فترة حكمه التي استمرت 14 عاماً من تحقيق انقلاب اشتراكي كامل بالنظر إلى مجموع الظروف الموضوعيّة التي وجد البلاد عليها، ولا سيّما العداء السافر الذي بادرته الولايات المتحدة وأتباعها الغربيون به، في الوقت الذي كانت فيه روسيا تعيش غيبوبة يلتسن والصين لمّا تبنِ بعد الثقة للمبادرة عبر البحار.
بدأ تشافيز مشروعه لتحرير الأغلبيّة الشعبيّة المسحوقة وتوعيتها من خلال الإنفاق من عائدات النفط على التعليم والصحة والخدمات الإجتماعيّة والتقديمات وتنفيذ محاولات جزئيّة لتعديل ملكية الأراضي والصناعات عبر دعم قيام تعاونيات تعيد توزيع الثروة. وهو رغم الحرب الأميركيّة المعلنة ــ التي تضمنت في مرحلة ما انقلاباً عسكرياً وعدة محاولات اغتيال ــ نجح في تحقيق إنجاز هائل في تلك المجالات جميعها، تشهد عليها حتى أرقام المنظمات الدوليّة المعادية.
لم يكتف تشافيز بتصحيح ميزان العدالة الاجتماعيّة في بلاده، بل مدّ يد العون للشعوب الأخرى في أميركا اللاتينية، فدعم الحكومات اليسارية مالياً وديبلوماسياً، وتلك كانت عند الأميركي ذنباً لا يغتفر، فكان القرار بتصعيد الهجوم المضاد من خلال خنق صناعة النفط الفنزويلية التي تدرّ 96% من دخل البلاد. لقد أصاب هذا الهجوم الغادر التجربة الفنزويلية السائرة نحو الاشتراكيّة في مقتل، بعدما وُجّه التابع السعودي إلى إغراق الأسواق العالميّة بالنفط، ما دفع الأسعار إلى هبوط قياسي، الأمر الذي خدم الغرب، لكنه أيضاً أنهك الدّول النفطيّة التي تحاول فكّ ارتباطها بالمشروع الأميركي، وتحديداً روسيا وإيران وفنزويلا، إضافة إلى تقليل حصة فنزويلا من سوق التصدير إلى الحد الأدنى، ترافقاً مع حصار خانق على كاراكاس في ما يتعلق بمواد وتكنولوجيا صيانة آبار النفط واستخراجه.
غاب تشافيز في وقت صعب على التجربة الفنزويليّة، وترك تراثه الشجاع لأحد رفاقه الأقرب إليه: نيكولاس مادورو. مادورو ثائر «بوليفاري» عنيد منحدر من قلب الطبقة العاملة، لكنّه لم يكن عسكريّ الخلفيّة، ولم يتمتع بالشعبيّة الاستثنائيّة للقائد الراحل ذي الكاريزما، لذا كان التحدي أمامه أصعب مما واجهه تشافيز في مواجهة استشراس الهجمة الأميركيّة، وهو لا يزال يقود التجربة بشجاعة منقطعة النظير، رغم الأخطار الشخصيّة التي يتعرض لها، وكان آخرها محاولة الاغتيال بداية شهر آب/ أغسطس الحالي.
لا أحد لديه أوهام الآن بشأن الظروف الاقتصاديّة الصعبة والتحديات التي يواجهها النظام الفنزويلي، لكن صياغة الأخبار والتحديثات عن هذا البلد الصامد يشوبها انحياز لا يصدّق في وسائل الإعلام العالميّة ــ والعربيّة بالتبعيّة ــ وتعتمد في جلّها على المبالغات والتلفيق والكذب والاجتزاء.
خذ مثلاً الخرافة التي تداولها الإعلام العالمي عن أن التضخم في فنزويلا سيصل إلى مليون في المئة مع نهاية العام الحالي. مصدر تلك التلفيقة كان مؤسسة النقد الدولي ــ إحدى أدوات الهيمنة الأميركيّة ــ التي ما راحت تنشر التقارير تلو التقارير عن انهيار وشيك في الاقتصاد الفنزويلي، تبيّن أنها جميعها لا تتمتع بالصدقيّة العلميّة، ولا حتى بالدقة أو وضوح المصادر. وقد شنّ بروفيسور الاقتصاد الأميركي المعروف ستيف هانكيه ــ وهو من أشد المناهضين لنظام مادورو ــ هجوماً لاذعاً على تكهن مؤسسة النقد بوصول التضخم إلى حدود المليون بالمئة، مشيراً إلى أن هذا النوع من الخزعبلات والدّجل يضرّ بالمجهود الأميركي لإسقاط مادورو أكثر مما يفيده. لكن الإعلام العالمي تجاهل ذلك، واستمر في ترديد خرافة التضخّم المليوني ولا يزال.
مثلها أيضاً الكذبة التي تداولها الإعلام العالمي، في أن حالة التضخّم في فنزويلا هي الأسوأ في التاريخ، بينما الحقيقة أن فنزويلا تقف الآن وقبل إصدار عملتها الجديدة في 20 آب/ أغسطس الماضي، في الموقع 23 من تجارب التضخم العالميّة. وقس على ذلك بالطبع سيل الأخبار السيئة القادمة من فنزويلا خلال العشرين سنة الماضية.
ليس عند الفنزويليين اليوم خيارات كثيرة. فإما أن يدعموا نظامهم الوطني في رحلته الجبليّة الصعبة لبناء سيادة واستقلال حقيقيين، وإما أن يعودوا أذلاء صاغرين إلى حديقة الإمبراطوريّة الأميركيّة. البرجوازية اختارت الحديقة كما ديدنها التاريخي والموضوعي، أما العمال والفلاحون، فليس لديهم ما يخسرونه في هذه المواجهة سوى فقرهم ذاته، وهم موضع أمل كل مناهضي الهيمنة الأميركيّة عبر العالم مهما كتبت الصحافة العالميّة الفاسدة.