كلّ ما يطلبه السائح من خدمات سياحية في لبنان موجودٌ في برمانا. طبيعة جبلية خلّابة مطلّة على البحر وطقسٌ جميل وبناء تقليدي مع مقاهٍ حديثة ومجمّعات ومسابح ومطاعم ونشاطات رياضية منظّمة من قبل البلدية... لذلك من الطبيعي أن يقوم رئيس البلدية بتوظيف عناصر شرطة في الصيف تعمل على تنظيم السير، ومن الطبيعي أيضاً أن يهتم بمظهر هؤلاء العناصر كونهم يمثّلون «واجهة برمانا». الهدف المعلن: جذب السياح إلى بلدته بتقديم صورة حضارية عن البلدة تمثّلاً بـ«الغرب المتحضّر» على حدّ قوله.

الهدف سامٍ والنية حسنة والبلدية لا تقوم إلا بواجبها، إذ إن القانون رقم 10-11 المؤرخ في 22 حزيران 2011 والصادر عن وزارة الداخلية والجماعات المحلية يعطي للبلدية دور اتخاذ كل التدابير التي ترمي إلى تشجيع السيّاح وجذبهم من جهة ثم استحداث فرص عمل للمواطنين من جهة أخرى.
لكن أن تفعل البلدية ذلك عبر توظيف شابات «جميلات» لتنظيم السير ويكون ارتداء الشورت القصير شرطاً لتأدية عملهن، فالطامة كبيرة ويلزمها نقاش على الصعيد العام. في القانون المذكور أعلاه بندٌ يعرّف البلدية أنّها الجماعة الإقليمية للدولة (الدولة التي شاركت بفخر عام 1948 بنص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تعهّدت في ما بعد بالعمل على القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة). وبحسب النص أيضاً، فإنّه من عملها اتخاذ تدابير لترقية تفتّح الطفولة والتعليم الحضاري والثقافي. بناءً على ذلك يتطلّب كل عمل تقوم به البلدية أن يكون تحت سقف احترام حقوق الإنسان في شكل عام وحقوق المرأة في شكل خاص بما أنّها موضوعنا الآن.
وهنا نسأل: هل «شورت الشرطيات» يعزّز المساواة بين المرأة والرجل، ثم المساواة بين النساء أنفسهنّ كمواطنات، وهل يعزّز حرية المرأة باستعمال جسدها؟ أم يكرّس تسليع هذا الجسد؟ كيف يتعامل الغرب «المتحضّر» والذي يتمثّل به رئيس البلدية، مع جسد المرأة؟ ما القيم التي نريد أن نبني عليها صورة المرأة اللبنانية المتحضّرة؟

هل «شورت الشرطيات» يعزّز المساواة بين المرأة والرجل؟


لنعرّف أولاً الصورة النمطية التي ستكون مفتاح نقاشنا هنا، كما عرفها صندوق الأمم المتحدة للسكان في لبنان في المعجم الصادر عام 2017: «هي التعميم أو التبسيط المسبق حول مجموعة كاملة من الناس (النساء مثلاً) من دون اعتبار الفروق الفردية بينهم... وهو غالباً ما يكون سلبياً وينتج منه تمييزاً ضد المجموعة». من الصور النمطية للمرأة هي أنها تافهة وعاطفية وأقل ذكاء من الرجل وتحب التسوّق كثيراً وقضاء الوقت بصورة مبالغة مع الأصحاب أمّا جسدها الجميل فهو وسيلة لتمتّع الرجل... إلى ما هنالك من صور ينتج منها فكرة أنّها لا تنفع في تسلّم مراتب سلطة وقيادة في العمل أو في السياسة ومكانها الأساسي هو البيت للاهتمام بزوجها وبشؤون بيتها وذلك بخضوع تام للرجل... بناءً على ذلك يتمّ التركيز عليها كإنسان ضعيف وتافه لكنّه عنوان للجمال الجسدي الممتع. فيُستعمل هذا الجسد والجنس معه عبر الإعلانات لتكريس هذه الصورة. نذكر مثلاً إعلانات أدوات المطبخ والتنظيف التي تتوجّه فقط للمرأة ثم الإعلانات التي تستعمل جسد المرأة ولذتها وتركّز عليها كـ«شيء» جنسي لبيع منتجات لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بالمرأة، فنراها حيناً فاتحة فخذيها شبه عارية في إعلان لبيع السيارات أو تمثّل الرعشة الجنسية في إعلان لبيع اللبن أو المثلّجات وغيرهما، فجسدها ولذّتها يصبحان بذلك سلعة يستهلكان لبيع كل ما هبّ ودبّ.
لا يساوي «شورت الشرطيّات» بين المرأة والرجل بما أنه لم يُفرض على الشرطي ارتداءه كما فرض على الشرطية. كما لا يساوي بين النساء أنفسهن، فاستبعاد النساء المتقدمات في السن أو اللاتي يتمتعن ببعض البدانة واللاتي يمكن أن يقمن بتنظيم السير بكفاءة هو تمييز ضدهن ناتج من الصورة النمطية لجمال المرأة النحيفة مع أن الكثير من الأشخاص يحبون المرأة البدينة ويرَونها أكثر جمالاً...
«الشورت» ليس عيباً ولا حراماً... فقط عندما تختار المرأة بنفسها ارتداءه فلا يُفرض عليها في عمل يتطلّب كفاءة معيّنة لا علاقة لها بجسدها ولا بإظهار سيقانها. ما فعلته بلدية برمانا يتجاوز تسليع جسد المرأة في الدعايات، فهو يُنزلها إلى الشارع وسط سيّاح يأتون غالباً من بلادٍ يكثر فيها الكبت الجنسي. فيكون استعمال الفتيات بهذه الطريقة، عن غير قصد من قبل البلدية، تشجيعاً للتحرّش بهنّ من طريق النظرات المسيئة أو الكلام الذي يطاول كرامتهنّ أو حتّى التعدّي عليهنّ عندما يتعلّق الأمر بمهووسين جنسياً يمرون في الشارع...

بلديات تواجه التمييز الجنسي
أما إقدام البلدية على أمر كهذا امتثالاً بـ«الغرب المتحضِّر» فهذا أمرٌ علينا التوقف عنده للنظر في ما تفعله بلديات المدن الكبرى لمواجهة هذا الخلل المنتشر في عالم يتكالب على الربح، ولا يعير وزناً لقيمة الإنسان وحقوقه.
فبلديات لندن وجنيف وباريس اتخذت خطوات حسيّة لمواجهة هذا الاستعمال للجنس ولجسد المرأة ابتغاء البيع والربح. فأصدرت قرارات عدة للحدّ من هذا الموضوع، بمنع نشر مثل هذه الإعلانات والكفّ عن تكريس الصور النمطية السلبية للمرأة في الإشهارات المنشورة على طرقاتها. في آذار 2017 مثلاً، اشترطت بلدية باريس على الشركة المتعاقدة معها لوضع الإعلانات عدم وضع أي إعلان يمس بكرامة النساء أو أي مجموعة أخرى من المواطنين وذلك من أجل فرض الترويج بطريقة أخلاقية. وفي المقابل تقوم البلدية بتنظيم مؤتمرات، منها مؤتمر أقيم في 27 حزيران الماضي، بعنوان «باريس من دون إعلانات تُميّز جنسياً» دعت إليه عاملين في الحقل الاجتماعي والإعلامي والتربوي والجمعيات الناشطة في ميدان حقوق الإنسان لمناقشة هذا الموضوع الذي تقع تبعاته على المجتمع ككل. ويرى المنظّمون أنه لا يمكن مواجهة العنف الناتج من التحرّشات في الشارع أو تكريس المساواة في الأماكن العامة إذا ظلّ المواطن معرّضاً يوميّاً لرؤية هذه الصور التي تميّز جنسياً، مما ينتج منها تكوين صور نمطية سلبية وانتشار العنف ضدّ النساء وغيرهن.

لنكن حضاريين
إذا أردنا أن نجذب السياح، هناك الكثير من الطرق لذلك. لماذا لا نفكر، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، أن يقوم منظمو السير نساءً ورجالاً بارتداء ثياب بهلوانية تنكّرية وأن يتم تعليمهم إضحاك الناس في زحمة السير أو إلباسهم مثلاً ثياباً تقليدية لتعزّز البلدية بذلك التراث الوطني وتجذب السياح بطريقة متميّزة وراقية.
إذا أردنا أن نتشبّه بالغرب كي ندخل العصر ونكون حضاريين فلندخله من بابه الواسع، لا عبر طرق ملتوية قديمة يناضل هذا الغرب للتخلّص منها. أمّا بعدُ، إذا كانت العودة عن الخطأ فضيلة، خصوصاً إذا كان هذا الخطأ ناتجاً من حسن نية فالرجوع عن «الشورت» حكمةٌ وفخرٌ للبلدية كي لا تكون برمانا مثلاً لاستعمال أجساد النساء للبيع والعلك والاستهلاك الرخيص.
* كاتبة لبنانية