عرفتُ العالِم الراحل في أواخر سبعينيات القرن الماضي وأوائل ثمانينياته، عندما كنت مقيماً في ألمانيا وأعدّ رسالتي لنيل شهادة الدكتوراه (فلسفة) من مؤلفاته عن اليهودية والصهيونية. اقتنيت تلك المؤلفات ذات الصلة بموضوع رسالتي العلمية، وأثارت انتباهي من منظور كونها مكتوبة بلغة علمية لم نتعوّدها في المؤلفات العربية عن اليهودية والصهيونية، أو لنقل في أغلبها. حاولت الاتصال بالراحل الكبير، لكن من دون جدوى.

بعد مرور سنوات، فوجئت برسالة تصلني إلى جهاز الفاكس في ألمانيا من العزيز د. جميل مطر، يدعوني فيها إلى كتابة عرض مؤلف سينشر، على ما أذكر، في مجلة «وجهات نظر»، التي كان يعدّ لصدورها في القاهرة. وقتها كتب لي العزيز د. جميل أن اقتراح الاتصال بي جاء من الدكتور عبد الوهاب المسيري. لم أكن آنذاك قادراً على التحرك خارج ألمانيا (الشرقية)، إذ إنني لم أكن أمتلك جواز سفر. ومرت الأيام ويسقط المعسكر الشيوعي وتندمج ألمانيا الشرقية بالغربية، فأحصل على جواز سفر مكّنني من التحرك بحرية. في تلك الفترة، حضر الراحل الكبير إلى برلين للمشاركة في مؤتمر ما، فاغتنمت الفرصة لألتقي به، وكانت بداية صداقة بيننا لم يعكرها أي أمر.
كان سروري بلقاء المسيري كبيراً، واستمرت العلاقة بيننا، شخصياً وعلمياً، وتم تكريسها عبر لقاءات مستمرة في القاهرة. فكان أول إنجاز أفعله في تلك المدينة الساحرة، بتواريخها وأهلها الطيبين، الاتصال بالراحل الكبير والاتفاق على اللقاء. في أول لقاء لنا، وكان لا يزال يتعافى من أزمة صحية جدية، أصرّ على مرافقتي بسيارته الصغيرة لتعريفي إلى بعض رجال العلم والصحافة والنشر في القاهرة، ومنهم الأستاذ فهمي هويدي والراحل محمد حسنين هيكل ودار الشروق ود. جميل مطر.
عندما وصلت إلى بيته في مصر الجديدة، فوجئت بأن المدخل أقرب إلى المتحف منه إلى بناء سكني، ما يعكس رقيّ صاحبه وذوقه الفكري والفني. وداخل المنزل، يرى المرء مختلف الأعمال الفنية التي جمعها الراحل الكبير، والتي تعكس ليس فقط ذوقاً رفيعاً، بل اهتماماً جدياً بعوالم الثقافة المحلية والعالمية.
الصديق الصدوق، الراحل، كان من المعجبين بقصيدة «الملاح القديم» صمويل تايلور كوليردج، فحصل على حقوق نشرها بالإنكليزية إلى جانب العربية من ترجمته، في مجلد أنيق، وأثراها برسوم رائعة للفنانة رباب نمر. كما أنه نشر على حسابه الخاص بعض تلك اللوحات الفنية على شكل بوسترات كبيرة الحجم، كان يقدمها إلى أصدقائه المقرّبين.
في كل مرة كنا نلتقي في القاهرة، كان يحرص على دعوتي إلى الغداء في منزله، لأكتشف أنه عمل على دعوة مجموعة من أهل العلم المصريين والعرب، ممن كانوا يقيمون في مصر أو مارّين بها، وكانت حلقات علم استمتعت دوماً بتأدية دور المستمع فيها.
ذلك المرض اللعين لم يترك الراحل الكبير، لكنه لم يتوقف عن العمل. أصدر موسوعته الكبيرة المثيرة للإعجاب. أنجزها وحده، طبعاً مع بعض المساعدات والمساعدين، لكن على نفقته الخاصة. أذكر أن الراحل الكبير الأستاذ نقولا زيادة علّق على الموسوعة الفذة بالقول: «واضح أن العرب غير قادرين على إنجاز عمل جماعي، وهذه الموسوعة عمل فريد لعالم فريد؛ العرب أبدعوا في الشعر والأدب لأنه نتاج فردي، ولم يتمكنوا من أي إنجاز يذكر في عالم المسرح لأنه جماعي».وطلب مني نقل إعجابه الكبير والعميق بالصديق الراحل وبأعماله العلمية.
تلك الموسوعة صدرت بنسخة رقمية تكفّلت كريمة خالد الذكر جمال عبد الناصر بإصدارها على نفقتها. وفي آخر رحلة لي إلى القاهرة عام 2008، اتصلت به، كالعادة، فدعاني إلى العشاء في منزله الذي كان غاصّاً بالضيوف وبأهل العلم. وقتها زرته برفقة الدكتورة ليزا وِن، صاحبة مؤلف «سياحة الليل سياحة النهار» الذي كنا نُعِدّ لنشر ترجمته إلى العربية، وطلبنا منه كتابة مقدمة للترجمة العربية، فوعد بإنجازها وفق ما تسمح به ظروفه الصحية. بكل أسف، فجعت بعد مدة قصيرة برحيل الصديق العزيز تاركاً فراغاً في عالم العلم لا يبدو في الأفق أن ثمّة من سيستطيع ملأه.
برحيل عبد الوهاب المسيري، وقبله الصديق العزيز ممدوح عدوان، أشعر بفراغ روحي ومادي، وأن حياتي فقدت الكثير من ثرائها بغيابهما، ونحن في أمسّ الحاجة إليهما. فقد كانا مثقفين من طراز خاص، ومن معدن نادر صعب جداً العثور عليه في عالمنا العربي المريض حتى النخاع.