يعكس تعثّر تشكيل الحكومة، بعد أكثر من مرور شهرين على التكليف، صراعاً ضارياً، وبشكل بالغ الفجاجة غالباً، على السلطة والمواقع والحقائب والنفوذ... يشكّل هذا الصراع امتداداً، «طبيعياً»، لصراعٍ كان قد اندلع خلال الحرب الأهلية، وخصوصاً بعد انسحاب القوات السورية (مرغمة) من لبنان في أواخر نيسان عام 2005. يومها حصل فراغ كبير نتيجة هذا الانسحاب. كانت القيادة السورية هي من تولى، وبشكل متصاعد، إدارة الشأن اللبناني. أحكم ممثلوها، تباعاً، قبضتهم السياسية والأمنية، خصوصاً، على مواقع القرار والمؤسسات اللبنانية. كان الأمر على هذا النحو، استناداً إلى صفقة انطلقت من إقرار «اتفاق الطائف» عام 1989 وتعززت بالتحالف الدولي والإقليمي ضد غزو العراق للكويت، ثم توطَّدت بعلاقات شراكة وتعاون سعودية. سورية حظيت، عموماً، بدعم أميركي استمر قائماً حتى غزو واشنطن وحلفائها للعراق في نيسان من عام 2003. يمكن اعتبار أن الغزو الأميركي قد أطلق مرحلة نوعية من الصراع على السياسيات في المنطقة ومنها السياسات اللبنانية، وخصوصاً منها سياسات لبنان الخارجية. تقدم يومها، العامل الخارجي وبات هو الأهم بسبب الغزو الأميركي للعراق وقبله لأفغانستان واللذين اندرجا في السعي لبسط وتوطيد النفوذ الأميركي، بالقوة والغزو، عبر «مشروع الشرق الأوسط الجديد»، على كامل الإقليم الممتد من موريتانيا إلى الباكستان.

الخروج السوري من لبنان وفيه وازنَتهُ، بعد أكثر من سنة، هزيمة عدوان إسرائيل على لبنان في تموز وآب من عام 2006. قبل ذلك لم يملأ أحد فراغ الخروج السوري. استبدال «عوكر» (مقر السفارة الأميركية في لبنان) بـ«عنجر» مقر المخابرات السورية، لم يتوطَّد على نحو يتحول إلى قاعدة للحكم والسلطة، بديلاً، من القاعدة السورية. اندلع صراع شابه الكثير من المساومات والتسويات خصوصاً، بعد دخول «التسونامي» العوني إلى المعادلة الداخلية (إثر عودة العماد عون من منفاه الباريسي بعد اغتيال الحريري) محمَّلاً بمشروع طموح لاستعادة الدور (وحتى السلطة) بالتحالف مع سوريا هذه المرة على خلاف ما كان الوضع عليه قبل 15 سنة حين قصفت الطائرات السورية القصر الجمهوري لقمع «تمرد» الرئيس عون. كان الجنرال عون قائداَ للجيش جرى تعيينه، دون توافق، رئيساً لحكومة إنتقالية كان من صلاحياتها ممارسة مهام رئيس الجمهورية بعد مغادرة الرئيس أمين الجميل للمنصب دون انتخاب خلف له.
حاولت القوى التي تأقلمت مع الإدارة السورية وشكلت قاعدة حكمها أن تستأثر بالسلطة بعد الانسحاب السوري. هذا ما كرسته انتخابات عام 2005 بعد الانسحاب السوري واستمرار «الحلف الرباعي» على ما كان عليه قبل الانسحاب. لم يتوفر للبنانيين في مجرى سنتي ما بعد الانسحاب السوري صيغة ذاتية ومنطقية، لممارسة السلطة والحكم وفق ما كان يرطن به أصحاب شعارات السيادة والحرية والإستقلال. كانت القوى السياسية تراوح في الانتقال من وصاية إلى وصاية. تفجُر الوضع الإقليمي وانتهاء التسويات والصفقات التي استمرت لحوالي عقد من الزمن، منع استقرار السلطة في البلد. عبَّر عن ذلك الشغور الرئاسي الذي لم يُحل إلا في «الدوحة» عام 2008، بعد صراعات كان بينها السياسي والأمني، وعبر تسوية كرَّست المزيد من الارتداد على إصلاحات «الطائف» خصوصاً في مجال التحرر من القيد الطائفي كما نصّت المواد 22 و24 و95 من الدستور المعدَّل بموجب «إتفاق الطائف». تراجع قدرة الوضع الإقليمي على إنتاج تسويات وعدم بلورة دينامية حكم تجنح نحو تعزيز الحصة الداخلية في سلطة القرار بشأن الوضع اللبناني، أطلقا موجة جديدة من الصراع على السلطة تميَّزت بتقدم موقع العماد ميشال عون وتياره في لعبة السلطة وتوازنات الحكم ما بين الداخل والخارج. بلور عون إستراتيجية متكاملة بالسياسة والتحالفات والصفقات لبلوغ موقع الرئاسة، بدأها عام 2006 بتفاهم «مار مخايل»، وانهاها قبل عامين، بالصفقة «الرئاسية» مع الرئيس سعد الحريري وقبله مع «القوات اللبنانية». بعد «الرئيس القوي» كان «التيار القوي»، ومن ثم السعي لتشكيل «حكومة العهد»، «القوية»، هي الأخرى، وفق المخطط العوني. كانت الأمور تسير على هذا المنوال حتى احتجاز الرئيس الحريري في السعودية في 4 تشرين الثاني الماضي. نجحت قيادة الملك سلمان وإبنه وولي عهده محمد في إفساد خطة عون من خلال «استرجاع» الحريري ومحاولة استخدام موقعه وتياره في الصراع المتصاعد بين محورها ومحور «الممانعة» الذي بنى معه العماد عون علاقة تحالف كان يُقدِّم فيها فوائدها الداخلية على كل اعتبار آخر. في مجرى هذا «الانقلاب السعودي» على «التسوية الرئاسية» اندلعت حرب الأحجام والمعايير والحقائب في تنازع يبدو فيه العامل الداخلي هو الأبرز. وأبرز ما في هذا العامل، هو سعي التيار العون إلى نقل شراكته في الحكم من موقع المساواة إلى موقع الأرجحية، وكما لا يخفى، فإن هذه الشراكة تُعلن باسم المسيحيين، لكنها تمارس من قبل «التيار الوطني الحر» بشكل يتصف بالاحتكار وحتى بـ «الفجعنة». عقدة التشكيل الأساسية، في الواقع، نجمت عن تغيُر موقف الحريري الذي كان ارتضى ثنائية حكم راجحة لمصلحة التيار العوني ولهيمنته. في هذا السياق تثار حرب الصلاحيات بين الرئاستين الأولى والثالثة بشأن التشكيل. الرئيس عون صعَّد، في تسريبات متلاحقة، مواقفه المستاءة من الحريري. صعَّد، رسمياً، في كلمته بمناسبة عيد الجيش، بحضور الحريري الذي كاد عون أن يتجاهل حضوره الشخصي ووجوده في الاحتفال. عقد التشكيل الأُخرى على صلة أساسية، كلية أو جزئية، بعقدة تبدُل موقف الحريري.
يتداخل في الصراع الضاري على الحكومة عدد من العوامل: دخول العامل الخارجي، السعي لتكبير الأحجام والحصص في عدد الوزراء وحقائبهم، الخوف من «الجشع العوني» الذي يمتد إلى كامل السلطة والمواقع مطيحاً تفاهمات ووعوداً، خصوصاً مع «القوات اللبنانية»...كذلك نشهد، في مجرى ذلك مساعي ومناورات لإضعاف الخصوم: مرة بالهجوم، ومرة بمحاولات الإغراء والاحتواء، شق صفوف الخصوم من خلال بناء تحالفات انتخابية وسلطوية مقرونة بوعود التوزير، تكريس أعراف مخلة بإصلاحات الدستور حول «المناصفة» الدائمة وحول حصص هذا أو ذاك من الرؤساء وخصوصاً رئيس الجمهورية...
وسط كل ذلك يتعزز الطابع الطائفي في التعبئة وفي الخلفيات، وتشهد المنافسة، توتراً مفتوحاً على حالات أمنية كما حصل بين التيار العوني وحركة «أمل» قبل الانتخابات، وكما يحصل بين رئيس الحزب «التقدمي» وليد جنبلاط و«الديمقراطي اللبناني» طلال إرسلان أثناءها وبعدها. تداخل السياسي مع الطائفي والمصالح العامة مع المصالحة الشخصية وسط تنامي انتهاك الدستور وتعاظم النهب والفساد، وتداخل كل ذلك مع الصراع الإقليمي، يعرِّض لبنان واللبنانيين لمخاطر جديدة أو تكرار مخاطر قديمة، كانت بالغة التكلفة على كل صعيد. تحرير لبنان من الجموح والفئوية والاستئثار، وبناء قاعدة للسلطة متحررة من العصبيات الداخلية والولاءات الخارجية هو الشرط الضروري لبناء دولة قانون ومؤسسات سيدة ومستقرة.
* كاتب وسياسي لبناني