بعد طول سُبات، لربع قرن أو يزيد، تطل «الشرق أوسطية» برأسها مرة أخرى، ولكن بثوب جديد. هل تذكرون ما جرى أيام «حرب الخليج الثانية» عام 1991، التي أُطلقَ عليها «حرب تحرير الكويت»؟ يومها عمل الرئيس الأميركي، جورج بوش (الأب)، على تجييش الجيوش وتجنيد الجند العرب للالتحاق بالحرب، وشاع مصطلح «الربط»، أي الربط بين الدخول معاً في الحرب تحت مظلة «جامعة الدول العربية» وبين البدء بتسوية «الصراع العربي ــ الإسرائيلي».

لم يكن بدٌّ من أن يقوم بوش الأب بجهد سياسي ودعائي كثيف في اتجاهين: أــ الدعوة إلى بناء «نظام دولي جديد» ردّاً على انهيار الاتحاد السوفياتي، لتدشين نظام يحل محل «القطبية الثنائية» التي استمرت خلال ربع القرن التالي للحرب العالمية الثانية في مرحلة «الحرب الباردة» بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. بــ الدعوة إلى محادثات للتسوية بين العرب وإسرائيل، بعد انقشاع غبار معركة الكويت. وبالفعل تم عقد «مؤتمر مدريد للسلام» أواخر عام 1991، والذي انتهى بمسار من خطين، الأول هو العلاقات المتعددة الأطراف بين الدول العربية وإسرائيل، والثاني متمثل بالعلاقات الثنائية بين إسرائيل وكلّ من الدول العربية المعنية على حدة، وهي مصر وفلسطين والأردن ولبنان وسوريا. سبقت العلاقات المتعددة الأطراف العلاقات الثنائية. وعُقدت سلسلة من المؤتمرات حول ما سمّي «التعاون الاقتصادي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» من خلال «مؤتمر القمة الاقتصادي». هكذا انعقد المؤتمر الأول في الدار البيضاء عام 1994، والثاني في عمّان عام 1995، ثم الثالث في القاهرة في تشرين الأول عام 1996.
صاحبت الحركة العملية للتعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل المسمّاة بالتعاون في منطقة «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» حركة فكرية دائبة، كان أصحاب السهم الوافر فيها هم المثقفين العرب ذوي الاهتمام العام، الذين هبّ فريق منهم للتنبيه إلى خطر اندماج الكيان الصهيوني في الجسم «الهيلامي» لـ«الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، جرّاء تمييع الهوية العربية وإذابة إسرائيل في الجسم الكبير. وظلت المعركة الفكرية قائمة طوال عقد زمني أو يزيد (1994ــ 2004)، وأشعل أوارها إصرار الغرب، بالقيادة الأميركية، على الدعوة الدائبة إلى بناء الشرق الأوسط تارة ليضم تركيا، وربما كذلك إيران بعد «تغيير النظام»، أو الشرق الأوسط «الكبير» تارة أخرى ليضم الحزام المتهمة إيران بالسعي إلى محاولة تشكيله عبر قوس ممتد من إسلام آباد إلى الدار البيضاء، وتارة ثالثة أطلقوا عليه الشرق الأوسط «الموسّع» ليصل إلى إندونيسيا وجنوب شرق آسيا. وفي جميع الأحوال، ظل الهدف الغربي الثابت هو دمج إسرائيل في كيان أوسع منها، لعله «السوق الشرق أوسطية»، لتلعب فيه دوراً محورياً، سعياً في النهاية إلى طيّ صفحة القضية الفلسطينية عبر الزمن.
لم تحقق الدعوة إلى الشرق أوسطية شيئاً مذكوراً، بفعل ضربات «الانتفاضة الفلسطينية الثانية» مطلع الألفية الثالثة، وأيضاً بفعل تأثير التغير الجذري في بنية السياسة الإسرائيلية، وخاصة بعد «اتفاق أوسلو» عام 1993 واغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، وفق اتجاه ثابت لرفض خيار «الاندماج» و«حل الدولتين» مقابل فرض خيار «الدولة اليهودية» تدريجياً.

لم تحقق الدعوة إلى الشرق أوسطية شيئاً بفعل ضربات «الانتفاضة الثانية»


خلال الفترة الممتدة من 2004 إلى 2010 سكتت مدافع الإيديولوجيا الهجينة، المسوّقة باسم السوق وباسم الشرق الأوسط، ثم جاءت أحداث «الثورات» في تونس الخضراء وفي ميداني التحرير في القاهرة وصنعاء، وأحداث «الربيع» المصنوع والمصبوغ بالدم في ليبيا، وأحداث «الفجر المتحوّل» في «قلب العروبة النابض». جاءت جميعها لتطوي صفحة القعقعات المختلطة بغير سلاح، وشقشقات المثقفين، وانطوت معها صفحة الجدل حول التعاون الاقتصادي بين العرب وإسرائيل. ظل الأمر كذلك سبع سنين. ودوى صوت جهوريّ جديد يصك الأسماع حول التعاون الاقتصادي بين بعض العرب وإسرائيل في مجال الطاقة والغاز، ولكن هذه المرة من دون إيديولوجيا أو أي نوع من «الربط» السياسي بين المطلب الفلسطيني ومبادلة الغاز.
ماذا جرى خلال الفترة منذ مؤتمر«مدريد للسلام» عام 1991 حتى التبشير ببناء «مركز لوجيستي إقليمي ودولي للغاز» في إطار الشرق الأوسط وساحل البحر المتوسط الجنوبي عام 2018؟ وما هي المسارات التي اتخذها التصور الاستراتيجي للعلاقات الاقتصادية بين العرب وإسرائيل، وكيف جرى العمل خلال الثلاثين عاماً الأخيرة؟ هذا ما تلزم معالجته، من خلال إعادة بناء المسارات الأساسية وصولاً إلى العزم على إطلاق سوق شرق أوسطية «منزوعة الدسم»، سوق في إقليم مندمج ومركّب من الشرق الأوسط وجنوب البحرالمتوسط، تقع في قلبه إسرائيل ولكن من دون خيار شرق أوسطي بالمعنى السابق. ويتصل بذلك سؤال، كيف يجري العمل على قدم وساق من أجل إقامة السوق من دون أن تكون سوقاً شرق أوسطية بالذات؟ سوق تتصل بأوثق العُرى مع الخيار الشرق الأوسطي للدمج الصهيوني، ولكنها لا تمتّ بأي صلة إلى الإرث السياسي «الرومانسي» السابق بشأن العلاقات الاقتصادية بين العرب وإسرائيل؟
هذا المسار، من حيث الجوهر، كان مجرد مسار محتمل خلال التسعينيات من القرن الماضي. قلنا يومئذ إنه خيار غير مستبعد، خاصة في ضوء مؤشرات اتجاهات الرأى العام الإسرائيلي. كان تحقيق هذا المسار تقف دونه مصاعب جمّة، منها معارضة الغرب والولايات المتحدة، فى ذلك الوقت، لخيار «إسرائيل الكبرى المرشّقة» الساعية إلى احتكار المنافع على أوسع رقعة عربية ممكنة من دون أي استعداد لمبادلة المكاسب، وتفضيلهما المؤقت لخيار «إسرائيل الشرق أوسطية»، وفق أطروحة شيمون بيريز في كتابه «الشرق الأوسط الجديد».
واليوم نرى نوعاً من محاولة العودة إلى شكل من أشكال «إسرائيل الكبرى المرشّقة»، غير الشرق أوسطية بالمعنى السابق، تبتلع ما وضعت يدها عليه، ولا تتطلع إلى احتلال المزيد من الأراضي، فهي «مضغوطة» جبراً تحت تأثير قوة التيار المقاوم الفلسطيني والعربي وبعض العالم الإسلامي، صموداً وتصدياً، وخاصة من حيث إفشال التصور الغربي، ولو نسبياً، لما سمّوه «الربيع العربي»، لا سيما إزاء سوريا.
في المقابل، تتجه إسرائيل «غير كبرى» إلى المنحى الأشد عنصرية و«تصهيناً» في النظام السياسي الأميركي، كما يتبدّى في إدارة ترامب، وذلك من أجل التنكر لما يسمى حل الدولتين وقضايا الحل النهائي في آن واحد، باعتبار إسرائيل «دولة يهودية». والأهم أنها يمكن أن تحصل على عائدات مجانية من بعض البلدان العربية، وغير العربية المحيطة، بدءاً من صفقات الغاز، من دون أن تكون مضطرة إلى دفع أي أثمان لقاء «العربدة».
هذه الصيغة يمكن النظر إليها كنوع خاص من «الشرق أوسطية»، تقوم على المبادلة الاقتصادية الرسمية، والمبادلة غير الرسمية من قبل شطر من القطاع الخاص العربي الكبير، المدعوم رسمياً. هي «شرق أوسطية» يجري العمل من خلالها على اندماج إسرائيل اقتصادياً، من جانب أول، ولكنها «غير شرق أوسطية» تماماً، من جانب آخر، إذ لا يترجم اندماجها الاقتصادي سياسياً على هيئة تنازلات في مضمار القضية الفلسطينية.
المسألة تتلخص بمدى إمكانية هذه الصيغة الهجينة أن تنجح في بيئة دولية وإقليمية مراوغة، ذات درجة عالية جداً من «عدم اليقين».
* أستاذ في معهد التخطيط القومي في القاهرة