«أؤمن بأنّ الاستحقاق الأقصى أمام الأتراك اليوم هو إمّا أن يعيشوا كأمّةٍ كريمة، أو أن يخرجوا من مسرح التاريخ بشكلٍ مجيد»

ملاحظة كتبها جمال باشا في 2 نوفمبر 1914، بُعَيد التوافق داخل حكومة الاتحاد والترقي على دخول الحرب إلى جانب ألمانيا (مكميكن، ص291)

«لا أعتقد أن هناك بيننا من لا يفضّل الموت على تكرار تجربة الخزي والعار في حرب البلقان. ولكن، إن كان شخصٌ كهذا موجوداً، فحريٌّ بنا أن نقبض عليه فوراً وأن نضعه أمام سريّة الإعدام»
من أمر اليوم الذي وجّهه مصطفى كمال إلى جنوده صبيحة إنزال الحلفاء في غاليبولي (مكميكن، ص 444)

في مثل هذه الأيام قبل قرنٍ بالضبط، أي في آب 1918، أنهت فرق العمل التابعة لـ«شركة سكك بغداد» حفر سلسلتي جبال طوروس وأمانوس («جبال النور» بالتركية اليوم)، الحاجز الطبيعي والتاريخي بين الأناضول والساحل السوري، لتمرّ سكّة حديدٍ عبر عشرات الأنفاق فيها وتفكّ العقبة الكبرى والأساس أمام مشروع قطار برلين ـــــ بغداد الذي انطلق قبل قرابة العقدين. ثقب هذه الجبال كانت مهمّةً أسطوريّة، كما يشرح المؤرخ شون مكميكن في كتابه عن العلاقات الألمانية ـــــ العثمانية («إكسبرس برلين ــــــ بغداد: الإمبراطورية العثمانية ورهان ألمانيا على النفوذ العالمي» ـــــ منشورات هارفارد، 2010). أحد جبال طوروس، مثلاً، وكان اسمه «الجبل الكافر» لوعورته وصلابة صخره، كان يستهلك يوميّاً مئات رؤوس الحفر (التي يجب إحضارها كلّها من برلين)، ولا تتقدّم فيه أمتاراً كلّ يوم، حتّى إنّه دفع بعض العمّال إلى الجنون.
المشكلة كانت أنّ المهمّة انتهت في وقتٍ لم تعد فيه تصنع فارقاً في الحرب الكبرى. يحاجج مكميكن بأنّ هذا المعبر الجبليّ، لو أُكمِل قبل خمس سنوات كما كان مقرّراً (أي لو لم يجرِ خلع عبد الحميد عام 1909، أو لم تحصل حرب البلقان وتأجّل العمل على الخطّ سنوات)، لكان في وسع العثمانيين توجيه ضربة حقيقية إلى البريطانيين في السويس، ودفع لندن إلى التفاوض. كان الدفاع عن سوريا والعراق سيكون أسهل بكثير، وحتى الوضع على الجبهة الشرقية كان سيختلف مع سكة حديد تمرّ قرب الموصل وشرق الأناضول.
حتّى نفهم أهميّة سكك الحديد في تلك المرحلة، يجب أن نتذكّر أنّنا في عصرٍ لم تكن فيه شاحناتٌ وسيارات (إلا بأعدادٍ قليلة، قرب نهاية الحرب)، أي إنّ القطار هو الوسيلة الوحيدة للنقل الكثيف ومن دونه، هناك أنشطة كاملة لا يمكنك ببساطة أن تقوم بها (من التعدين إلى الصناعى إلى التجارة الداخلية)، كذلك إنّ قدرتك على شنّ الحرب الحديثة (بمقاييس نهاية القرن التاسع عشر) تتوقّف عند حدود شبكة قطاراتك. حملة السّويس عام 1915 مثال: لا يمكن أن تقيم جبهةً حربية في وجه الإنكليز وعلى كلّ معدّات جيشك (من المدافع إلى القذائف والذخيرة، وصولاً إلى الثياب العسكرية) أن تستخدم قوافل حميرٍ تعبر جبال كيليكيا، ثمّ تُنزل من القطار مجدداً وتوضع على ظهور الجمال لاجتياز صحراء سيناء. من المستحيل أن تخوض حملةً عسكرية مستمرّة على هذا الأساس (تخيّلوا، لم يكن في كامل السلطنة العثمانية إلا معملٌ واحد للذخيرة والقذائف، هو في إسطنبول، والمصدر الثاني للذخيرة كان ألمانيا). كمثالٍ آخر على وضع البنية التحتية في السلطنة عشية الحرب العالمية، يذكر مكميكن أنّه لم يكن هناك سوى طريقين اثنين يصلان غرب الأناضول بشرقها (بمعنى أنها طرقٌ ممهدة تصلح للمشاة والدواب)، واحد شمالي بين سيفاس وأرضروم، والثاني بين دياربكر وفان. وحين تحارب الرّوس، فإنّ عليك أن تستخدم هذا الطريق الضيّق لنقل كلّ الجنود والإمدادات والمعدّات إلى الجّبهة، في رحبةٍ متعرجة تستغرق أسابيعاً، والطريق ذاته يستوعب جحافل الجرحى والمهجّرين الذين يتدفقون في الاتجاه المعاكس.

انحدارٌ في مواجهة «تحديث»
لهذه الأسباب، كان عبد الحميد واعياً لضرورة ربط ما بقي من الإمبراطورية بخطّ حديدٍ لو أراد أن تدخل بلاده القرن العشرين (أو، فعلياً، القرن التاسع عشر)، وكان المشروع الألماني بمثابة «الطلقة الأخيرة» لخلق ما يشبه كياناً متّصلاً في الدولة العثمانية. في الوقت ذاته، كان المشروع يشبع طموحاً ألمانيّاً بالوصول إلى الشّرق (وبعده الهند وآسيا) عبر طريقٍ برّيّ، يمرّ في دولٍ حليفة، بعيداً عن السويس ونفوذ الأسطول البريطاني.
الطريف أنّ الطريق الذي تخيّله الألمان يشبه إلى حدٍّ بعيد المشاريع التي يجري اقتراحها حاليّاً لربط الشرق بالغرب برّاً (على طريقة «طريق الحرير» الصيني)، وهو مبنيّ على الفكرة التي أؤمن بها في ربط البصرة بسوريا والمتوسّط وأوروبا عبر خطوط قطار. الفكرة جغرافيّة بحتة، ولهذا تكرّرت عبر التاريخ حين تكون الظروف السياسية مناسبة، فالبصرة هي النقطة الأبعد داخل اليابسة التي يمكن أن تصل اليها بحراً من الصين وآسيا. وهي بالتالي بداية الطريق الأقرب إلى أوروبا والمتوسّط عبر البرّ، لو أردت تجنّب الدوران حول أفريقيا أو عبور قناة السويس. من هنا، كان الألمان يقدّمون مشروع «برلين ـــــ بغداد» (وهو فعلياً برلين ــ البصرة) على أنّه سيصل «البحرين» مباشرة: الخليج العربي وبحر الشمال. من جهة السلطان عبد الحميد، فقد كانت إطالة خطّ برلين ـــــ إسطنبول ليعبر الأناضول، ويمرّ في حلب (حيث يتّصل عبر خطٍّ فرعيّ بدمشق وخطّ الحجاز الذي بناه أيضاً الألمان) ثمّ شمال سوريا وبغداد والبصرة، يمثّل نواةً لـ«شبكةٍ وطنية» تصل أقاليم السلطنة وتمنع تفكّكها (يقول المؤرّخ إنّ «ثورة» الهاشميين في الحجاز، مثلاً، لم تتمكّن من الاستيلاء على المدينة المنوّرة أو اقتلاع حاميتها، ببساطة لأنها كانت موصولةٌ بخطّ الحجاز، وظلّت صامدةً حتى عام 1919).
من جهةٍ أخرى، فإنّ تعبير «الرجل المريض» أيامها لم يكن مبالغة. نحن نتكلّم على دولةٍ يحاول قادتها «التحديث»، وأن يجدوا لنفسهم مكاناً بين القوى الأوروبية، ولكن البلد مفلسٌ رسميّاً، ينفق أربعة أخماس وارداته الضريبية على خدمة الدَّين، ويوجد مجلس دائنين أجانب يقرّرون عمل ميزانيتك وكيف تصرف أموالك (وليس لدى العثمانيين خيار رفض الدفع، فالقوى الأوروبية ستقوم ببساطة باحتلال بلادهم وإدارتها بأنفسهم). يروي مكميكن مثلاً أنّ الباب العالي دخل في مفاوضات مرهقة وطويلة مع الأوروبيين حتى «يسمحوا» له برفع الجمارك على البضائع المستوردة من 8 إلى 11 بالمئة! في سياقٍ كهذا، كيف يمكن أن «تحدّث» وتقوم بسياسات حمائيّة وتنشئ مشاريع وصناعات؟ بل إن روسيا كانت تحذّر الباب العالي من مجرّد تمرير خطوط قطارٍ قرب حدودها أو في شرق الأناضول، فيما باقي الدول الأوروبية تتوافق على إبقاء السلطنة متخلّفة وعدم ربطها بسكك الحديد. لهذا السبب كان العرض الألماني ببناء وتمويل «خط برلين ـــــ بغداد» بمثابة إنقاذٍ لرؤية عبد الحميد وفرصةً لن تتكرّر (بحسب مكميكن، أنفقت المانيا، خلال سنوات الحرب وحدها، ما يوازي 120 مليار دولار بقيمة اليوم على بناء الخطّ الذي لم يكتمل).
لديّ أطروحة أوّليّة هنا، تحتاج إلى بحثٍ وتدقيق، وهي أنّ السّقوط ابتدأ مع تدمير الإنكشارية عام 1827، في قلب حرب اليونان، وكلّ ما بعده إطالةٌ للاحتضار لا سبب لها. أن تواجه تحدياً عسكرياً خارجياً وهزيمة، فيكون ردّ فعلك أن تبيد نخبتك العسكرية، التي تختزن خمسة قرون من الخبرة، وتجلب ضباطاً أجانب. ما هذا الجنون؟ كذلك إنّ إزاحة الإنكشارية (وأسبابه سياسية بالكامل) قد أزالت أيضاً كتلةً في البلاط تعارض سياسات «الأوربة» وكسب الوقت عبر التنازل للقوى الكبرى. منذ 1827 والهزائم متلاحقة على رؤوس العثمانيين، حتى أصبحت حرب اليونان تفصيلاً. خسرت السلطنة أكثر أقاليمها الأوروبية، وشمال أفريقيا ومصر، والقوقاز وكارس وتبليسي. لم يعد في وسع جيش «النظام الجديد»، حتى، أن يواجه قوّات ولاته المحليين (كما جرى مع محمّد علي). وفكرة «جيش المواطنين» و«النظام الجديد» تحتاج إلى «بنية تحتية» تاريخية حتى تولد (سياسات جماعية، تعليم، سوق وطني، قطارات، إلخ) لم تكن متوافرة في السّلطنة، بل إنّها حتى لم تكن تملك عدداً كافياً من الرعايا المسلمين لخلق جيشٍ جرّار، حتى ولو تجنّدوا (كانت بريطانيا، وحتى روسيا، تحكم مسلمين أكثر بكثيرٍ من الباب العالي و«الخليفة»؛ ودول البلقان الثلاث كانت تقدر وحدها على اجتياح إسطنبول عام 1912 لولا تدخّل لندن). كما يقول الراحل سمير أمين، فإنّ جماعة «تركيا الفتاة» لم يكونوا على تناقضٍ مع نهج السّلطان، بل كانوا يريدون تجذير طريق «الأوربة» ذاته، مع فارق أنّهم (وبعدهم أتاتورك) كانوا مستعدين ـــــ خاصة مع تقدم سنوات الحرب ــــــ للتخلي عن طموحاتهم الإمبراطورية (أي الولايات العربية) والاكتفاء بوطن تركي في الأناضول، وقابل للتمدد صوب القوقاز وباكو حيث الأقوام «الطورانية».

مستشرقون وعملاء
مع تقدّم البناء في خطّ بغداد، ومع دخول السلطنة الحرب، انتشر العملاء الألمان في إقليمنا يقدّمون الاستشارة للعثمانيين، ويدعمون نداء الجهاد الذي أصدره «الخليفة». هنا شارك عددٌ كبيرٌ من المستشرقين المشهورين في مسرح الأحداث، وأكثر كتاب مكميكن يروي قصصهم. من «شيخ» العملاء الألمان، المستشرق الشهير ماكس فون أوبنهايم، الذي تماهى مع قضايا المسلمين لدرجة اعتماد خطابٍ جذريّ «معادٍ للإمبريالية»، يربط بين نضال المسلمين ضد بريطانيا وجهود ألمانيا للانعتاق من سطوتها. وكان أوبنهايم، كالسياح الغربيين اليوم، يخلط بين العمل والبحث والاستشراق والسياحة الجنسيّة (فأقام في قصرٍ في القاهرة القديمة، وكان يرسل خادمه كلّ عامٍ لـ «شراء» جارية له يسكنها في الحرملك ـــــــ تذكّروا أن هذه الأمور لا تحصل في الماضي السحيق، بل عام 1905).
يروي الكاتب أيضاً قصّة نيدرماير، الذي قاد رحلةً مستحيلة، دامت أشهراً طويلة عبر صحارى إيران وجبال أفغانستان، ليصل إلى كابول ويعرض حلفاً على أميرها حبيب الله. هناك أيضاً المستشرق النمساوي الويس موسيل، الذي كان دوره تجنيد القبائل البدوية للقتال مع جمال باشا في حملة السويس الأولى عام 1915. ولموسيل قصّة طريفة، فهو لم يكن يعمل في الخارجية الألمانية، بل هو نمساوي أستاذ جامعة، سافر طويلاً في صحارى المشرق؛ ولكنّه تلقّى في فيينا رسالة من أصدقائه شيوخ عشائر صخر (طلال الفايز) والروالة والحويطات، الذين يسكنون في عمق الصحراء ويعملون في تربية الجمال، ويحاربون ابن رشيد وبعضهم البعض. قال الشيوخ، يكتب مكيمكن، إن بريطانيا تطلب منهم الولاء وتوزّع المال، ويبدو أنها في حربٍ مع بلد موسيل، فماذا يفعلون؟ هنا ذهب موسيل إلى الألمان الذين أرسلوه إلى الصحراء لتجنيد معارفه لمصلحة «الجهاد». المثير هنا أنّ موسيل كان قد فهم باكراً أنّ البدو لن يشكّلوا القوة الضاربة على الجمال التي يحلم بها الضباط الألمان وبعض العثمانيين، وأن الشريف وابن سعود هم أصلاً في جيب البريطانيين. والبدو لن يرسلوا أولادهم للقتال والموت، لا من أجل إسطنبول، ولا من أجل برلين، وهم يخوضون حرباً ضروساً في ما بينهم، وآخر همهم في الوقت الحالي رفع راية السلطان. ماذا فعل موسيل؟ قرّر أن يحوّل هدف رحلته، من بعثة عسكرية سياسية إلى رحلة بحثٍ أكاديمي على حساب الخارجية الألمانية، من دون أن يخبر مشغليه الألمان. فأخذ يرسل إلى برلين رسائل بوعود مبهمة، فيما هو ينفق الذهب والسلاح الألماني كهدايا لأصدقائه البدو، لكي يستقبلوه وينادوه «الشيخ موسي»، ويرووا له تاريخ العشيرة وأنسابها.
هكذا، كانت المشاركة العشائرية في حملة السويس كوميدية. يقتبس المؤلف قصة شيخٍ أقسم للعثمانيين، مقابل مبلغٍ كبيرٍ من المال وكمياتٍ من السلاح، أنه إمّا سيفنى هو ورجاله عن آخرهم، أو سيرفعون الراية الحمراء فوق قلعة القاهرة؛ ثمّ تسلّم الأموال واختفى في عمق الصحراء. أمّا من ظلّ من الهجانة مع الحملة حتى قناة السويس، فيقول العميل الألماني كورت بروفر، الذي رافق القوات هناك، إنّ «دورهم الوحيد في المعركة» كان التكبير بشكلٍ صاخبٍ وصادحٍ في بدايتها، حتى حددوا للبريطانيين بدقة موقع جيش جمال باشا. والقوّة الرمزية التي أرسلها الشريف حسين من مكّة، وهي تحمل معها الراية الخضراء المقدّسة التي أثارت حماسة الجنود والناس في القدس وبئر السبع، فهي انسلّت من المعسكر ليلة المعركة وأخذت الراية معها.

خاتمة
يمكن اعتبار كتاب مكميكن جولةً في المصادر الألمانية عن العلاقة بين برلين والباب العالي، ولكنّه لا يصلح البتة كمرجعٍ عن الحرب. مصادر مكميكن كلّها تقريباً ألمانية، وهو يستدخل انحيازاتها ومشاكلها (التي نوقِشَت في أعمالٍ أخرى كثيرة، منها كتاب مايكل رينولدز وغيره). بل إنّ مكميكن لا يجهد نفسه للتحقّق من المعلومات في الوثائق الألمانية، فيذكر الأسماء العربية بصيغتها الجرمانية من دون أن يحقّقها (مثلاً «الشيخ علي إيراكيان») أو ينقل أخطاءها كما هي. كمثالٍ واحد، يكرّس مكميكن فصلاً كاملاً لسرد رحلة وفدٍ ألماني إلى كربلاء، لطلب تأييد «أعلى مرجعٍ شيعي في العالم» لقضية الجهاد. ويستنسخ مكميكن بالتفصيل رواية الألمان، وشكل بيت الشيخ، وعمامته البيضاء، والرز واللحم الذي قدّمه لضيوفه. ثمّ يجزم المؤلف بأن الألمان قد حققوا نصراً دبلوماسياً كبيراً، بالحصول على فتوى «من أعلى مرجع شيعي» (يسميه مكميكان، كالألمان الذين نقل عنهم، «المفتي الأكبر»)، ومقابل ثمنٍ بسيطٍ نسبياً، هو خمسون ألف مارك في السنة. يختم مكميكن الفصل وينهيه من دون أن ينتبه إلى أن المرجع يومها كان على الأرجح محمد كاظم يزدي، وهو كان في النجف وليس في كربلاء، وأن الألمان على ما يبدو قد خُدعوا من قبل شيخ ما.
هذا كلّه من دون أن ندخل في السياسة، حيث لا يخفي المؤلف انحيازاته، ويوزّع ملاحظاته العنصرية عن العرب والبدو وغيرهم بحريّة واستعلاء عبر صفحات الكتاب. وهو يعتمد أخبث نظرية صهيونية عن «اللاسامية بين العرب»، إذ يعتبرها أسوأ ما حصل للعرب في تاريخهم الحديث، وأن لا علاقة لها بالصهيونية وفلسطين، بل هي إيديولوجيا كراهية بحت ورثها العرب عن النازيين، عبر أمين الحسيني، وقد تلبّستهم بشكلٍ غير عقلاني (يعتمد الكاتب مصادر صهيونية دعائية، تبالغ في دور الحسيني مع النازيين، ويقدمها على أنها وقائع؛ فيزعم مثلاً أن «الغالبية العظمى» من يهود العراق قد هجّرت منه في بداية العشرينيات، وأن كلّ من بقي رحل عام 1941!). أكثر من ذلك، إن الكاتب، اذ يعبّر عن حساسية شديدة تجاه مصير اليهود في فلسطين، يتجاهل بالكامل تقريباً «الإبادة» التي مارسها البريطانيون عبر الحصار البحري، الذي كان قصديّاً وآثاره مبتغاة، وقد جوّع أهل جبل لبنان وقتل وهجّر أكثر من ثلث سكّانه (يمرّر الكاتب المسألة في ملاحظةٍ بين قوسين، وبشكلٍ غير جازم).
على أيّ حال، إنّ تجربة خطّ بغداد، الذي ما زالت أجزاء منه موجودة وتعمل في سوريا وتركيا، درسٌ مفيدٌ عن معنى التهميش في النظام العالمي، وكيف تتبع الجغرافيا السياسة. كان عبد الحميد يحلم بخطّ قطارٍ يصل يوماً ما إلى فارس وأفغانستان والهند. وحاول تعويض تقلّص إمبراطوريته عبر دعوةٍ إلى «الجهاد» لمسلمي العالم. المفارقة كانت أن المسلمين لم يثوروا «خلف خطوط العدو» في الهند ومصر وروسيا، بل كانت القوى الحليفة هي التي أشعلت الجبهة الداخلية العثمانية، سواء عبر الأرمن في الأناضول أو «ثورة» الشريف في الحجاز، واستنهضت أقوامها ضد الدولة وسرّعت سقوطها.