حضرة الرفاق، الأمين العام وأعضاء الجنة المركزية المحترمين، بعد التحية

تقييم الانتخابات، مقدمة
أُجريت الانتخابات بعد تمديد غير مبرَّر سببه الرئيسي تفادي خسائر متوقعة من قبل بعض الكتل، وكذلك بسبب إصرار القوى السياسية الحاكمة، وسط صراع ضار في ما بينها، على صياغة قانون يؤمن شروط تجديد سلطتها، دون استبعاد أي وسائل بما فيها الصيغ الطائفية المباشرة (المشروع الأُرثوذوكسي). وحين أمكن في 17 حزيران 2017 إقرار قانون بتأثير أزمات متنوعة وبعد سقوط رهان البعض على إحداث تحول جذري في سوريا لغير مصلحة النظام، وبسبب ضغوط شعبية، وبفعل مساومات ونصب أفخاخ متبادلة، جاء القانون هجيناً إذ أخذ بمبدأ النسبية بعد أن أفرغها من شحنتها الإيجابية: عبر تصغير الدوائر والإبقاء على القيد الطائفي وتكريسه في الصوت التفضيلي المحصور في القضاء. شكّل إجراء الانتخابات، أيضاً، تأكيداً لرغبة خارجية في الحفاظ على استمرار عمل المؤسسات والاستقرار في لبنان، منعاً من أن يؤدي تفجير الوضع فيه إلى مضاعفة مشاكل النزوح إلى البلدان الأوروبية خصوصاً.

تصاعد التوتر في المنطقة
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي كان يستمر تصاعد التوتر في المنطقة بشكل سريع. بدت المرحلة مشرّعة، أكثر فأكثر، على احتمالات خطرة. الإدارة الأميركية، تتجه، برئيسها وبصقورها القدماء والجدد، نحو مزيد من تأزيم الوضع بإلغاء الاتفاق النووي الإيراني والعودة إلى منطق الاستفزاز والعقوبات والحصار. وهي أيضاً تُطلق يد قادة إسرائيل في العدوان، عبر التشجيع المباشر، وعبر قرارها بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاغتصاب في سياق مشروع حمل اسم «صفقة القرن» لتصفية مجمل حقوق وقضية شعب فلسطين. وتتجدد الآن مساعي الإدارة الأميركية لتعزيز حضورها المباشر في سوريا، بعد انكفاء وارتباك، لاستنزاف روسيا وإرهاقها، وعزل إيران وتحويلها عدواً وحيداً لحكام المنطقة، وبناء تحالف بين معظم دول الخليج خصوصاً والعدو الصهيوني لتمكينه من ممارسة دور مباشر في تقرير شؤون المنطقة ومساراتها بالشراكة عن إدارة أميركية تتباهى، حالياً، بتبني كامل المخطط الصهيوني العدواني التوسعي بأبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية. وينشط هذا التوجه، بعد استنفاد دور الأداة الإرهابية التكفيرية وتحت عنوان استمرار «محاربة الإرهاب» ومواجهة التوسع الإيراني وباستخدام المذهبية ومزاعم الدفاع عن العروبة وبأدوات التفتيت والحروب والدمار وبالتدخل الخارجي المتصاعد.

الصوت الفئوي والطائفي هو الأعلى
الاستقرار النسبي الذي عاشه لبنان أغرى قوى السلطة بالانخراط في صراعٍ ضار من أجل تحسين المواقع والتوازنات لمصلحة هذا أو ذاك من أطرافها. الطائفية كانت عاملاً كبيراً في برامج وتعبئة أكثرية القوى. الرغبة المحمومة، في الحفاظ على المواقع أو تحسينها، جعلت كل القوى تقريباً تتعامل مع النظام النسبي بوصفه نظاماً أكثرياً. أكثر ما برز ذلك في التحالفات الهجينة التي اختلطت فيها الأوراق على نحو مدهش مكرٍسة انفراط تحالفي 8 و14 آذار، خصوصاً إثر صفقة الانتخابات الرئاسية أواخر عام 2016. اصطياد «الحاصل» الانتخابي، بأي ثمن ووسيلة، بات هو الهدف الأسمى بالنسبة لكل أطراف السلطة. المال دخل بقوة إلى جانب العصبيات في التأثير على خيارات المواطن وتحفيز مشاركته أو وجهة تصويته. دخول أصحاب ثروات هائلة كان عاملاً مميزاً. ممثلو «الطغمة المالية» نزلوا مباشرة، وعبر كل الأبواب، إلى حلبة السباق وحقق بعضهم نتائج بارزة. لكن، رغم كل الجهود المبذولة، لم تتمكن أطراف السلطة من رفع نسبة المشاركة الانتخابية التي كانت قليلة خصوصاً في كل العاصمة التي عبّر الكثيرون من أبنائها، بمقاطعة التصويت، عن موقفهم السلبي من السلطة وسياساتها وعجزها ونهبها للبلاد وتحاصصها موارد الدولة واستهتارها بالقانون وبحقوق المواطن... وكذلك من البدائل المشتتة.

لم تتعامل القيادة بحزم مع المعرقلين وفضّلت المساومة والتراجع


بطريقة أو بأُخرى، بدا «التيار الوطني الحر» اللاعب الأبرز في المعركة الانتخابية. عوّل عليها في تغيير التوازنات لمصلحة «العهد»، ولكي يكون البرلمان والحكومة القادمان امتداداً للرئاسة «القوية» و«التيار القوي»، وكذلك لاسترجاع «الحقوق المسيحية» في حنين مكشوف للعودة إلى استعادة بعض معادلات سلطة ما قبل الحرب الأهلية وتكريس ذلك في نصوص دستورية. أدى ذلك إلى رفع منسوب التطييف والتمذهب في الصراع السياسي، وشمل، ولا يزال، ملفات عديدة... بتعارض صارخ مع القانون والدستور والإصلاح.

معركتا الحزب: عرقلة وأخطاء
في مثل هذه المناخات المتوترة انتخابياً دخلت قوى المعارضة بكل تنويعاتها معركة الانتخابات. لم تتمكن هذه القوى، وخصوصاً منها الجذرية، من بناء تيّار سياسي - انتخابي يترجم النضالات التي خيضت في السنوات الأخيرة، وفق برنامج وإطار وخطة. التشرذم والتخبط كانا السمة الجامعة لقواها القديمة والجديدة. الحكومة التي رفعت شعار «استعادة الثقة» وأخفقت في كل المجالات والملفات التي كانت سبباً لنزول عشرات آلاف المواطنين إلى الشوارع، بدت غير مجبرة على الخضوع للمحاسبة ولدفع ثمن عجزها وفسادها. دخل الحزب المعركة كقوة معارضة من ضمن هذه المعادلة الصعبة. كان شبه مجرد من كل الأسلحة الضرورية لخوض معركة ناجحة. الواقع أن معركته كانت معركتين: فإلى المعركة العامة التي تناولنا شروطها، كان ثمة معركة خاصة في الحزب نفسه. وهذه كانت امتداداً للصراع الداخلي الذي أضرمت ناره القيادة السابقة من خلال محاولتها الاستئثار بالسلطة الحزبية عبر تعطيل النظام الداخلي ومبدأ دورية المؤتمرات، ومضاعفة الإجراءات التعسفية والكيدية التي تخدم هذا الهدف الشاذ، على حساب سلامة العلاقات وأصول العمل والكفاءة والكفاحية والتضحية والإنتاجية. نجمت عن ذلك خسائر فادحة على وحدة الحزب وفاعليته. وفي هذا السياق حاول ممثلو القيادة السابقة، حيثما توفر لهم ذلك، رفع شعار مقاطعة الانتخابات سعياً وراء إظهار القيادة عاجزة فيما لو تبنّت خيار المقاطعة، أو مربكة ومرهقة بالانقسام الداخلي والعرقلة والنتائج الضعيفة في حال قررت المشاركة. وبالفعل عارض دعاة المقاطعة، المستمرون في تكتلهم، قرار الهيئات الشرعية وحرضوا ضده وأصدروا مواقف علنية وأهدروا الكثير من وقت الهيئات في المركز والمناطق، بشكل متعمّد.
انعكس ذلك سلباً على عمل القيادة الجديدة التي لم تتعامل بحزم مع المعرقلين وفضلت المساومة والتراجع أمامهم فما حصدت سوى الخسائر وتبديد الوقت. حالت أيضاً، حداثة تجربة عدد من أعضائها دون بناء خطة متكاملة مرتبطة بأولويات سياسية واقعية في البلد وبناء تحالفات على أساسها، وكذلك دون الالتفات إلى الصراع الأساسي في المنطقة، واحتمالاته، ومهمات الحزب بشأنها، لصوغ شعارات وسياسات وعلاقات وتحالفات مناسبة نظراً لتداخل الوضعين المحلي والإقليمي بشكل بالغ التأثير والوضوح. وحتى حين جرى إعلان شعارات سياسية لخوض الانتخابات، بدت الممارسة في أكثر من مجال، متناقضة مع ما هو معلن من شعارات. منعها ذلك، وبعض أسباب ذات طابع استبعادي واستئثاري ضيَّق، من تعبئة إمكانيات الحزب والرفاق جميعاً للمشاركة والانخراط في معركة تحتاج إلى جهد الجميع. باختصار، دخل الحزب المعركة متأخراً كثيراً، من دون خطة، ومن دون برنامج تعبوي مرتبط بالعركة الانتخابية نفسها. وما أُعلن كبرنامج كان عبارة عن تعداد لمطالب يتساوى فيه الجزئي مع الكلي والرئيسي مع الثانوي... ورغم أن «صوت واحد للتغيير» هو شعار صحيح فيما لو توفرت له الشروط الضرورية من حيث بذل جهد مركّز لبناء نواة برنامج وإطار وحدّ أدنى من التوحد لخوض المعركة في لوائح جامعة ما أمكن تُشكل أساساً صالحاً لبناء التيار الوطني اليساري والديموقراطي المستقل، إلا أنه تحول إلى «صوت وحيد للتغيير» في التطبيق وفي المحصلة الانتخابية الهزيلة. ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى انسحاب ممثلي الحزب، بشكل متوتر وغير مبرر، من «هيئة التنسيق» مع بعض القوى والشخصيات الوطنية، دون طرح بديل يمكن اشتقاقه من تجارب الحزب العديدة ومن مستجدات وأولويات المرحلة الراهنة محلياً وإقليمياً. بدلاً من ذلك جرى التحول نحو صيغة رفع عتب متناقضة وفضفاضة عقدت، قبل يوم من بدء الترشيحات، اجتماعاً يتيماً في «مسرح المدينة» من دون جدوى ومن دون متابعة واستمرارية. وساهم أيضاً في تضييع البوصلة إصرارُ عدد من أعضاء القيادة على نهج حاولوا تعميمه بإعطاء أولوية للتعاون مع بعض ممثلي «المجتمع المدني» الذين كان موقفهم سلبياً من الأحزاب ومن مشاريع التغيير الشاملة والجذرية. وبعض هؤلاء تُثار أسئلة عديدة حول علاقاتهم وتمويلهم الخارجيين.

قوى السلطة تعاملت مع النظام النسبي بوصفه نظاماً أكثرياً


المعركة الانتخابية التي افتقرت إلى البرنامج والتحالفات المناسبة، افتقرت، أيضاً، إلى آليات التعبئة الضرورية لجهة مشاركة المنظمات القاعدية في نقاش مجمل الخطة الانتخابية وفي اختيار دوائر الترشح التي استُبعد بعضها من دون مبرر كعكار أو البقاع الغربي... اكتُفي باجتماعات الهيئات الوسطى وبلجان انتخابية محصورة وسط تضارب في الصلاحيات أدى إلى كثير من التوترات والتأخير وقلة الفاعلية. أما اختيار المرشحين فلم يستند إلى قواعد عامة. وهو خضع لرغبات فردية أحياناً، ولموجبات الخلاف الداخلي، أحياناً ثانية (استرضاءً للكتلة التي كانت معارضة أصلاً للمشاركة في الانتخابات وذلك بذريعة تشتيت تلك الكتلة بمعزل عن مدى ملاءمة الاختيار سياسياً وانتخابياً وتعبوياً). وخدم اختيار نوع ثالث من الترشيحات محاولة لتعزيز مراكز قوى جديدة (من دون النظر في كون طابع المعركة سياسياً ويتطلب ترشيحات مستندة إلى هذا التوجه). وفي أحيان رابعة خضع الاختيار لاستنساب مخل سياسياً وانتخابياً كما حصل بالنسبة لتنظيم يساري وبقايا تجمّع استُحضرا ليكونا حليفين شبه وحيدين رغم أن الأول أوقف نشاطه منذ أكثر من عقدين من الزمن، والثاني مفكك ومحتضر وغير مقبول سياسياً وتنظيمياً. ولا يخفى أن حالة الضعف وانعدام الفعالية والتفكك والتكتل في عدد لا يستهان به من المنظمات الحزبية القاعدية والوسطية ظلّت من دون معالجة لتتفاقم أكثر بعد ذلك. وقد أدى كل ذلك إلى مشاركة جزئية ولوائح ضعيفة تأجّل إعلان بعضها حتى الأيام الأخيرة التي سبقت السادس من أيار، ما أدى الى المحصلة المخيبة والنتائج التي لم تبلغ 50% من التقديرات التي اعتمدها المركز والمنظمات أساساً لإقرار المشاركة والترشيح.
طبعاً، في المقابل، كانت قوى السلطة تتمتع بكل الشروط الضرورية لخوض معركة تضمن السيطرة على نتائجها: من طبيعة القانون، إلى تسخير السلطة، إلى التحالفات الهجينة، إلى المال السياسي، إلى العصبيات، إلى الإعلام، إلى الدعم الخارجي (وصولاً إلى التزوير الفاضح). هذا فيما انكشف الحزب سياسياً وتنظيمياً وشعبياً، وانكشفت معه مختلف أطياف المعارضة الوطنية. فلقد ظهر الحزب شللاً، وربما أحزاباً، في بنيته وفي بيئته على السواء. وظهر عقله السياسي مشوشاً وعقله التنظيمي تجريبياً ومضطرباً. كما غلبت القيم الليبرالية، أحياناً، على قيمه الوطنية والاجتماعية في الممارسة.
هذا الواقع المرير من الانكشاف يتطلب وقفة مسؤولة وجريئة للتقييم والمراجعة والمحاسبة. ويبدو ذلك ضرورياً من أجل مستقبل العمل الوطني في لبنان، ومستقبل الحزب في القلب منه. لكن ذلك يجب ألا يحصل في سياق الصراع التناحري الذي تغذيه القيادة السابقة وبعض الجديدة، ولا في سياق المكابرة حيال استمرار انقطاع العلاقة مع آلاف الشيوعيين غير المنظمين، بل يجب أن يجري في سياق مختلف تماماً، إنقاذي صادق، يُطرح أمام الشيوعيين لوقف الانهيار ووضع الحزب على سكة تطور سليم وصحي.
لهذه الأسباب نتبنى لسان حال آلاف الشيوعيين في الدعوة إلى الوحدة خلف برنامج كفاحي، وطني تحرري وتقدمي، يشكّل استئنافاً لتراثه النضالي وتضحياته... بعد انقطاع. ونعتقد أن ظروف ذلك متوفرة والفرصة سانحة من أجل تظهير هذا الخيار، بديلاً من التناحر والإقصاء. فنتائج الانتخابات صفعة مدوية للجميع، يفترض أن توقظهم وأن تدفعهم إلى التواضع وتحمل المسؤولية وتجاوز العقليات الكيدية، الثأرية والإقصائية. إنها فرصة للانتقال إلى مسار إنقاذي يمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة.

خلاصات واقتراحات
إن معالجة أزمة الحزب تقتضي نقاشاً سريعاً ومسؤولاً في أطر مناسبة ووفق صيغ مشاركة تؤمن مساهمة كل الحريصين والمهتمين بعيداً عن لعبتي العرقلة والإقصاء. ويمكن البدء بعقد ورشة عمل – لا تنحصر بالشيوعيين - مخصصة لتقييم الانتخابات وأسباب التراجع فيها: الذاتية والموضوعية. وكذلك تقييم أداء أطراف المعارضة اليسارية و«المدنية» ويمكن إثر ذلك الدعوة إلى عقد «مجلس عام»، بأوسع مشاركة حزبية ممكنة وذلك للتوصل إلى خلاصات سياسية وتنظيمية تحضيراً للمؤتمر الـ12 انطلاقاً من مراجعة تشكل منعطفاً جذرياً في مسيرة الحزب على غرار ما كان عليه المؤتمر الثاني التاريخي قبل خمسين سنة!
أما آخر ما يحتاجه الحزب فمؤتمر سريع ذو طابع انتخابي سيكون، بالضرورة، أداة انقسام وصراع وتصفية حسابات وشرذمة وضياع...
الحزب يواجه طوراً جديداً من تفاقم أزمته. الأسباب موضوعية وذاتية. الصراع الدولي والإقليمي في المنطقة وعليها تعمّق وتوسّع، وهو مرشحٌ للمزيد، إلى درجة بالغة الخطورة ما أدى إلى تراجع دور القوى المحلية لحساب القوى الخارجية. كما أن تفادي التموضع الفعلي السليم في مواجهة الهجوم الأميركي الذي تتعرض له المنطقة، قد ساهم في تراجع نفوذ الحزب ودوره. كذلك فإن تصاعد تأثير العصبيات والفئويات، وهي سياسية وطائفية ومذهبية وعرقية وقبلية... قد أضعف التيارات الحديثة وفي مقدمتها الأحزاب اليسارية. لكن الأسباب الذاتية للتراجع كثيرة ومؤثرة إلى حد كبير. وهذا يحتاج إلى تقييم مسؤول ينبغي أن يُشارك فيه كل القادرين والحريصين أملاً في التوصل إلى استنتاجات صحيحة تشكل أساساً لمعالجة أزمة الحزب.
إننا نعتبر هذه المساهمة التي شارك في إعدادها رفاق في التنظيم وخارجه مدخلاً لمساهمات لاحقة ذات طابع سياسي وتنظيمي في خدمة الهدف المذكور آنفاً.
* أمين عام سابق
** نائب أمين عام سابق