لم يعد أمام اللبنانيين المنتظرين تأليف الحكومة وسط هذا الجدل المقيت إلا استذكار... الكرباج السّوري العتيد الذي كان يستلّه المرحومان غازي كنعان ورستم غزالة في الوقت المناسب، فتتشكّل الحكومات اللبنانية، وتنتظم الأحزاب أو الأطراف السياسية فيها و... يا دار ما دخلك شر!

يُروى عن الرئيس سليم الحص قوله ذات يوم من أيّام الوصاية (ولم لا... الانتداب) السوريّة إن السياسيّين في لبنان يشبهون «الغازون»، العشب الأخضر الذي عندما تتضارب أحجامه بين صغير وكبير ومتوسّط تأتي الماكينة السّوريّة فتحْلِق له، فتتساوى عندها الأعشاب شكلاً ومضموناً، وتصبح جميعها بالطّول نفسه.
أما اليوم، فماذا تقول في قضيّة الأحجام؟ ومن هو القادر على معرفة حجم هذا من حجم ذاك من القوى السياسية في وقت ضرب فيه كل طرف نفسه بثلاثة أو أكثر! ومن هو صاحب الفصل في المحاكمة الجارية فيأمر بإنهائها والعودة إلى المنطق؟ وهل لا يزال هناك منطق؟ كلنا اليوم نعترض وننتقد ونهاجم الأسلوب السّوري إيّاه الذي كان لبنان خاضعاً سياسيّاً له، لكن كلنا اليوم، في قرارة النفس، نعرف أن لبنان بحاجة إليه، بحاجة إلى من يقول قفوا عند حدّ! بحاجة إلى كرباج، هكذا ببساطة.
لماذا الكرباج ونحن (يا بَعد عيني) شعب حرّ ومجتمع متحضّر ولدينا نخب سياسية وقضائية واقتصادية تستطيع أن تكون قدوة في صناعة الأوطان! بكل صراحة: لأنّنا نتدلّل في غير وقت الدّلال، ونمزح في غير زمن المزاح، ونلهو بالأراجيح الكلامية الطّيّارة وحولنا الطائرات تقصف وتقتل... والعلم كله لا العالم العربي فحسب أمام تحدٍّ سيضرب قريباً، ويقال قريباً جدّاً، المنطقة بزلزال نار: التحدّي هو «صفقة القرن».
سنتجاوز الإضاءة على أيّ تحدّ داخلي داهم بالذّات في لبنان، وهي تحديات كثيرة... وتشد إلى أسفل سافلين، بل سنضيء على هذا الاستحقاق المفزع الذي تمهد له الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية والإمارات وبعض العرب، والذي قد يؤدي إعلانه، مجرد إعلانه، إلى ارتجاجات لن يكون لبنان بمنأى عنها أبداً. فإذا أعلنت الصفقة، ولبنان بلا حكومة ولا من يحكمون، وطوائفه وأحزابه مستنفرة، فأين سنكون؟ ومن سيتركنا نلتقط أنفاسنا لنشكل حكومتنا ونحن ندري أن يد العرب، بعض العرب، قد دخلت إلى الحنجرة اللبنانية وباتت تهندس داخلها أحجاماً وأرقاماً؟ ومن قال إن عدم تشكيل الحكومة اللبنانية لن يكون سياسة متّبعة ومادة توتير مطلوبة ودائمة عند ذاك لحرف الأنظار الإعلامية عن هذا المشروع الجهنمي الكبير؟
هذا دلع؟ نعم، هذا دلع! هذا ولع؟ نعم هذا ولع! دلع وولع أوصلانا إلى القرف، نعم أوصلانا إلى القرف... لكن ما الحل؟ربما في هذه الطرفة: دخل أب وأم ومعهما ابنهما المدلل إلى متجر لألعاب الصغار. رأى الولد سيارة مزينة فطلب شراءها له، رفض الأهل، فبكى وصعد إلى السيارة ضارباً عليها مكسراً بعض أدواتها، فانصاع الأب والأم واشترياها له. ثم رأى طائرة صغيرة فطلب أيضاً شراءها، فرفض الأهل طلبه، فصعد إليها باكياً مكسراً، فاشتروها له. ثم رأى حصاناً مزركشاً فصعد فوقه وطلب شراءه، فرفض الأهل طلبه بقوة هذه المرة، وطلبوا إليه أن ينزل عن الحصان، فلم يرضخ، بل أرغى وأزبد عويلاً، فتقدم أحد العاملين في المتجر إلى الأهل، عارضاً عليهم أن يحلّ الأمر مع الولد. تمّت الموافقة. فتقدم العامل نحو الولد هامساً في أذنه بأربع خمس كلمات لا غير، فإذا بالولد ينزل ويسير مطأطئ الرأس واقفاً خلف والده. صفق الحاضرون للعامل وسألوه ماذا قلت للولد؟
أجاب العامل: «قلت له انزل وإلّا ضربتك على فمك فكسرت أسنانك!».
الحل إذن: ضربة كرباج (سوريّة الطعم لا المصدر)، وهذا متعذّر اليوم، أو ضربة على الفم تكسر الأسنان.
أما من سيفعل هذا العمل الخلاصي؟ فكنا نظن أن الشعب اللبناني هو الوحيد القادر على ذلك، لكن تبين أنه مشغول حالياً... بمهرجانات الصيف.
* شاعر وأستاذ جامعي